الظلام… لم يكن ستارًا، ولا هاوية، ولا فراغًا كما تخيّلته يومًا.

كان أقرب إلى إحساسٍ ممتد، كأنني مغمور في فكرة لا بداية لها ولا نهاية.

لا ضغط، لا دفء، لا برودة.

مجرد غياب… غياب كل ما كان يثبتني في معنى واحد.

لم أكن أرى الظلام، بل كنت أنا الظلام، أو جزءًا منه، أو شيئًا لا يحتاج عينين حتى يُرى.

الغريب أنني لم أكن خائفًا، الخوف يحتاج احتمالًا، وأنا كنت خارج الاحتمالات.

ثم تسلّل سؤال ببطء، كما يتسلّل الضوء في قصص الأطفال، لا ليُنقذ… بل ليفتح بابًا.

هل سأولد مرة أخرى؟

لم أسأل إن كنت أستحق، تلك مرحلة تجاوزتها مع الدم.

فكّرت فقط:

إن وُلدت من جديد… كيف سيكون الأمر؟

عالم آخر؟ سماء بلون مختلف؟ شمس لا تعرف القصور؟ أشخاص آخرون… لا يعرفون اسمي، ولا يحملون صورتي الملطخة في ذاكرتهم.

والدان؟ الفكرة بدت غريبة… ثقيلة.

أب لا يعلّمني الانحناء، وأم لا تضع الصمت في فمي كفضيلة.

حتى إن كانا فقراء، حتى إن كانا قاسيين، على الأقل... سيكون وجودي اختيارًا لا وظيفة.

ضحكت داخليًا… إن كان للداخل ضحك.

تخيّلت نفسي فارسًا مرة أخرى، ليس لأنني أحببت السيف، بل لأن الحرب… على قسوتها، كانت صادقة.

في الحرب، تعرف لماذا تموت، تعرف من يقتلك، تعرف ما الذي تدافع عنه… حتى لو كان وهمًا.

لكن هذه المرة، لن أُجبر.

سأحمل السيف لأنني أريده، لا لأن اسمي مكتوب في سجل.

سأقاتل… وأهرب إن شئت.

أخاف… وأتراجع إن أردت.

حتى الجبن، حين يكون اختيارًا، يصبح أكثر كرامة من الشجاعة المفروضة.

ثم فكّرت:

ماذا لو لم أكن فارسًا؟ ماذا لو كنت مزارعًا؟ أو نجّارًا؟

أو رجلًا عاديًا يمشي دون أن ينظر إليه أحد؟

ربما… ذلك سيكون أعظم انتصار.

أن أعيش دون أن أكون رمزًا، أو أداة، أو درسًا دمويًا في قاعة نبيلة.

لا أعرف إن كانت لي عينان، لكنني… أغمضتهما، ليس لأنني تعبت، بل لأن التمني لا يحتاج نظرًا.

وبدأت أتمنى، لا كطفل، بل كمن فهم الثمن.

تمنّيت عالمًا لا يُكافئ الصمت على الظلم.

تمنّيت جسدًا لا يُعرّفني بالكامل.

تمنّيت أن أخطئ دون أن يكون الخطأ جريمة طبقية.

تمنّيت أن أُحَب لا لأنني مفيد، بل لأنني موجود.

ثم قلت لنفسي، بهدوء لم أعرفه في الحياة:

إن لم أُولد من جديد… فليكن هذا الظلام كافيًا.

وإن وُلدت… فلأولد وأنا أريد أن أعيش.

لا أكثر، ولا أقل.

*****

بعد مرور الوقت، بدأت أدرك أن مشاعري وأحاسيسي يعودان لي بشكل تدريجي، او هذا ما اعتقده حتى الآن، لأنني حالياً لم أشعر سوى بشيء واحد.

الملل… كان أول إحساس يعود إليّ.

ليس ملل الانتظار، ولا ملل التكرار، بل مللٌ بلا سبب، كأن الوجود نفسه توقّف عن محاولة إبهاري.

لم أعرف من أين جاء، لم يكن هناك وقت لأملّ منه، ولا أحداث لأتعب منها، ومع ذلك… شعرت بأنني سئمت، سئمت الفراغ، سئمت التفكير الذي لا يقود إلى فعل، سئمت كوني فكرةً تدور حول نفسها.

ثم… حدث شيء.

لم يكن صوتًا، ولا حركة، ولا حتى إحساسًا واضحًا.

كان تغيّرًا، شقّ رفيع… كأن أحدهم خدش الظلام بأظفر غير مرئي.

الضوء لم ينفجر، لم يقتحم، لم يكن بطوليًا، كان خجولًا... باهتًا… مرتجفًا، خطّ رقيق من البياض المائل إلى الذهب، كذكرى لم تكتمل، بدأ يتسلل ببطء، ينشر نفسه كما ينتشر الحبر في ماء ساكن.

لم يكن دافئًا، ولا حارقًا، بل مطمئنًا على نحو مريب.

الظلام لم يختفِ، الظلام… تكسّر.

لم يكن هذا مدهشًا بما يكفي حتى لكي أتعجب، كانت القدرة على السباحة في هذا الفراغ الأشبه بالفضاء قد أخذت بالفعل كل دهشتي وتفكيري، بجانبي قدرتي على التفكير وتذكر ما حدث قبل أن أموت.

تكسير الفراغ الذي لم أتخيل يومًا أنه ممكن، لم يكن أكثر دهشة من قدرتي على كسر خوفي وإستعادة كرامتي التي سُحقت لسنوات أمام ناظريّ.

لم أعتقد أنني بطل لفعلي هذا، ولن أكون بطلًا لمثل هذا الفعل القذر، القتل وسفك الدماء لأجل الآخرين... أو حتى لأجل نفسي، كان فعلًا لن يُغفر ابدًا.

تشقق الظلام كمرآة قديمة، ظهرت فيه خطوط دقيقة، ثم أوسع، ثم متداخلة، بعض القطع بقيت مظلمة، وبعضها صار شفاف، كأن الظلام نفسه نسي كيف يكون ظلامًا.

كنت أشعر وكأنني أغرق وفي الوقت ذاته أُسحَب إلى الأعلى، وهنا… جاء الخوف، ليس خوف الموت، فذلك استهلكته حياتي السابقة، بل خوف التحوّل، الخوف من أن أكون شيئًا آخر، من أن أفقد هذا الوعي الذي بقي لي، من أن يُعاد تشكيلّي دون أن يُسأل رأيي… مرة أخرى.

لكن بجانبه… كان هناك شعور اللاخوف، طمأنينة غريبة، كأن جزءًا مني يقول: لقد انتهى الصراع، والجزء الآخر يصرخ: لا، ليس بعد!

الخوف شدّني إلى الخلف، اللاخوف دفعني إلى الأمام، كنتُ في ساحة معركة بلا جسد، تذكّرت كل الأسئلة، كل الإجابات التي اخترعتها لأبقى موجودًا، تذكّرت الكرامة، والدم، والنظرات.

وسألت نفسي آخر سؤال:

هل أريد أن أقاوم… أم أريد أن أبدأ؟

لم أجد إجابة منطقية، وللمرة الأولى… لم أبحث عنها.

لذا... استسلمت، لا كمن انهزم، بل كمن توقّف عن الشد.

تركت الخوف يمرّ، وتركت اللاخوف يحتويني، لم أقاتل الضوء، ولم أتشبث بالظلام.

قلت بصمتٍ لا يحتاج لغة:

خذني… لكن لا تنسَ ما كنت، ومع آخر قطعة ظلام تذوب من حولي، لم أعد فارسًا، ولا فكرة، ولا ذكرى، كنت فقط... على وشك أن أكون.

الألم… انفجر، لم يكن ألم جرح، بل ألم العودة، كأن الوجود تذكّر فجأة أنني كنت شيئًا أكثر من فكرة، وحاول أن يعيدني دفعة واحدة، بلا تمهيد.

تذمّرت... نعم، تذمّرت… وسخرت من نفسي في اللحظة ذاتها.

كيف أتألم… وأنا بلا جسد؟

ثم، شعرت بهما، يدان، ثقل غريب، ضغط مألوف، إحساس بالحدود، أصابع… راحة… قبض وانبساط.

كدت أضحك، كدت أصرخ، كدت أتمسّك بهما كمن وجد وطنًا بعد ضياع طويل، لكنهما… تلاشيا.

لا انفصال، لا قطع، فقط… ذوبان، كأن الجسد اعتذر عن حضوره، ثم انسحب، وسقطت.

لا أرض، لا سماء، فقط سقوط، لكن السقوط هنا لم يكن هروبًا من الأعلى، بل تخليًا عن الثبات.

كنت أسقط خلال الضوء، والضوء لم يكن سطحًا، بل مسارًا، مررت بأفكار أسرع من أن تُفهم، وبذكريات أخف من أن تُمسك.

أدركت وأنا أسقط، أن السقوط ليس دائمًا فقدان السيطرة، أحيانًا… هو قبول أن السيطرة لم تكن لك أساسًا.

كلما تسارعت، كلما خفّ وزني. وكلما خفّ وزني، كلما اقتربت من شيء لا يحتاجني أن أكون متماسكًا.

ثم… انفتح كل شيء.

فتحت عينيّ، أو… هكذا شعرت.

الضوء أمامي كان رماديًا باهتًا، ليس قاتمًا، ولا مشرقًا، رمادي يشبه الصباح حين لا تكون متأكدًا هل سيصبح نهارًا أم يعود ليلًا.

تسللت ألوان أخرى عبره: أزرق يلمع ثم يختفي، ذهبي يمرّ كوميض فكرة، أخضر باهت كذكرى حقل لم أزره قط.

الألوان لم تثبت، لم تطلب أن أفهمها، كانت تمرّ… وتكتفي.

سمعت أصواتًا، ليست كلمات، وليست ضجيجًا، مزيج من همسات، وقع خطوات بعيدة، نبضات غير منتظمة، كانت صاخبة… لكن بلا عدوان، كأن العالم يتكلم دون أن يخاطبني مباشرة.

وللمرة الأولى… لم أشعر بالحاجة إلى أن أفهم، ثم جاء الإحساس، راحة… عميقة، نهائية دون أن تكون موتًا، راحة لا تطلب تفسيرًا، ولا تساوم.

فهمت حينها شيئًا بسيطًا:

العقل… حين يفكر طويلًا، يتعب، وأنا… تعبت بما يكفي لعمرين.

قلت لنفسي، بهدوء غريب:

سأريحك قليلًا، ليس هروبًا، ولا استسلامًا، مجرد… توقف مؤقت عن السؤال، وتركت الأفكار تنسحب ببطء، كما تنسحب الأمواج بعد عاصفة طويلة.

*****

صحوتُ بعد أن فعلتُ شيئًا يشبه النوم، لم أكن متأكدًا تمامًا من أن ما فعلته كان نومًا بالتحديد، ولكن لا يهم... فأنا أشعر براحة عميقة، على الأقل في الوقت الحالي.

بمجرد أن بدأت التركيز على الفراغ الرمادي من حولي، أدركتُ حقًا أنني قضيت الكثير من الوقت شبه نائم، رغم أنه لم يكن هناك طريقة لمعرفة الوقت، إلا إني عرفت ذلك.

ثم بدأت أتذكر ما حدث سريعًا، لقد مررت بفراغ أسود قاتم غير مريح، ولكني شعرت بالراحة بطريقة ما فيه، ثم مررت بفراغ أبيض للحظات قبل أن يتحول إلى اللون الرمادي المحيط بي حاليًا.

أتمنى حقًا ألا يكون هناك مكان آخر، أريد أن ينتهي الأمر، لدرجة أنني كدت أصرخ من شدة الملل قبل أن أتذكر أنني بلا فم، على الأرجح بلا فم، لستُ واثقًا بعد، خصوصًا بعد شعوري بذراعيّ، لكن لم يكن هذا كافيًا للتأكد بعد، فأنا لم أشعر بهم سوى لثانيتين فقط.

أريد أن أولد حقًا، فهذا لم—

ثم كما لو أن الفراغ شعر بما قلته، انتقل وعيي كما لو أنّ فكرةً ما قررت فجأة أن تتجسّد، لم يكن انتقالًا، بل انضغاطًا.

الفراغ الرمادي الذي قضيت فيه ما لا أستطيع عدّه من الوقت كان غريبًا حدّ التناقض؛ ممتعًا لأنه بلا ألم، مملًا لأنه بلا حدث، رائعًا لأنه بلا خوف، وسخيفًا لأنه بلا معنى.

كان واسعًا إلى درجة أنني شعرت بالضياع، وضيقًا إلى درجة أنني شعرت بأنني أنا الفراغ ذاته.

هناك، لم أكن أفكّر… بل كنتُ ألاحظ أفكاري وهي تتلاشى قبل أن تكتمل، كنتُ موجودًا دون سبب، واعيًا دون حاجة، حيًّا دون حياة.

ثم بدأ كل شيء يصبح أثقل، كأن الرمادي فقد صبره عليّ، كأن الفراغ قال: كفى.

انضغط الوعي، لا كألم، بل كقانون، فكرة تُطوى، ثم تُطوى مرة أخرى، حتى لم يعد هناك متّسع للتأمل، وفجأة… صار لي حدّ.

جسد، ليس جسد فارس، ولا جسد رجل يعرف ثقل سيفه، بل جسد صغير… ضيق… هش، شعرتُ به قبل أن أفهمه، ثِقَلٌ غريب في صدري، حرارة غير مألوفة، ونبض… نبض لا يحتاج إلى إذني ليعمل.

أدركتُ الحقيقة ببطء قاسٍ، أنا لا أملك هذا الجسد… أنا محبوس فيه، حاولت التفكير، لكن الأفكار كانت بطيئة، كأنها تمر عبر ماء كثيف، حاولت الحركة، فكان الرد ارتعاشًا لا إراديًا، حاولت الكلام، فلم يكن هناك شيء يُسمّى لغة.

ثم… فُتحت عيناي، الضوء لم يكن أبيض كما توقعت أن يكون في بداية ولادتي، بل رماديًا باهتًا يشبه ذلك الفراغ، حياديًا كأنه لا يريد أن يؤذي بصري الجديد.

ومن خلاله، تسللت ألوان غير ثابتة: ظلال دافئة، لمحات داكنة، أشياء تتغير قبل أن أفهمها.

العالم لم يكن واضحًا، لكنه كان… حاضرًا.

وفوق هذا الحضور، ظهر وجه، سيدة شابة، عشرين عام كحد أقصى، شعرها أسود ناعم، ينساب بهدوء كما لو أنه يعرف مكانه في هذا العالم أكثر مني، ملامحها غير حادة، لكنها ليست غامضة؛ مزيج من تعب وطمأنينة، من قلق خفيف وحنان صادق.

كانت تنظر إليّ… لا كفارس، ولا كغريب، بل كشيء يخصّها، شعرتُ بأصابعها تربّت برفق على صدري، حركة بسيطة… لكنها كسرت شيئًا في داخلي.

لم تكن لمسة فلسفية، ولا إجابة عن سؤال الوجود، كانت لمسة تقول: أنت هنا، وهذا يكفي.

في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لا أحتاج إلى فهم كل شيء الآن، أن العقل الذي أرهقته الأسئلة يستحق راحة إضافية قصيرة، أن الفارس الذي كنتُه يمكنه أن يصمت قليلًا… دون أن يخون نفسه.

فتركتُ التفكير، لا لأنني استسلمت، بل لأنني... للمرة الأولى منذ زمن لا يُقاس... حسنًا، لا أعرف حقًا كيف أقولها، ولكن ربما يمكنني قولها بطريقة أبسط مما أفكر به.

ربما... شعرتُ بأنني بأمان تقريبًا.

2026/02/05 · 11 مشاهدة · 1647 كلمة
Arthur
نادي الروايات - 2026