الفصل الثلاثمئة والسابع والثلاثون: طريقة إله الأصل البدائي في خلق العرق
____________________________________________
كانت هناك كتابات أخرى منقوشة أسفل الصخرة العملاقة، فتسمّر نينغ تشينغ شوان في مكانه يتأملها طويلاً، وقد لمع بريق خافت في عينيه.
كان هذا الجبل يُدعى جبل لوه فنغ، وهو أرضٌ لإلهٍ قوي من آلهة الأشباح. لم يكن هذا الاسم غريبًا على نينغ تشينغ شوان، فقد كان على دراية به من قبل، إذ صادف في سجلات قصر التناسخ التي تروي أخبار العوالم السماوية العديدة، ذكر كائنات كثيرة تحمل لقب إله جبل لوه فنغ.
كان بعضهم سادة يحكمون نظام جحيمٍ ما، وبعضهم الآخر آلهة لعناتٍ تجسدت من أفكار الشر اللامتناهية. أما إله جبل لوه فنغ في قارة البرية البدائية هذه، فكان من الواضح أنه ينتمي إلى سلالة آلهة الأشباح.
وإن دلّ خضوع كل هذه الجبال له على شيء، فإنما يدل على مكانته التي لا تضاهيها مكانة. بثّ نينغ تشينغ شوان وعيه الروحي ليغطي تلك الأرض الشاسعة، وسرعان ما اكتشف وجود قوة شريرة أشد هولاً عند قمة الجبل.
لم يتردد للحظة، فخطا خطوة واحدة وصل بها إلى القمة. وهناك، تراءى له قصر عتيق مهدم قد أكل عليه الدهر وشرب، وبدا له أنه ما يزال يحتفظ ببصيصٍ خافت من جوهر إله الأشباح الأصلي.
ورغم ضعفه الشديد، إلا أن قوة استشعار نينغ تشينغ شوان مكنته من التقاطه. بدا الأمر وكأن هذا الجوهر قد انبثق من جسد إله جبل لوه فنغ بعد فنائه، ليلتحم بالجبل ويصبح جزءًا منه.
"درب آلهة الأشباح يشبه إلى هذا الحد درب آلهة الجبال؟" لمعت نظرة غريبة في عيني نينغ تشينغ شوان وهو يمد يده ليلمس ذلك الجوهر الأصلي.
بفضل قدرة الفهم التي تمنحها له قدسيته كإله أصل بدائي، استوعب جوهر إله الأشباح سريعًا. غمره شعور وكأنه قد دخل في حلمٍ تجلّت فيه صور الماضي، فرأى مشاهد ملحمية عتيقة لا حصر لها.
قبل دهور لا يعلم مداها إلا الخالق، كانت قارة البرية البدائية تحت حكم عرقين من الآلهة، هما الآلهة والشياطين وآلهة الأشباح. كانا عدوين لدودين يخوضان حروبًا طاحنة لا تنتهي، صراعٌ أبديٌ لا هوادة فيه.
لم يكن إله جبل لوه فنغ هذا سوى الحاكم الأعلى لعرق آلهة الأشباح بأسره في ذلك الزمان، وقد بلغت قوته ذروة العالم الخامس عشر، ما يجعله إلهًا خارقًا من نفس مرتبة سيد الغربان الذهبية الإلهي شي تيان.
وتحت قيادته، تمكن عرق آلهة الأشباح من قمع الآلهة والشياطين وفرض هيمنته، بل ونجح في طردهم إلى أطراف القارة القاحلة. غير أن هذا المشهد لم يدم طويلاً، فقد انقلبت الموازين سريعًا، وحلّ على عرق آلهة الأشباح يومهم الأكثر يأسًا وبؤسًا.
فقد هبط من بين صفوف الآلهة والشياطين مؤسس العرق بأكمله، شيطانٌ عظيم بلغ مرتبة إله الأصل البدائي. لقد اكتسح عرق آلهة الأشباح بقوة لا تُقهر، وقتل إله جبل لوه فنغ بيديه، ما دفع عرق آلهة الأشباح إلى حافة الانقراض، ولم ينجُ منهم سوى قلة قليلة ظلت تقاوم للبقاء.
كانت كل هذه المشاهد مسجلة في ذلك الجوهر الأصلي، الذي كان له تأثير يماثل تأثير حجارة استيعاب الدرب( الاستنارة). وهذا يعني أيضًا أن الأساطير المتداولة في قارة البرية البدائية حول الآلهة والشياطين وآلهة الأشباح كانت حقيقية.
"هل يمكن لمرتبة إله الأصل البدائي أن تبتكر دربًا للآلهة؟" قبض نينغ تشينغ شوان على جوهر إله الأشباح، وقد اهتز قلبه بعنف من هول ما اكتشف.
على امتداد قارة البرية البدائية، لم يكن هناك أي تفسير لأصل الآلهة، فكان أمرهم غامضًا كغموض نشأة الحياة نفسها التي لا يمكن تتبع مصدرها الحقيقي. ولكن في جوهر إله الأشباح ذاك، تكشفت أمام نينغ تشينغ شوان حقيقة في غاية الهول.
فإذا وضعنا آلهة الجبال والغربان الذهبية والأنهار جانبًا، وركزنا على عرق الآلهة والشياطين وحده، فإنهم لم يظهروا من العدم، بل خلقهم إله أصل بدائي بلغ العالم السادس عشر.
وهذا الخلق لم يكن مجرد اختلاق من فراغ، فبحسب تخمينات نينغ تشينغ شوان، لا بد أن هذا العرق الجديد قد وُلد من اتحاد ذلك الإله البدائي مع إله عظيم آخر، فنشأ عرقٌ جديدٌ تمامًا، يحمل في طياته نظامًا إلهيًا وحياة. وما إن يولد أفراد هذا العرق حتى يمتلكوا قوة إلهية فطرية مروعة.
'إن كان الأمر كذلك، فإن إله الأصل البدائي والخالق يكادان يكونان في نفس المرتبة.'
تموجت الأفكار في صدر نينغ تشينغ شوان. فبالنظر إلى رحلات تطوير حياته السابقة، نجح في خلق سلالة الليلة الخالدة، وابتكر عوالم الدرب الشيطاني، بالإضافة إلى الفنون القتالية والقدرات الخارقة وغيرها. لكنه مع ذلك، لم يسبق له أن خلق عرقًا قويًا لا يُضاهى.
لقد وجد نينغ تشينغ شوان الآن طريقه نحو مرتبة إله الأصل البدائي، وبات بلوغها مسألة وقت لا أكثر. فهل ستسنح له الفرصة أيضًا لخلق عرقٍ قوي آخر؟
وبحسب ما ورد في سجلات هذا الجوهر، فإن الشرط الأول لخلق عرقٍ جديد هو ابتكار جوهر أصلي مشبع بدربٍ إلهي، ومن ثم العمل على إنمائه وتجسيده. وبالتأكيد لن يتمكن نينغ تشينغ شوان من فعل ذلك بمفرده، فهو بحاجة إلى إله نهرٍ قوي للغاية، قادر على احتضان ذلك الجوهر وتنميته.
وبعد تفكير وجيز، قرر نينغ تشينغ شوان أن يرسم في ذهنه الملامح الأولية لهذا الجوهر الأصلي في الوقت الحالي. وبطبيعة الحال، كانت هذه أفكارٌ مؤجلة، فهو لم يبلغ سوى العالم الثاني عشر، وكان الأمر الأكثر إلحاحًا هو إيجاد طريقة لبلوغ مرتبة إله الأصل البدائي في أسرع وقت ممكن.
"سلالة آلهة الأشباح ودرب آلهة الجبال لا ينتميان إلى نفس الأصل، لكنني نشأت من الكارثة، وأنا أنتمي إلى أرض الشؤم العظيم. لذا، يمكنني أيضًا أن أتدرب على درب آلهة الأشباح المسجل في هذا الجوهر."
تمتم نينغ تشينغ شوان لنفسه وهو يتأمل جبل لوه فنغ بأكمله، بما في ذلك جبال آلهة الأشباح التي لا تحصى في الخارج، والتي كانت تنبعث منها قوة الظلام والشر باستمرار. فبالاستعانة بهذه القوة في تدريبه، لن يواجه مشكلة في بلوغ العالم الثالث عشر في فترة وجيزة، بل ربما يتمكن من الوصول إلى العالم الرابع عشر أيضًا.
وما إن خطرت له هذه الفكرة حتى نفض عنه التردد، وبدأ على الفور في التدرب على درب آلهة الأشباح. واتخذ من جبل لوه فنغ مركزًا له، فتدفقت قوى الشر من كل حدب وصوب في تلك المنطقة الشاسعة، لتصب جميعها في هيئته الحقيقية، وتتحول باستمرار إلى منبع نقي للقوة الإلهية.
ودون أن يشعر، تشكلت عاصفة عاتية من حوله. أخذت هذه الجلبة تتصاعد وتتعاظم، حتى استيقظت فجأة إرادة عتيقة على عمق تسعين ألف ميل في باطن الأرض.
"سيدي؟" نظر بدهشة وحيرة نحو قمة جبل لوه فنغ، لكنه لم يرَ أي أثر لإله الجبل، بل رأى إله جبل شابًا غريبًا تنبعث منه هالة من نُذُر الشؤم. كان إله الجبل الشاب هذا هو من يجتذب قوى الشر التي لا حصر لها من جبال آلهة الأشباح.
"أي إله شرس هذا الذي يتدرب على فن سيدي؟"
وبعد أن استيقظت تلك الإرادة، تجسدت هيئتها الحقيقية ببطء، فكانت لكاهنٍ أعظم يرتدي رداءً أبيض، وهو أحد تلاميذ إله جبل لوه فنغ في الماضي. ارتسمت على وجهه العجوز علامات تأثر عميق، فقد أدرك أن نينغ تشينغ شوان قد أتقن أسلوب التدريب الخاص بإله جبل لوه فنغ، وأنه استوعبه تمامًا دون أن يتعارض مع دربه كإله جبل.
وبينما كان يستعد لتفحص هذا الضيف غير المدعو عن كثب، شعر فجأة بشيء آخر. لقد استشعر بالقرب من أحد الكهوف هالة إله عتيق عظيم من العالم الخامس عشر. كانت هذه الهالة مهيبة وقوية للغاية، ورغم أن صاحبها كان يتعافى من جراحه، إلا أن قدراته الخارقة كانت لا تزال نشطة، وتتردد في صداها مع هالة إله الجبل الشاب الذي يلتهم قوى الشر على قمة جبل لوه فنغ.
ولو حدث أي مكروه لإله الجبل الشاب، فإن ذلك الإله العتيق العظيم سيستيقظ في لمح البصر. وهذا الردع الهائل جعل الكاهن الأعظم لا يجرؤ على التصرف بتهور.
ومع عودة عرق الآلهة والشياطين الوشيكة، وشنهم حملة تطهير أخرى لجبال آلهة الأشباح، لم يكن بوسعه إطلاقًا أن يكشف عن أي أثر لهالته، خشية أن يكتشفوا أن سلالة آلهة الأشباح لم تنقرض بالكامل.
"لا أعلم من أين أتيت أيها الفتى، لكن إن واصلت التدرب بهذه الطريقة، فإنك ستلفت انتباه تلاميذ الآلهة والشياطين عاجلاً أم آجلاً."
لمع بريق في عيني الكاهن الأعظم، وبينما كان غارقًا في تفكيره، فتح أحد أختام جبل لوه فنغ. وفي لحظة، تدفقت قوة شريرة مروعة لا مثيل لها نحو نينغ تشينغ شوان، كحصان جامح أفلت من عقاله.
"إنها لحظة حياة أو موت لعرقنا، فلا تلمني على ما سأفعل."
وسرعان ما فتح ختمين آخرين على التوالي، عازمًا على جعل جسد نينغ تشينغ شوان الحقيقي ينفجر من فرط القوة.