الفصل الثلاث مئة والسادس والتسعون: عبقري فذ لم يكتشف بعد؟
____________________________________________
شرع نينغ تشينغ شوان في محاولةٍ لسحب ذلك الخيط الخافت، بيد أنه وجده صامدًا لا يتزحزح، عاجزًا عن إحداث أي تفاعل مع دانتانه. تأمل للحظات، وبعد أن أمعن النظر فيه، أذهله ما رأى؛ ففي جوف ذلك الخيط، كانت هناك خيوط أخرى لا حصر لها، تتشابك في هيئة شبكة عنكبوتية، كأنها بحر من النجوم قد تكوّن منه مليارات المجرات.
‘ما هذا الشيء يا تُرى؟’ لم يطل تفكيره، فبادر دون إبطاء إلى فتح لوحة تطوير الحياة، علّه يجد فيها ضالته من الأجوبة. وكما توقع تمامًا، طرأ على موهبته تغيير جديد لم يعهده من قبل، فقد ظهرت فوق لوحته كلمات تكشف عن تحول جذري في قدراته.
لقد تغيرت موهبته الأصيلة، وصار اسمها الآن «تجلي العوالم السماوية»، بجوار موهبته الحياتية التي عُرفت بـ«قدسية الأصل البدائي». خطر ببال نينغ تشينغ شوان سؤال عظيم يكتنفه الغموض: ‘ما معنى تجلي العوالم السماوية؟’
لم تقدم اللوحة أي تفسير، غير أن نعمة «قدسية الأصل البدائي» التي حظي بها منحته بصيرةً مكنته من إدراك كنه الأمر شيئًا فشيئًا. وكما يوحي الاسم، فإن هذه الموهبة الأصيلة ما هي إلا قدرة فطرية تمكنه من خوض حيواتٍ جديدة ومتصلة عبر العوالم السماوية.
وهذا يعني أن لوحة تطوير الحياة وقدرة «تجلي العوالم السماوية» ليستا إلا وجهين لعملة واحدة، مع فارق جوهري في الأسبقية والأصل؛ فلقد وُجدت قدرة «تجلي العوالم السماوية» أولاً، ومنها انبثقت لوحة تطوير الحياة.
ما إن وصل تفكيره إلى هذه النقطة، حتى سرت في جسده قشعريرة باردة، إذ واتته فكرةٌ تبعث على الرعب كلما أمعن فيها النظر. فبعد انتقاله إلى الاتحاد، خاض غمار التناسخ في العوالم السماوية، مجربًا حيواتٍ مختلفة وحاصدًا قوى عظيمة.
كانت تلك هي القدرة التي منحته إياها لوحة تطوير الحياة، لكن مع ظهور «تجلي العوالم السماوية»، انقلب مفهوم التناسخ رأسًا على عقب. وهنا يبرز السؤال الذي يقض مضجعه: ما دامه الآن على الأرض، عائدًا إلى جسده الحقيقي، فهل تُعد هذه تجربة حياة جديدة أم أنها عودة حقيقية إلى أصله؟ وهل يعني هذا أن كل ما مر به في الاتحاد لم يكن سوى حلقة أخرى في سلسلة تناسخه التي لا تنتهي؟
اضطربت أفكار نينغ تشينغ شوان، وغاص في حيرة عميقة. حلمٌ في جوف حلم، وتناسخٌ في قلب تناسخ، حتى بات عاجزًا عن تمييز حقيقة ذاته. أجبر نفسه على قمع الشكوك التي اعترت قلبه، خشية أن ينحرف عن مساره ويهوي في غياهب الجنون.
وبعد أن طرح جانبًا تلك المسألة المليئة بالتناقضات والعارية عن كل منطق، عاد نينغ تشينغ شوان ليتعمق في فهم موهبته الأصيلة. فمهما كانت الحقيقة، فإن ذاته لم تتغير، وما عليه الآن سوى السعي لتعزيز قوته في أسرع وقت ممكن.
لم يمضِ وقت طويل حتى أدرك، بفضل قدرته الفائقة على الفهم، الوظيفة الثانية لموهبة «تجلي العوالم السماوية». لم تقتصر قدرته على التناسخ فحسب، بل امتدت لتشمل القدرة على إسقاط مليارات النجوم وإدماجها في كيانه. كانت تلك بلا شك طريقة تدريب بالغة العمق والغموض، وهي القدرة الثانية التي حوتها تلك الموهبة الأصيلة.
عقد العزم على أن يكون القمر هو أول حقل لتجاربه. رفع نينغ تشينغ شوان بصره، متجاوزًا حدود الأرض، نحو ذلك الجرم السماوي الذي طالما تمنى رؤيته طوال سنواته في الاتحاد دون جدوى. وبمجرد أن وقعت عيناه عليه، شعر برابط غامض قد نشأ بينه وبين القمر في التو واللحظة.
ومع استعانته بنظام التدريب التقليدي لإمبراطورية أتلان، لم يعد مصدر النجوم الكوني يتدفق نحوه، بل اندفع بقوة عارمة نحو القمر. وبفضل حجم القمر الهائل، أثارت هذه الحركة عاصفة من مصدر النجوم في لمح البصر، وكأن القمر بأسره قد تحول إلى دانتان له، يلتهم الطاقة الكونية بلا هوادة.
وفي خضم تلك العاصفة، اخترق عالمه القتالي من المستوى السادس في لحظة، ليبلغ المستوى السابع! بيد أن هذه لم تكن سوى البداية. فما هي إلا لحظات حتى اخترق المستوى السابع هو الآخر، ليصعد إلى الثامن، ومنه إلى التاسع مباشرة!
اشتدت عاصفة مصدر النجوم، وسرعان ما لاحظ بعض العلماء على الأرض، ممن يراقبون السماء، ذلك الاضطراب الغريب الذي أصاب القمر. لقد رأوا مدًا هائلاً من مصدر النجوم، يتلاطم على سطحه كموجات البحر الهادرة، في مشهدٍ سماويٍ لم يسبق له مثيل!
وفي تلك الأثناء، كان شو سي شيو يستعد للعودة إلى نجم الشمال في مجرة درب التبانة، حينما شعر بذلك الاضطراب الهائل خارج الأرض. رفع رأسه على الفور، ليقع بصره على مشهدٍ جعل حدقتيه تتسعان في ذهول.
‘أي خبير من خبراء الإمبراطورية يتدرب على سطح القمر؟’ كان هذا أول ما خطر بباله، إذ افترض أن قوة عظيمة من إمبراطورية أتلان قد حطت رحالها هناك، وأنها قوة لا يستهان بها على الإطلاق.
ولكن، ما إن بلغ مد مصدر النجوم ذروته وكاد يخرج عن السيطرة، حتى تلاشى فجأة كما لو أنه لم يكن. وفي غرفته، جلس نينغ تشينغ شوان متربعًا، وأطلق زفرة طويلة عميقة، وقد أشرقت عيناه ببريقٍ أخاذ.
لقد أتقن الآن القدرة الثانية التي منحته إياها موهبة «تجلي العوالم السماوية»، وهي طريقةٌ فريدة تمكنه من تحويل مليارات النجوم إلى مسار لتدريبه، فيسقط دانتانه على أي نجمٍ يختاره، ليتخذه وعاءً لقوته. والأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو أنه إذا بلغ شأوًا عظيمًا في تدريبه، سيتمكن من تحويل النجم بأكمله إلى دانتان حقيقي له!
إذا كان القمر وحده قد منحه كل هذه المكاسب، فماذا لو فعل الأمر ذاته مع الأرض، أو حتى مع نجمٍ من النجوم العملاقة؟ مع مرور الوقت، اهتدى نينغ تشينغ شوان إلى أسلوب تدريب جديد تمامًا، ربما لن يقتصر على نجم واحد، بل على مليارات النجوم في آنٍ واحد!
كانت تلك طريقة مرعبة للارتقاء بالقوة، فلم يسبق له أن سمع، في كل معرفته الواسعة بالاتحاد وإقليم الطائر القرمزي (الكون الذي فيه حضارة الاتحاد وغيره) ، عن إله يمتلك أسلوب تدريب بهذه الغرابة. إذا نجح في مسعاه هذا وسار فيه حتى النهاية، فإن دربه الإلهي سيشهد قفزة هائلة.
حينها، قد لا يحتاج إلى البحث عن حضارات بشرية جديدة في إقليم كون لون، بل سيتمكن بقوته وحده من مواجهة أعتى آلهة إمبراطورية قيصر. ما إن استقرت هذه الفكرة في ذهنه، حتى عقد العزم على المضي فيها قدمًا.
وفي ذات اللحظة، على بعد سنوات ضوئية لا تحصى، في قلب مجموعة مجرات المرأة المسلسلة الفائقة، حيث تنتصب شجرة العالم العظيمة لإمبراطورية أتلان، كانت هناك آلاف الكواكب المأهولة بالحياة الراقية معلقة على أغصانها كالثمار المتلألئة.
في قمة تلك الشجرة، يتربع نجم الإمبراطور، وفوقه يشمخ معبد ميكائيل المقدس، مسكن الملاك ميكائيل. لم تكن ميكائيل مجرد إلهة عظيمة تدير شؤون المجموعة المجرية بأكملها، بل كانت تحمل على عاتقها مسؤولية البحث عن المواهب الفذة في كل كوكب من تلك الكواكب.
وفي اللحظة التي أيقظ فيها نينغ تشينغ شوان موهبته الأصيلة، وأثار عاصفة مصدر النجوم على سطح القمر، فتحت ميكائيل، التي كانت تجلس متربعة في تأمل عميق، عينيها فجأة. وبنظرة واحدة، اخترقت الدهور والأزمان، وحدقت مباشرة نحو كوكب الأرض في مجرة درب التبانة.
همست لنفسها قائلة: "يا لها من موهبة فذة". ثم أشارت بإصبعها في الهواء، فظهرت أمامها معلومات كثيرة. لقد انضم كوكب الأرض إلى إمبراطورية أتلان قبل ثلاث سنوات، وهو كوكب ذو حضارة متواضعة لا تكاد تذكر.
غير أن هذا الكوكب قد أنجب العديد من المواهب البارزة. فالمئة الأوائل الذين تم اختيارهم قبل ثلاث سنوات قد حققوا إنجازات لافتة في الإمبراطورية، حتى أن بعضهم تفوق على عباقرة من حضارات أكثر تقدمًا، وصار لهم صيت ذائع.
سرعان ما وصلت في بحثها إلى ملف نينغ تشينغ شوان، فأشرق في عينيها بريقٌ نجميٌ غريب، وتساءلت في نفسها: ‘هل فاتنا عبقري فذ يا تُرى؟’