الفصل الثلاثمئة والثامن: نحن في حمى إله جبل الكوارث!
____________________________________________
مرت ثلاثة أشهر على عجل، واصل خلالها نينغ تشينغ شوان تدريبه المنعزل. وفي ذاك اليوم، ظهرت جماعة من الضيوف غير المرحب بهم عند مشارف القرية التي تستكين عند سفح الجبل.
كان الذي يتقدمهم يرتدي رداءً رماديًا، وقد نُقشت على وجهه وشوم سوداء كثيرة، بينما كانت عيناه الغائرتان تومضان ببريق قارس. أحاطت بجسده هالة من قوة الفنون السرية والقدرات الخارقة، تحميه من تسلل الأدخنة السامة المنتشرة في منطقة البرية العتيقة المحرمة.
همس أحد الشبان الواقفين بجواره بصوت خفيض قائلًا: "يا شيخنا السادس، إنني أرى هذا المكان غريبًا بعض الشيء. إنه هادئ أكثر من اللازم، هدوءٌ يثير الريبة، حتى أنني أكاد لا أشعر بأي هالة لعشائر الشياطين".
كانت القرية التي لا يتجاوز عدد سكانها الألف نسمة تمتد تحت أقدامهم، وأمامهم يلوح جبل الكوارث سيئ السمعة. ففي سالف الأزمان، كان هذا الجبل مرتعًا للشياطين العظام، ولم تخلُ أرجاؤه من آثار أسياد الجبال. أن توجد قرية عامرة كهذه، يتصاعد من بيوتها دخان الطهي في مثل هذه البيئة القاسية، كان أمرًا يبعث على الحيرة والغرابة حقًا.
وتساءل شاب آخر بنبرة مثقلة بالهم، وقد بدأ الرعب يدب في قلبه: "أجل، فمن المنطقي أن تكون الأراضي المجاورة لأرض الشؤم قاحلة لا زرع فيها ولا حياة، فكيف بقيت هذه القرية صامدة حتى يومنا هذا؟"
أجاب الشيخ السادس بلهجة قاطعة لا تعبأ بشيء: "ما هي إلا أرض شؤم، لا تستحق كل هذا الاهتمام. طالما أننا لا نتعمق في منطقة البرية العتيقة المحرمة، فلن يمسنا أي خطر. أسرعوا الآن، واجمعوا كل من يمتلك جذرًا روحيًا في هذا المكان".
كان الشيخ السادس ينفذ أوامر طائفة دمى الجثث التي تقضي باختطاف كل من يمتلك جذرًا روحيًا في الأنحاء المجاورة، وذلك لتعزيز قوة الطائفة وتجديد دمائها. ورغم صغر حجم القرية التي تمتد تحت أقدامهم، إلا أنه كان على يقين من وجود شبان ذوي مواهب واعدة بين أهلها.
لم يترددوا بعدها، فانطلقت المجموعة المكونة من خمسة أفراد بخطى واسعة، حتى بلغوا القرية في لمح البصر. وبحركة واحدة من كمه، أطلق الشيخ السادس حاجزًا سحريًا هائلاً أحاط بالقرية كلها، ثم دوى صوته المهيب في كل الأرجاء.
"ليستمع كل من في هذا المكان، أمامكم نصف عود بخور لتأتوا إلى مدخل القرية، ومن يتخلف عن ذلك، فمصيره الموت".
تردد صدى صوته البارد في أرجاء القرية التي لا تتجاوز مئة ميل، فدب الرعب في قلوب القرويين، أينما كانوا، ومهما كانت مشاغلهم. وقع هذا المشهد على مرأى من يي يو رو، فعبست في استياء، وأطلقت وعيها الروحي لتستطلع ما يحدث عن كثب.
هرع شيخ القبيلة خارجًا من المعبد بخطى متعثرة، متكئًا على عصاه، وقد علا الرعب والجزع محياه وهو يصرخ: "لقد وصل خالدُو طائفة دمى الجثث!"
وما هي إلا لحظات حتى تجمع عدد كبير من شبان القرية عند المدخل، وقد جثوا على ركبهم يرتجفون خوفًا. لم يجرؤ أي منهم على إبداء أي مقاومة في وجه الهيبة الخالدة التي كانت تنبعث من الشيخ السادس.
ألقى الشيخ نظرة فاحصة على الشبان، واخترقت عيناه قدراتهم الكامنة، فرأى فيهم مواهب واعدة في دروب التدريب، فتلألأت عيناه ببريق طماع، وألقى عليهم على الفور تعويذة تقيد حركتهم.
"توقف أيها الخالد العظيم!" هتف شيخ القبيلة بصوت مرتعش، "هل يمكننا أن نجد حلاً آخر؟ نحن على استعداد لتقديم القرابين لطائفة دمى الجثث، نرجوك أن ترفع يدك الكريمة عنهم وتدعهم وشأنهم!"
كان يعلم أن الشباب الذين اختارهم الشيخ هم عماد القرية ومستقبلها. كانت هذه كارثة لا عودة منها، وليست فرصة للتدريب كما قد يظن البعض، فمصيرهم أن يصبحوا في أسفل مراتب الطائفة، وإن فشلوا في إتقان فنونها الخالدة، فسيتحولون إلى دمى هامدة لا إرادة لها.
رد الشيخ السادس ببرود وازدراء: "وهل تظن أنك في موضع يسمح لك بمساومتي؟"
وبحركة من كمه، أطلق عشرات التوابيت السوداء التي ابتلعت كل الشبان الموهوبين في غمضة عين. ومن بين الجموع الراكعة، انطلقت صرخة يائسة من فتاة كانت إحدى اللواتي قدمهن شيخ القبيلة قربانًا لنينغ تشينغ شوان من قبل، وقد فاضت الدموع من عينيها وهي تصرخ: "أبي!"
تضرع شيخ القبيلة مرة أخرى، وقد ألقى عصاه جانبًا وجثا على ركبتيه هو الآخر: "إن هذه القرية في حمى إله جبل الكوارث، أتوسل إليك باسمه أن تعفو عنهم!"
لمعت عينا الشيخ السادس ببريق من الدهشة والفضول وهو يردد: "إله جبل الكوارث؟ هل تعني أن جبل الشؤم ذاك قد وُلد فيه إله في السنين الأخيرة؟"
قهقه الشاب الواقف بجواره وكأنه سمع أطرف نكتة في حياته، ثم هز رأسه ساخرًا وهو يرمق بعض الفتيات بنظرة جشعة: "يا لك من فتى مثير للشفقة! كيف لأرض شؤم أن تحميكم؟ احمدوا ربكم أنها لم تبتلعكم أحياء".
وأضاف شاب آخر بنبرة هادئة، وقد بدت عليه علامات المفاجأة: "دعك من أن أرض الشؤم لا يمكن أن تحمي أحدًا، وحتى لو كان ذلك صحيحًا، فماذا في الأمر؟ أمام طائفة دمى الجثث، حتى آلهة الجبال لا تملك إلا أن تحني هاماتها".
تمتمت الفتاة بصوت خافت، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة: ‘كنت أعلم ذلك، لطالما كان شيخ القبيلة على خطأ.’ لقد تذكرت كيف دأبت القرية على تقديم القرابين لإله جبل الكوارث طيلة الثلاث مئة عام الماضية، فأدركت أن أرض الشؤم تبقى أرض شؤم، حتى لو وُلد فيها إله، فلن يكون إلا إله مصائب.
"بتجاهلكم هذا لسيدنا إله الجبل، ستنالون عقابه لا محالة!"
صرخ شيخ القبيلة وقد تملكه غضب عارم، فنهض واقفًا واستجمع شجاعة لم يعهدها في نفسه من قبل، وأشار بإصبعه المرتعشة نحو الشيخ السادس. لقد أخبره والده يومًا أن إله جبل الكوارث هو حامي القرية، فمنذ ولادته قبل ثلاث مئة عام، لم تعد الأرواح الشريرة تجرؤ على إيذاء القرية. كان الإيمان به وصية الأجداد وعقيدته الراسخة، ولن يسمح لأي غريب، حتى لو كان خالدًا من طائفة دمى الجثث، أن يهين إلهه ويحطم إيمانه، ويجعل من تعاليم أجداده أضحوكة.
"يا لك من أحمق." قال الشيخ السادس ببرود، وبمجرد فكرة خطرت بباله، أطلق طاقة نقية هائلة، عازمًا على إبادة كل من في القرية.
كانت يي يو رو، التي تراقب المشهد عن كثب، على وشك التدخل، حين انشق الفضاء فوق القرية فجأة، وانبثق منه ضياء إلهي مهيب، تجسد في صورة جبل هائل لا حدود له، متشكل على هيئة كف بخمسة أصابع، ثم هوى بلا رحمة على الشيخ السادس وتلاميذه.
اجتاحت المكان هالة من الشر والظلام والوحشية، فصاح الشيخ السادس وقد رفع رأسه في ذعر: "من هناك؟"
أطلق كل ما لديه من قوة وفنون خالدة في محاولة يائسة لتحطيم الكف السماوي، لكن ما إن لامسه حتى تحطم وعيه الروحي في الحال. بصق الرجل دمًا، وقد تحول لون وجهه إلى شحوب مميت من شدة الهلع. أما تلاميذه، فلم يتمكنوا من الصمود للحظة واحدة، فأطلقوا صرخات مروعة، وسُحقت أجسادهم تحت الضغط الهائل، وتبددت أرواحهم.
"إله جبل الكوارث؟" لم يصدق الشيخ السادس ما يحدث، فعض لسانه بقوة لينثر قطرة من دمه، محاولاً تفعيل قدرته الفطرية الخارقة للفرار.
لكن الكف السماوي تحول من القمع إلى القبض، فأطبق عليه وسحقه حتى الموت. وقبل أن يتلاشى وعيه تمامًا، لم يكن يصدق أن هذه القرية كانت حقًا في حمى إله جبل الكوارث، وأن قوته قد بلغت مرتبة إله جبل عظيم. فأن يولد إله بهذه المرتبة على أطراف منطقة البرية العتيقة المحرمة كان أمرًا يفوق الخيال.
دوى صوت الانفجار، وعندما انقشع الدخان، لم يعد هناك أي أثر لأفراد طائفة دمى الجثث عند مدخل القرية، فقد تحولوا جميعًا إلى ضباب من دماء.
حدق شيخ القبيلة وسائر القرويين في السماء بذهول، وهم يراقبون الكف الهائل وهو يتلاشى ببطء في الأفق.
"لقد تدخل سيدنا إله الجبل..." همست الفتاة وذماغها يكاد ينفجر، فلم تتخيل يومًا أن إله جبل الكوارث سيئ السمعة سيتدخل لنجدتهم حقًا.