كنتُ في كنيسة.
حجارة رمادية عالية، نوافذ زجاجية ملوّنة، ضوء باهت يسقط بزاوية غير طبيعية، كأنه لا ينتمي للسماء.
الهواء كان ثقيلاً، مشبعًا برائحة قديمة بخور؟ دم؟ لم أستطع التمييز.
كنتُ أسير، أو… أُساق، إلى جانبي كان والدي، آشفورد، لم يكن يرتدي درعه، بل ملابس داكنة بسيطة، ومع ذلك كان حضوره أثقل من المكان نفسه.
لكن شيئًا كان… خاطئًا، حركتنا لم تكن طبيعية، كأن الزمن يتخطّى إطارات، كأن الخطوات تقفز بدل أن تُكمل.
والأشخاص… كانوا يقفون على الجانبين بلا حراك، ينظرون إلى صدري أكثر مما ينظرون إلى عينيّ، لم أفهم إذا كان احترامًا ام مجرد تقاليد في هذا العالم، ولكن ما شعرتُ به عند مبادلتهم نظراتهم... لا أعتقد أنه يدل على إحترام، بل وكأنهم مجبورين على الوقوف ومشاهدة ما سيحصل.
عيونهم لم تكن فارغة، بل مركّزة أكثر مما يجب، نظرات طويلة، ثابتة، لا تحمل كراهية ولا شفقة… بل معرفة.
نظرات جعلت جلدي، لو كان لدي جلد في هذا المكان الغريب، ينكمش، منذ وصولي لهنا بطريقة غريبة، لم أستطيع الشعور بأي شيء آخر سوى ساقاي وعيناي، وآخر ما أتذكره أنني نمتُ أو فقدتُ الوعي مباشرةً بعد تغذية نواتي بالمانا.
بحق الجحيم ماذا حدث؟
هل يعقل... هل يعقل أنني في حلم؟
في الواقع، بدا أمر الحلم أكثر منطقية؛ نظراتهم، تحرُك انعكاس ظلنا على الأرض أسرع منا لدرجة أنه يسبق تحركاتنا، وكأنه يعرف تمامًا المستقبل القريب ويتخذ الخطوة بدلًا عنا، وكأننا نحنُ الظل.
هناك شيئين غير طبيعين أيضًا، اولًا، طريقة دخول ضوء الشمس من الزجاج، بحيث ينكسر الضوء بطريقة معارضة لقوانين الفيزياء، تنتشر أشعة الضوء في كل مكان بطريقة عشوائية، حتى أن بعض الأماكن الذي وصل لها شعاع الضوء... مظلمة بالكامل.
ثانيًا، وهو شيء... أكثر رعبًا أكثر من كونه غير منطقي، على الأرجح، أعتقد أنني علقت في حلقة زمنية لانهائية، نقطة بدايتها هي نفس نقطة نهايتها، وكلما أصل للنهاية... أجد نفسي في البداية من جديد.
لأكون واضحًا، نحن نمشي إلى منصة الكنيسة منذ وقت ليس بقليل، بالنسبة إلى المسافة التي تقدر بشكل تقريبي عشرين إلى ثلاثين خطوة، ولكن منذ دخولي هذا الحلم وأنا أمشي إليها، بالإضافة إني اضعت الوقت في فحص كل الأشخاص والظواهر الغريبة من حولنا.
أشعر أنه كلما اقتربنا من صعود المنصة، أصبحت أبعد مما تبدو عليه في كل مرة، كما توقعت، بعد تكرار الأمر لأكثر من أربع مرات، كان هذا كافيًا للتأكد، أنا عالق في حلقة بلا نهاية، او بالأحرى، نهايتها هي بدايتها، أو ربما، بدايتها هي نهايتها، لا يهم أي من الأمرين، فهذا لن يحل شيئًا.
حل، هاه؟ نظرتُ جانبي، فقط بعينيّ، لأني لم أستطع تحريك رأسي ، كان آشفورد يمشي بصمت، وكأنه يمر بنفس الحالة، أو ربما... تبًا، فكرتُ في شيء لم أرد أن أفكر به، هل يعقل أن حتى آشفورد جزء من هذا الحلم؟
أردتُ أن أناديه، أن أسأله أين نحن، لماذا هذا المكان، لماذا لا ينظر إليّ بحق الجحيم، آه... تبًا لكل هذا.
ثم صدر صوت غريب، ليس صراخًا، ليس إنذارًا، مجرد صوت اختراقٍ مكتوم.
نظرتُ أخيرًا، تحركتُ بسرعة لاستدير نحو آشفورد بعد استعادتي قدرة الحركة، ولكن ما رأيته لم يكن ليكمل فرحتي.
نصلٌ بارز من صدر آشفورد... والدي، توقّف، لا دم يتفجّر، لا دراما صاخبة، فقط… توقّف، وقد نظر إليّ أخيرًا، عيناه البنفسجيتان كانتا هادئتين على نحوٍ مؤلم.
سقط، والكنيسة… صمتت.
استيقظتُ فجأة، جسدي الرضيع ارتجف، نفسٌ حاد خرج من صدري، السقف المألوف فوقي، الأريكة، الضوء الدافئ، وصوت أمي من المطبخ تناديني باسمي.
استوعبتُ الأمر ببطء، قلبٌ صغير ينبض بسرعة، المانا خاصتي مبعثرة وكأنها شبكة خيطية أحدثت عقدة صعبة الفك، غير مستقرة تمامًا، أشعر وكأني على وشك الغثيان.
لكن الأهم، أنه كان حلمًا، كما توقعت مجددًا، مجرد حلم سيّئ، هكذا أقنعتُ نفسي، هكذا أردتُ أن أصدّق، لكن بينما كنتُ أُغلق عينيّ مجددًا، كان هناك شيء واحد لم يغب عني.
ذلك الحلم… لم يكن عشوائيًا.
اقتربت أمي بخطوات سريعة، "آرثر؟" نبرتها لم تكن قلقًا هذه المرة… بل متبرّمة. "أنا أناديك منذ لحظة، هل قررتَ فجأة أن تصبح شبحًا صامتًا؟"
لو كنتُ أملك القدرة على الابتسام، لفعلت، آسف يا ليليث، كنتُ مشغولًا بإعادة ترتيب قوانين الكون داخل جسدي.
انحنت فوقي، عقدت حاجبيها، ولوّحت بإصبعها أمام وجهي. "لا تنظر إليّ هكذا… هذا النظر لا يعجبني."
اطمئني، هذا النظر لا يعجبني أنا أيضًا.
كانت على وشك حملـي عندما ظهر هو.
"ربما لأنه يفكّر أكثر مما ينبغي." صوته جاء من الخلف، ساخرًا على غير عادته، واثقًا… ومزعجًا بشكل غريزي.
رأيت كتفي أمي ترتخيان قبل أن تلتفت، "آشفورد! لا تفاجئني هكذا." ثم أضافت بنبرة تمثّل الغضب. "ابنك لا يرد عليّ، ألا ترى؟"
ضحك، ضحكة قصيرة، منخفضة ولكنها أخذت وقتها. "إنه يرد… فقط ليس بالطريقة التي تفهمينها."
تقدّم، جلس بهدوء، ثم مدّ يديه وحملني، مرة أخرى ذلك الإحساس… بالثبات، وكأن العالم يُعاد تثبيته عندما أكون بين ذراعيه.
رفعني قليلًا، وحدّق في عينيّ، طويلًا، طويلًا أكثر مما يجب، عيناه البنفسجيتان لم تكونا دافئتين هذه المرة، بل... فاحصتين على نحو غريب، هل يعرف شيئًا عني؟
شعرتُ بأن شيئًا داخلي ينكمش، كأن البلورة الصغيرة في صدري حاولت الاختباء.
"هممم…" تمتم بها.
اقتربت أمي، مبتسمة، وضعت يدها على كتفه، "ماذا؟ هل وجدتَ فيه شيئًا آخر يشبهك؟" ثم أمالت رأسها، وأضافت بنبرة مغازلة. "أخبرتك، سيكون مميزًا."
لم يبادلها المزاح، "آرثر… لديه نواة مانا شبه مكتملة" قالها بهدوء، كما لو كان يعلن حالة الطقس.
الصمت، سقطت الكلمة بيننا كحجرٍ ثقيل.
ماذا الآن؟ هل كان ذلك فقط؟ يا رجل لقد أخفتمي حقًا.
رأيتُ عيني ليليث تتسعان، "نواة… مانا؟" ضحكت ضحكة قصيرة غير مصدّقة. "آشفورد، هو رضيع."
"أعرف." قالها دون أن يشيح بنظره عني.
أما أنا… فشعرتُ بأن صدري قد انكشف، هو يعلم، لم أفهم كيف، لكنني عرفت ذلك فورًا، يعلم أنني أحرّكها، يعلم عن البلورة، يعلم أنني لستُ… عاديًا.
أو ربما فقط، من السهل معرفة إذا كان الشخص يمتلك نواة أو لا، أتمنى أن سيكون هذا السبب.
"هذا مستحيل…" تمتمت ليليث فجأة، "حتى النبلاء لا—"
قاطعها بهدوء، "كما قلتُ، ليست مكتملة. لكنها موجودة." ثم أضاف، أخفّ. "ويبدو أنه يحرّك المانا في جسده… بلا وعي كامل، كأنها لعبة."
لعبة؟ الكلمة لم تعجبني.
ليليث وضعت يدها على فمها. "هل هذا… خطير؟"
سكت لحظة، ولأول مرة، شعرتُ بشيء يشبه التردّد منه، على الأقل، ليس الآن." ثم نظر إليّ مرة أخرى، أقرب هذه المرة. "لكن إن استمرّ… سيكون كذلك."
في تلك اللحظة… شعرتُ بالخوف، ليس خوف رضيع، بل خوف رجلٍ أدرك فجأة أن شخصًا ما يراه كما هو… أو أقرب مما يجب.
هذا الرجل… ليس فقط أبي، هذا رجلٌ قادر على فهم ما يحدث داخلي،ورجلٌ كهذا… قد يكون أخطر من أي نبيلٍ مشمئز عرفته في حياتي السابقة.
*****
مرّت الأيام… ثم الأسابيع… ثم وجدتُ نفسي فجأة في جسدٍ بلغ عامًا ونصف، لم يعد الزمن هنا ضبابيًا كما كان، أصبح له وزن، خطوات، ذاكرة.
نواتي… كانت ما تزال شبه مكتملة، لكنها لم تعد خاملة، كنت أشعر بها كشيءٍ مشدود، على الحافة، كوترٍ ينتظر أن يُطلَق.
كل مرة أحرّك المانا، أشعر بأن خطوة واحدة إضافية قد تغيّر كل شيء… لذلك توقفت، ليس خوفًا، بل حذرًا.
أما الكلام… فقد خرج بسهولة مقلقة، كلمات قصيرة أولًا، ثم جمل غير متعثّرة، لا لعثمة، لا تردّد، لا تلك الفوضى التي يتوقّعها الناس من طفل.
ليليث لاحظت ذلك، كانت تنظر إليّ أحيانًا بصمتٍ طويل، ثم تبتسم ابتسامة متردّدة.
"آرثر…" قالتها مرة، وكأنها تختبر الاسم من جديد، "أنت… تتكلم أسرع مما ينبغي." ثم أشارت إلى أنفي، وابتسامة صغيرة تعلو وجهها.
أجل، وأنا أفكّر أسرع مما تتخيلين، لم أقلها، طبعًا لم أقلها.
ذلك الصباح، تبعتها نحو المطبخ، قدماي كانتا ما تزالان قصيرتين، غير ثابتتين، لكنني كنت أمشي، خطوة… توازن… خطوة.
ليليث كانت تسبقني، تلتفت بين الحين والآخر لتتأكد أنني لم أسقط، وأثناء ذلك… بدأتُ ألاحظ المنزل... منزلي، لم يكن قصرًا، لكنه أيضًا لم يكن بيتًا عاديًا.
السقف مرتفع بما يكفي ليمنح المكان هواءً فخمًا، الجدران مكسوّة بحجرٍ ناعم بلونٍ دافئ، تتخلله زخارف بسيطة، لا استعراض، بل ذوق.
الأثاث خشبي، متين، محفور بعناية، لا يحمل شعار النبلاء لكنه بالتأكيد ليس رخيصًا، هناك أيضًا نوافذ واسعة، ستائر ثقيلة، وضوء الشمس يدخل دون أن يُستأذن.
مدينة مرموقة… هكذا خلصتُ إلى الاستنتاج، ليس حيًّا فقيرًا، ولا قصرًا ملكيًا، مكان يليق بفارسٍ مهم… لكن ليس سياسيًا.
وصلنا إلى المطبخ، وفجأة، التفتت إليّ ليليث، وانحنت قليلًا حتى صارت بمستوى عينيّ. "حسنًا يا سيدي المفكّر…" قالتها بابتسامة دافئة. "ماذا تريد أن تأكل؟"
تجمّدت، السؤال بسيط، سخيف حتى، لكن شيئًا في داخلي انكمش.
الاختيار، في حياتي السابقة، لم يكن لي خيار.
في هذه… يُعرض عليّ واحد فجأة، دون ثمن ظاهر، تراجعتُ خطوة دون وعي، لاحظت ليليث ذلك فورًا.
ركعت أمامي، وضعت يدها على كتفي الصغيرين، وصوتها صار أهدأ، "لا تقلق بشأن الطعام، آرثر. لدينا كل شيء قد تفكر به." قالتها بصدق، لا تصنّع فيه. "أوه، هيا، لن يحدث شيء سيئ، فقط أخبرني."
تنفستُ، بدأت تقترح، كأنها تفتح عالمًا كاملًا أمامي: "هل تريد حساء الخضار؟ أم لحمًا مطهوًا جيدًا؟ يمكنني صنع خبز طازج… أو بيض مع الأعشاب."
كلماتها كانت عادية… لكن الإحساس؟ كان جديدًا، أن يُسأل الإنسان… ثم يُنتظر جوابه.
رفعتُ رأسي، نظرتُ إليها، ثم قلت، بصوت طفل… لكنه ثابت: "حساء الخضار، سيكون جيدًا."
ابتسمت، ابتسامة واسعة، صادقة، وكأنني اخترتُ شيئًا أعظم من مجرد طعام. "حساء إذًا."
وفي تلك اللحظة، بعد أن جلستُ على الطاولة الصغيرة، أراقبها تتحرّك في المطبخ… أدركتُ شيئًا بهدوء.
هذا العالم… قد يكون خطرًا، قد يكون قاسيًا.
لكنّه على الأقل الآن، يسمح لي أن أختار.