أخذ المدير "تشانغ" نفسًا عميقًا، وقرر أن يتجاهل مؤقتًا تلك الكلمات الصادمة التي قالتها "تشانغ غوي فانغ" حول "لماذا لم تبتعدا عن الأنظار". عدل من جلسته، ورفع كوب الشاي ليرطب حلقه الذي كاد يشتعل، محاولاً إعادة الحوار إلى مساره الصحيح. شعر أنه بما أن "ورقة العواطف" لم تجدِ نفعاً، فعليه اللجوء للمنطق، وعرض البيانات، واستخدام الواقع المرير لتحطيم هذا التفاؤل الأعمى لدى أولياء الأمور.
وجه نظره نحو والدة "تشن تشي"، "تشانغ غوي فانغ"، وقال بنبرة مخلصة: "والدة تشن تشي، أنا أتفهم أن أولياء أمور هذه الأيام منفتحون فكرياً، ولسنا محافظين كما كان الحال في جيلنا. لكن، يجب أن ننطلق من الواقع. المرحلة الإعدادية هي فترة حرجة لبناء الأساس التعليمي للطفل. الحب المبكر هذا، يشبه العشب السام، يمتص طاقة الطفل. إذا وضع الاثنان فكرهما في تبادل المشاعر والغزل، فسيشرد ذهنهما في الفصل، ولن يؤديا الواجبات في المنزل، والنتيجة ستكون واحدة فقط—انهيار مستوى الدرجات لكليهما."
كلما تحدث المدير "تشانغ"، زاد شعوره بأنه على حق، فبدأ ينقر على المكتب بأصبعه مصدراً صوت "توك توك": "عندها، ستكون نتائج اختبارات الثانوية كارثية، ولن يتمكنا حتى من دخول مدرسة ثانوية عادية، وسيكون الندم حينها بلا فائدة! إنها مسألة تتعلق بمستقبل الطفل وحياته بأكملها!"
كانت "تشانغ غوي فانغ" تستعد للرد، لكن المعلمة "وانغ شي" الواقفة جانباً سعلت فجأة.
بدت تعبيرات "وانغ شي" غريبة بعض الشيء، وهمست محذرة: "عذراً... مدير تشانغ، للمقاطعة فقط. تشن تشي هو الأول على مستوى السنة الأولى الإعدادية في مدرستنا."
تجمدت يد المدير "تشانغ" التي كانت تنقر على المكتب في الهواء.
ساد صمت غريب في المكتب.
أدار المدير "تشانغ" رأسه ببطء، ونظر إلى "وانغ شي" بنظرة عتاب تقول بوضوح "لماذا لم تقولي ذلك من قبل؟". فتح فمه ليقول شيئاً، لكنه شعر أن أي كلام سيكون باهتاً ولا معنى له. الأول على المستوى؟ وهل يمكن لمن هو في علاقة حب مبكرة أن يكون الأول على المستوى؟
"احم احم..." نحنح المدير "تشانغ" تكتيكياً ليخفي إحراجه. بما أن ورقة "الدرجات" لم تنجح، فليغير الزاوية. التفوق الدراسي لا يعني أن المستقبل سيكون وردياً، فالمجتمع قاسٍ جداً!
عدل استراتيجيته بسرعة، وصوب سهامه نحو "لين جينغ"، والدة "لين وان وان". فهذه السيدة تبدو أنيقة وراقية، ومن المؤكد أنها شخصية عاقلة.
"والدة وان وان." قال المدير بنبرة وعظية ووجه يحمل ملامح الأسى، "أعلم أن العائلتين جيران، والعلاقة جيدة، وربما لا تهتمون بهذه التفاصيل الصغيرة. لكن، يجب أن تكون النظرة بعيدة المدى. الحب في المرحلة الإعدادية هو مجرد سراب لا نتيجة له. لاحقاً في الثانوية، ومع ضغوط الدراسة وتوزيع الفصول والبعد الجغرافي، ستكون المتغيرات كثيرة جداً."
شعر المدير "تشانغ" أنه دخل في صلب الموضوع، فارتفع صوته قليلاً: "وإذا نظرنا أبعد من ذلك، عند دخول المجتمع ومواجهة ضغوط العمل وشراء السكن وتفاصيل الحياة اليومية، هناك سيكون الاختبار الحقيقي. تشن تشي متفوق الآن، لكن من يضمن استمراره؟ ماذا لو تشتت ذهنه لاحقاً بسبب المشاكل العاطفية، ولم يدخل جامعة جيدة، وتعثر في عمله، وأصبح عاجزاً حتى عن إعالة أسرته؟ عندها، سيعاني الزوجان الفقيران من مرارة العيش، فماذا سيكون مستقبلهما؟ بصفتنا أولياء أمور مسؤولين، يجب أن نئد هذه المخاطر في مهدها. انتظروا حتى دخول الجامعة واستقرار الوظيفة، حينها لن يكون الوقت متأخراً للحب."
كان كلام المدير "تشانغ" يقطر إخلاصاً ومنطقاً محكماً؛ فهو لم يحلل الحاضر فحسب، بل تنبأ بالمستقبل أيضاً، في مقال يصلح لأن يكون "نموذجاً مثالياً" لمكتب شؤون الطلاب في مكافحة الحب المبكر.
استمعت "لين جينغ" بهدوء، وحافظت على ابتسامتها اللائقة طوال الوقت. عدلت فستانها برقة، ثم جلست ببطء.
"مدير تشانغ، لقد أتعبت نفسك." كان صوت "لين جينغ" ناعماً ورقيقاً، لكنه يحمل قوة وثقة لا يمكن تجاهلها، "لكن بخصوص ضغوط المستقبل، أعتقد أنك ربما قلق أكثر من اللازم."
توقفت قليلاً، ومررت بصرها على الطفلين الواقفين في الزاوية، وقالت بهدوء: "توزيع الأصول الحالي لعائلة لين لدينا، رغم أنني لا أجرؤ على القول إنه يضاهي ثروات الدول، إلا أنه يكفي لهذين الطفلين ليعيشا حياة رغيدة مدى الحياة دون قلق. بل حتى لو لم يفعلا شيئاً طوال حياتهما، وظلا مستلقيين في المنزل، سيعيشان حياة أفضل من الغالبية العظمى من الناس. أما بالنسبة لـ تشن تشي..."
نظرت "لين جينغ" إلى "تشن تشي" بنظرة تحمل كل الرضا الذي تكنه حماة لزوج ابنتها المستقبلي: "هذا الفتى ذكي، وأخلاقه عالية. حتى لو لم يعمل في المستقبل، فإن عائلتنا قادرة تماماً على إعالة شخصين لا يعملان، والأمر يتجاوز طاقتنا بكثير."
"بفففت—"
كادت "وانغ شي"، التي كانت تتابع الموقف بفضول، أن تبصق ما في فمها من شدة الضحك، فغطت فمها بسرعة وأدارت وجهها للجهة الأخرى، بينما كانت كتفاها ترتجفان بعنف.
أما المدير "تشانغ"، فقد أصيب بالذهول التام.
شعر وكأن دخاناً يتصاعد من دماغه في تلك اللحظة.
لقد عمل مديراً لشؤون الطلاب لعشرين عاماً، رأى أولياء أمور يبكون وينوحون، ورأى من يضربون أبناءهم، ورأى من يدافعون عنهم بشراسة. لكنه لم يرَ قط هذا النوع—أولياء أمور يستخدمون "قدرة المال" مباشرة.
متفوق دراسياً؟ حسناً، سأتحمل.
العائلة تمتلك ثروة طائلة؟ كيف نناقش هذا؟ كيف يمكن الاستمرار في الكلام؟!
ظل المدير "تشانغ" فاغراً فاه، ولم يستطع إخراج كلمة واحدة لنصف دقيقة. شعر أن جعبة المواعظ التي أعدها كانت كمن يوجه لكمة لقطعة قطن؛ لم يؤذِ الخصم فحسب، بل أصاب ظهره هو بالتشنج.
في النهاية، لم يجد المدير "تشانغ" بداً من التلويح بيده بضعف، كمن يطرد ذبابة، واضعاً أمله الأخير في بطلي القصة. التفت نحو "تشن تشي" و"لين وان وان"، وبدا صوته خالياً من القوة السابقة، بل مشوباً بالوهن: "هل أنتما حقاً في علاقة حب؟"
تبادل "تشن تشي" و"لين وان وان" النظرات.
بدت ملامح "تشن تشي" مليئة بالاستقامة، وهز رأسه كالمروحة: "أبداً! أيها المدير، ما بيننا هو صداقة ثورية نقية، أصفى من الماء المقطر!"
هزت "لين وان وان" رأسها هي الأخرى بجنون، وتأرجحت ضفيرتها يميناً ويساراً: "لا لا، أيها المدير، لقد أسأت الفهم حقاً، نحن مجرد جيران نعتني ببعضنا البعض."
نظر المدير "تشانغ" إلى هذين الماكرين المنسجمين تماماً، ثم نظر إلى وليتي الأمر اللتين تشبهان القوى العظمى بجانبهما، وفقد كل حيله.
أطلق تنهيدة طويلة، وشعر وكأنه كبر عشر سنوات في لحظة.
"حسناً حسناً، معلمة وانغ." انهار المدير "تشانغ" جالساً على كرسيه ولوح بيده، "خذي هذين الطالبين وأعيديهما. لتبقَ هاتان السيدتان قليلاً، لأتواصل، أتواصل معهما أكثر."
رغم علمه أن التواصل سيكون على الأرجح بلا فائدة، إلا أن كرامته كمدير لشؤون الطلاب أجبرته على الصمود حتى اللحظة الأخيرة.
"تحت أمرك أيها المدير." قالت "وانغ شي" كمن نال عفوًا، ونادت بسرعة على "تشن تشي" و"لين وان وان": "أنتما الاثنين، اتبعاني للخارج."