3 - الحب فوق رأسي مباشرةً

شعرتُ بتغيّرٍ في الهواء قبل أن أراه.

ليس لأنني أملك حواس فارسٍ بعد الآن، بل لأن الوجود نفسه انحنى قليلًا.

دخل رجل، لا… دخل حضور مهيب.

فارس ضخم، هيبته تسبق خطواته، وكأن الأرض تتذكّر ثقل قدميه قبل أن تلمسهما، درعه داكن، مصقول دون مبالغة، يحمل آثار استعمال لا آثار استعراض.

ومن تحت خوذته، تسلّل شعر بنفسجي داكن، لون لا ينتمي للحرب ولا للسلام، بل لشيءٍ بينهما، عندما خلع الخوذة، انكشف وجه بملامح حادة، كأنها نُحتت لا وُلدت.

عينان بنفسجيتان ثابتتان، لا تبحثان عن الهيبة… بل تفترضانها، رأيته بعينيّ الرماديتين غير المكتملتين، ومع ذلك… عرفت.

هذا رجل اعتاد أن يُطاع، لا لأنه يأمر، بل لأنه موجود.

تلك السيدة الشابة، لاحظتُ ارتعاش خفيف في ذراعيها، ليس خوفًا خالصًا، بل ذاك الارتعاش الذي يحدث عندما يقترب منك شيء أكبر من قدرتك على التسمية.

اقترب منها، ومدّ يده، وربّت عليها بخفّة، حركة بسيطة، لكنها بدّدت التوتر كما يبدّد الفجر ظلًّا عنيدًا.

ابتسمتْ، ثم دون تردّد، قبّلت خده.

جلس إلى جانبها، وكأن مكانه كان محفوظًا هناك منذ البداية، مال قليلًا، قال شيئًا لم أسمعه بوضوح، لكن نبرته كانت دافئة على نحوٍ يناقض صلابته.

ضحكت هي، ضحكة قصيرة، ولكن قبل أن أركز أكثر... أخذني منها، حملني كما يُحمل شيء ثمين لا هشّ.

لم يكن متردّدًا، ولم يكن متسرّعًا، ذراعاه ثابتتان، وصدره دافئ، ونبضه… نبض شخص حيّ، واثق من استمراره.

"سأسميه… آرثر." قال بصوت منخفض.

الاسم وقع في داخلي كحجرٍ في ماء ساكن، لم أعرف لماذا، لكنني شعرتُ أن شيئًا قد استيقظ.

نظرت الأم إليه، ثم إليّ، وابتسمت بلطف. "آرثر… اسم جميل."

قالتها وكأنها تجرّبه على شفتيها، وكأنها تتأكد أنه يناسبني، ابتسم الرجل ابتسامة جانبية، تلك التي يقول بها الرجال أشياء أكثر مما ينطقون.

"سيملك شعرًا أسود مثلكِ…" ثم أضاف، بنبرة فخر خفيّ: "لكن عيناه ستكونان بنفسجيتين… مثلي."

رفعت حاجبيها قليلًا، وضحكت. "ألا ترى أنه سيكون لطيفًا لو أخذ شعرك البنفسجي أيضًا؟ وعينين بنفسجيتين؟ سيكون… مميزًا."

مال نحوها أكثر، وصوته صار أخف، أدفأ: "لو أخذ كل شيء مني، سيصبح عنيدًا." ثم نظر إليها، نظرة رجل يعرف كيف يختار كلماته، "أفضل أن يأخذ لطفه منكِ… ويترك لي العناد."

ضحكت، وضربته بخفة على ذراعه، بينما بقيتُ أنا بينهما، طفلًا بجسد رضيع… ووعي فارسٍ سابق، اسمه الآن آرثر.

مرّ الوقت… أو هكذا افترضتُ.

في الحقيقة، كان الزمن هنا أشبه بمزحة ثقيلة، يتمدّد عندما أريد الهروب، ويتقلّص عندما يقرران التغزّل فوق رأسي مباشرة.

نعم، فوق رأسي، حرفيًا.

الفارس المهيب، الذي على ما يبدو يقطع الرؤوس دون أن يرمش، كان الآن يهمس بكلماتٍ لزجة تكفي لإغراق ساحة معركة كاملة.

والأميرة اللطيفة… آه، الأميرة اللطيفة، كانت تبتسم بتلك الابتسامة التي لا تُستخدم إلا عند قول أشياء من نوع: "توقف، أنت محرج" بينما لا تكون محرجة على الإطلاق.

كنتُ بينهما، محاصرًا، عالقًا في جسد رضيع بلا أي قدرة على الاعتراض، ولا حتى على قلب عينيّ بسخرية كما ينبغي.

في عقلي، كنت أصفّق ببطء، أحسنتم.

فارس أسطوري وأميرة رقيقة… هل ستبدآن بالغناء الآن؟

هل ستظهر العصافير؟

ثم، وكأن الكون قرر إلقاء نكتته الخاصة، حطّت عصافير الحب فعلًا، حسنًا... ليس حرفيًا، لكن الجو كان كذلك.

ذلك الجو الذي يجعلك تشعر بأن الهواء نفسه يبتسم، وهذا أسوأ ما قد يحدث لإنسان يملك وعيًا بالغًا في جسد يفرز اللعاب بلا سبب.

راقبتهما وهما يتغازلان، نظرة هنا، لمسة هناك، ضحكة قصيرة، ثم صمت مريح.

وصاعقة إدراك ضربتني فجأة... انتظر لحظة.

توقف ذهني، عاد المشهد يُعاد ببطء.

القرب، الدفء، الاسم، الطريقة التي ينظر بها كلٌ منهما للآخر… ثم لي.

لا.

لا، لا، لا، لا، لا، لا.

هذان… هذان ليسا… والدَيّ؟

لعنتُ الفكرة فورًا، كما تُلعن فكرة سيئة وُلدت دون إذن.

مستحيل، أرفض.، أقدّم اعتراضًا رسميًا للوجود نفسه.

أنا؟ آرثر أو مهما كان اسمي؟ فارس سابق، صاحب تأملات وجودية، قاتل سيّده بدمٍ بارد من أجل كرامته… أنتهي هنا؟

محشورًا بين أبوين سخيفين يتغازلان وكأنهما في قصة رومانسية رخيصة؟

أي عدالة كونية هذه؟ أين الميزان؟ أين الفلسفة؟ أين المأساة النبيلة؟

نظرتُ إليهما بعيون رضيع لا تفهم شيئًا، بينما في داخلي كنت أصرخ: توقفا! يوجد شخص ثالث هنا! شخص يعاني! شخص كان يتأمل الموت منذ دقائق!

لكن لا، الفارس يضحك، الأميرة تبتسم، وأنا… أطلقت صوتًا غريبًا من فمي.

صوت رضيع غريب، تجمّدا، ثم نظرا إليّ في آنٍ واحد.

"انظري!" قال الفارس بحماس غير لائق إطلاقًا لمكانته القتالية، "يبدو وكأنه يوافقنا الرأي."

أوافق؟! أوافق على ماذا؟ على هذا السيرك العاطفي؟

الأم ضحكت، وربّتت على صدري. "إنه سعيد."

سعيد؟! نعم، بالتأكيد، أنا في قمة السعادة.

محاصر في جسد لا يتحكم بعضلاته، أُجبر على الاستماع إلى غزلٍ مجاني، وأُرشَّح لمنصب "ابن لعائلة لطيفة بشكل مزعج".

تنهدتُ في داخلي، حسنًا أيها الكون… لقد فزتَ هذه الجولة.

لكن اعلم هذا: إن كنتُ عالقًا هنا فعلًا… فسأكون أكثر طفل ساخر في تاريخ الوجود.

ثم… حدث شيء لم يكن ضمن قائمة السخافات اليومية.

ألم، ليس ألم رضيع عادي، ليس جوعًا، ولا انزعاجًا، ولا ذلك الوخز السخيف الذي يُحلّ بالبكاء.

كان ألمًا أعمق، كأن شيئًا في صدري انقبض فجأة، كقبضة غير مرئية تعتصر قلبًا لم يعتد بعد على كونه قلبًا.

انقطع نفسي، اتسعت عيناي دون إرادة، وحاولتُ عبثًا أن أفهم ما هذا.

قبل أن أستوعب الفكرة، كانت يدا والدي تحيطان بي، حركته كانت سريعة، وكأنها غريزية، لا تشبه حركات فارسٍ في معركة، بل حركة شخصٍ خاف قبل أن يفكر.

ضغط رأسي إلى صدره بقوة محسوبة، كأنه يحاول تثبيت شيءٍ أعمق من جسدي، لدرجة أن والدتي شهقت، رأيت الخوف في عينيها، ذلك الخوف الصافي الذي لا يُدرّب ولا يُخفى.

"ما الذي يحدث؟!" سألت والدتي بشيء من الخوف أكثر من الإستفسار.

صوته جاء هادئًا، هدوء رجل يعرف ما يراه، "لا تخافي…" قالها وهو يشدّني إليه أكثر. "إنها فقط المانا، تسري في عروقه."

مانا...؟ الكلمة ارتطمت بوعيي كحجرٍ في بركة راكدة.

مانا؟ ليست كلمة فارغة، ليست استعارة شاعرية، كانت تُقال بثقة، كحقيقة فيزيائية، كأنها الدم أو النفس.

حاولتُ فهم وربط ما قاله بالضبط، حاولتُ أن أستدعي أي معنى سابق… لكن ذاكرتي، رغم اتساعها، لم تحتوِ هذا المفهوم.

هل هذا… سحر؟ طاقة؟ شيء بين الحياة والموت؟ ما معنى هذه الكلمة بحق الجحيم؟

الألم ازداد للحظة، ثم… ضغط والدي أكثر، كأن يديه لم تكونا تضغطان جسدي، بل تهدّئان شيئًا داخليًا، ثم جاء الشعور، دفء، ليس حرارة، بل دفء ينساب، يملأ الفراغات، يربّت على الداخل كما تفعل اليد على كتف شخصٍ منهك.

شعور ثقيل وخفيف في آنٍ واحد، كأن صدري يتّسع لأول مرة، ثم يتعلّم كيف يتنفس.

الألم… تراجع، انكمش، ثم اختفى، بقي الدفء.

كنتُ مشدودًا إلى صدره، أسمع نبضه، لا كصوت، بل كإيقاعٍ ثابت يقول: كل شيء تحت السيطرة.

فتحَت والدتي عينيها ببطء. "هل… هل هو بخير؟"

أجاب دون أن ينظر إليها. "نعم، فقط استيقظت المانا أسرع مما توقعت."

استيقظت؟ إذًا… كانت نائمة؟ داخلي؟

فكرة واحدة ترسّخت في وعيي وأنا أغرق في ذلك الشعور الدافئ، هذا العالم… ليس عادلًا فقط أو ظالمًا، إنه… مختلف، وإن كان الألم هو ثمن الدخول إليه… فقد بدأ شيء ما يتحرّك في داخلي.

*****

مرت الشهور… ليس كأيامٍ متتابعة، بل كموجاتٍ متشابهة تتكسر على شاطئٍ واحد، الرضاعة، الدفء، النسيان المؤقت، ثم الوعي من جديد.

كنتُ أعيش في دورة غريبة، أفتح عينيّ على سقفٍ أعرف كل شقوقه، أُحمل، أُطعَم، أُهدهَد، ثم أُعاد إلى الظلام الدافئ.

الأيام هنا لم تكن تُقاس بالأحداث، بل بالإحساس.

رائحة والدتي، نبض والدي عندما يحملني، صوت المعدن عندما يخلع درعه، وضوء الشمس الذي يزحف ببطء عبر النافذة وكأنه يتعلّم المشي مثلي.

كنتُ أحاول الحركة، مرارًا، بإصرارٍ يليق بفارسٍ سابق، لكن الجسد… كان خائنًا، قدماي لا تستجيبان، ذراعاي تتحركان عشوائيًا، بلا معنى، كأغصانٍ في مهبّ ريح لا أتحكم بها.

لساني؟ قطعة لحم عديمة الفائدة.

كل شيء يطيع قوانينه الخاصة… إلا إرادتي.

الشيء الوحيد الذي يستجيب… كان شيئًا آخر، المانا، لم أرها، لكنني أحسستها، تيارًا داخليًا، رقيقًا في البداية، كنسمةٍ تتردد في ممرٍ ضيق.

كنتُ أحرّكها… لا بعضلات، بل بنيّةٍ صافية، كأن التفكير نفسه يدفعها، عندما أجعلها تنتشر في أطرافي، كانت ضعيفة، او بالأحرى، متبددة، تتسرّب من جسدي كما يتسرّب الدفء من كفٍّ مفتوحة.

لكن… عندما أقرّبها من منتصف جسدي، من نقطةٍ خلف السرة، أعمق بقليل، كانت تتغيّر، تزداد كثافة، تتجمّع معًا، تستجيب بسهولة لإرادتي.

هناك… كان شيءٌ ما، بلورة صغيرة، أو ما شعرتُ أنه بلورة، لم تكن صلبة تمامًا، ولا مكتملة الشكل، أشبه ببذرةٍ من نورٍ باهت، معلّقة في الفراغ الداخلي، غير قادرة بعد على أن تُسمّي نفسها.

كلما اقتربتُ بالمانا منها… كانت تلتهمها، لا بعنف، ولا بشراهة، بل كشيءٍ ينقصه الكثير، كنتُ أشعر بها تكبر... ببطءٍ محبط، وكأنها تقول لي دون صوت: ليس بعد… لستُ جاهزة.

والأغرب… أنها لم تؤلمني، على العكس، كلما غذّيتها بالمانا،. شعرتُ بثباتٍ غريب، وكأن وجودي نفسه يصبح أكثر "تحديدًا".

كأن جسدي، الرضيع الضعيف، يجد مركزًا يتكئ عليه.

بدأت أفهم، هذا ليس مجرد تدفّق طاقة، هذا بناء لقوتي، تشكّل لقدراتي، شيء يُصنع في الظل، بينما الجميع يظن أنني مجرد طفلٍ يرضع وينام ويبكي بلا سبب.

ضحكتُ في داخلي، ضحكة بلا صوت، جسدي لا يطيعني... لكن روحي؟ روحي كانت تعمل.

واصلتُ، لا أعرف لماذا، ولا من أين جاء ذلك الإصرار، لكنني واصلت تحريك المانا في جسدي الصغير، كما لو أنني أخشى إن توقفتُ أن أنسى كيف تُفعل.

كنتُ موضوعًا على الأريكة، ملفوفًا بقطعة قماش ناعمة، بينما كانت أمي في المطبخ، أسمع صوت الأواني، وقع خطواتها، وحين تصمت لثانية أعرف، دون أن أنظر، أنها تلتفت لتتأكد أنني ما زلت هنا، أتنفس، موجودًا مكاني بلا حراك مثير للريبة.

كانت تنظر إليّ كل فترة، نظرة أم، تلك النظرة التي تقول: العالم قاسٍ، لكنك هنا، وأنا أراك.

وأنا؟ كنتُ أتجاهل كل ذلك، جمعتُ المانا، دفعتها ببطء، قربتها من منتصف جسدي، من تلك البلورة غير المكتملة، التي تلتهمها بصبرٍ غريب، مرة… مرتين… عشرات المرات.

ثم... اختلّ كل شيء، دوار مفاجئ، عنيف بشكل غير طبيعي، كأن الغرفة انقلبت داخلي لا حولي.

المانا تشتت، الدفء تحوّل إلى ثِقَل، وثقَل الوعي… سحبني إلى الأسفل، أسفل الظلام.

وغَرِقت.

2026/02/06 · 10 مشاهدة · 1525 كلمة
Arthur
نادي الروايات - 2026