لم تكتمل فرحتي بالحساء، فجأة، امتدّت يد من العدم، وأمسكتني من رقبة قميصي.
"آشفورد!" صوت ليليث انفجر اعتراضًا قبل أن أفهم ما يحدث، كنتُ معلّقًا في الهواء، قدماي تتأرجحان بلا كرامة، ووجهي في مستوى صدر فارسٍ ضخم لا يبدو أنه يرى في هذا أي مشكلة.
هل هذه طريقة تربية الفرسان؟!
"أنزله!" قالت ليليث وهي تتقدّم خطوة.
"لن يموت." ردّ آشفورد ببرود، ثم استدار بي خارج المطبخ كما لو كنتُ قطعة درعٍ نسيها على الطاولة.
تذمّرت، بصوتٍ واضح. "أبّي، هذا غير لائق."
توقّف، نظر إليّ، مجرد نظرة، عيناه البنفسجيتان هبطتا عليّ كحكمٍ عسكري، توقّف لساني في منتصف الشكوى، وتذكّرتُ فجأة أن هذا الرجل لا يقطع الرؤوس لأنه يحب ذلك… بل لأنه يستطيع.
"تريد الخروج؟" سأل فجأة، بنبرة هادئة كأن شيئًا لم يحدث.
ماذا؟ تصلّبتُ، ثم اتسعت عيناي، الخروج؟ إلى الخارج؟ العالم؟
"نعم." خرجت الكلمة أسرع مما خطّطت له.
"حسنًا." ببساطة، دون نقاش.
بينما كان يحملني، بدأ خيالي يعمل كالمجنون، تخيّلتُ شوارع مرصوفة بالحجر، أبراجًا عالية، رايات ترفرف، فرسانًا يتدرّبون، وربما، لم لا، مملكة ضخمة ونحن أحد أعمدتها، تصوّرتُ مدينة مرموقة تليق ببيتٍ كهذا.
ثم… فتح الباب، وخرجنا، الهواء النقي ضرب وجهي أولًا.
ثم رأيتُ ما لم أتخيله، ريف، ليس فقرًا، ولا عزلة، بل اتساع.
بيوت قليلة، متباعدة، مبنية بحجرٍ وخشب، لا تزاحم ولا ضجيج، أرض ممتدة، مغطّاة بأزهار برّية بألوان هادئة، تتمايل مع الريح كأنها تعرف إيقاعًا خاصًا بها.
من بعيد، حقول قمح ذهبية تحيط بالمكان، وخلفها... الأشجار، غابة من الواضح أنها ضخمة، كانت تحيط بنا من جميع الإتجاهات، كثيفة الأشجار، صامتة بلا أي صوت لزقزقة للطيور.
سكتُّ، كل تصوّراتي عن المدن والممالك تلاشت في لحظة، هذا المكان لم يكن مهيبًا… لكنه كان حرًّا.
حملني آشفورد كما يحمل شخص ابنه لا عبئه هذه المرة، وقال دون أن ينظر إليّ: "هذا… بيتنا."
وفي تلك اللحظة، لأول مرة منذ ولادتي… لم أشعر بالحاجة إلى السخرية من حياتي.
آخ، أشعر أنني سأستخدم جملة "لأول مرة منذ..." كثيرًا، مرارًا وتكرارًا، على أي شيء لم احظى به في حياتي السابقة.
لم يدم الهدوء طويلًا، سمعتُ خطواتٍ خفيفة تقترب، غير حذرة، تحمل تلك الجرأة الخاصة بالأطفال الذين لم يتعلّموا بعد متى يجب أن يتباطؤوا.
ثم ظهر، طفل أشقر الشعر، لامع كحقل قمحٍ تحت الشمس، عيناه ذهبيتان واسعتان وفيهما فضولٌ غير مقيّد.
كان يرتدي ملابس بسيطة لكنها مُرتّبة، أنيقة على نحوٍ لا يكون مصادفة.
"صباح الخير، سيد أوبسيدراين!" قالها بحيوية، وانحنى انحناءة غير مكتملة، لكنها صادقة.
أوبسيدراين، هاه؟ هل هذ إسم عائلتنا؟ يبدو مبهرجًا قليلًا.
آشفورد أومأ برأسه. "آه، صباح الخير، ليوناردو."
الطفل حرّك نظره نحوي، وفي تلك اللحظة، قفزت، بلا تفكير، انفصلتُ عن ذراع آشفورد، وتشبّثتُ بردائه من الخلف، مختبئًا كما لو أنني أواجه وحشًا أسطوريًا لا طفلًا في مثل سني.
طفل آخر؟! لا، شكرًا، لم أوقّع على هذا بعد.
ضحك الطفل، ضحكة قصيرة، غير مستهزئة. "يبدو أنه خجول."
آشفورد لم يضحك، لكنني شعرتُ بابتسامة خفيفة... داخلية، "سيعتاد." قالها ببساطة.
انحنى الطفل قليلًا، ووضع يده على صدره" إسمي ليوناردو ألبيريون دي ڤالركا."
حسنًا... اسمٌ فخم، فخم لدرجة يجعلك تتوقّع قصرًا خلفه مباشرة.
تنفستُ بعمق، ووبّختُ نفسي.
أنت فارس سابق يا آرثر، لا طفل يختبئ خلف والده.
تقدّمتُ خطوة واحدة، ثم أخرى، مددتُ يدي الصغيرة، بثباتٍ أكبر مما ينبغي لجسدي.
"أنا… آرثر." توقّفتُ لحظة، ثم أضفت بعد تفكير دام ثانيتين، كما لو أن الأمر بديهي: "آرثر أوبسيدراين."
ليوناردو اتسعت عيناه، "أوبسيدراين؟" ثم ابتسم، ابتسامة حقيقية هذه المرة. "هذا يعني أنك إبن السيد آشفورد أوبسيدراين، تشرفت بلقائك."
قبل أن أرد، مرّوا... فرسان، ثلاثة، دروعهم لامعة لكن غير مزخرفة، سيوفهم على خواصرهم، خطواتهم منضبطة.
ما إن رأوا آشفورد حتى توقّفوا فورًا، وانحنوا، انحناءة كاملة، صامتة بلا ترحيب، كيف يكون هذا إحترام بحق الجحيم؟
ربما يكون نظام الإحترام هنا مختلف بعض الشيء.
شعرتُ بظهر آشفورد يستقيم أكثر، كأن الهواء نفسه يعترف به، أدركتُ فجأة أن هذا الريف الهادئ... ليس بعيدًا عن العالم، بل هو، مكانٌ اختار أن يبتعد عنه.
أما أنا... فكنتُ أقف هناك، طفلًا يحمل اسمًا جديدًا، وفي داخلي، فارسًا بدأ يفهم أن هذه الحياة لن تكون بسيطة أبدًا.
هبط آشفورد فجأة نحوي، ولم يمنحني حتى فرصة للاعتراض، أمسكني… لا بذراعين حانيتين، بل كما يُحمل برميل صغير فقد صبر حامله عليه.
"مَه—!" اختفت الكلمة في الهواء.
سار بي بخطوات واسعة، ولوّح بيده الأخرى نحو ليوناردو. "إلى لقاءٍ آخر."
ليوناردو لوّح بحماس، بينما كنتُ أتأرجح وأفكّر بجدية في معنى الكرامة في عمر العام ونصف.
توقّفنا أمام منزلٍ غريب قليلًا، ليس فخمًا، لكنه مختلف؛ نوافذه أطول من المعتاد، وبابه الخشبي داكن، يحمل آثار استعمالٍ قديم.
طرق آشفورد مرة واحدة… ثم دخل مباشرة.
إذًا، الطَرق هنا مجرّد مجاملة؟
في الداخل، كانت هناك فتاة، جلست على مقعدٍ مرتفع، ساقاها مضمومتان، ترتدي زيّ خادمة أنيقًا: فستان داكن بحواف بيضاء، مريلة مرتّبة، وقفازات خفيفة.
شعرها ورديّ مائل إلى البنفسجي، ينسدل بنعومة حتى كتفيها، وعيناها بلونٍ ذهبيّ لامع، فيهما مللٌ ذكيّ وكأنها رأت كل شيء… وملّت منه.
كانت تمسك عصًا خشبية، ممسحة على الأغلب، وتوقّفت في منتصف الحركة حين رأتنا.
حدّقتُ… ليس بفضول طفل فقط، بل بدهشة شخص يرى لوحة غير متوقّعة.
لاحظتْ نظرتي فورًا، رفعت حاجبها، ثم نظرت إلى آشفورد ببرودٍ لاذع. "هل تمانع أن تُنزل الطفل أولًا؟ أم هذه طريقتك الجديدة في تقديم الضيوف؟"
آشفورد ضحك ضحكة قصيرة. "لا تبدأي."
"بل أبدأ." قالتها وهي تنزل عن المقعد بخفّة. "وخاصة عندما تُمسك بإبنك كما لو كان غنيمة."
عندها فقط قال. "آرثر… هذه سيرين أوبسيدراين."
أوبسيدراين؟ توقّف كل شيء في رأسي.
هذه قريبتي؟
أنزلني أخيرًا، فعدتُ إلى الأرض، إلى كرامتي النسبية.
تقدّمتُ خطوة، واستقمتُ قدر استطاعتي، "أنا آرثر." ثم أضفت بثبات: "آرثر أوبسيدراين."
سيرين اقتربت، وانحنت قليلًا حتى صارت بمستوى وجهي، حدّقت فيّ لحظة أطول من اللازم… ثم ابتسمت "عينان بنفسجيتان؟" نبرتها تغيّرت، صارت أخف. "آه… إذًا أنت ابن آشفورد فعلًا."
مدّت إصبعها وربّتت على أنفي برفق. "تشرفت بمعرفتك، يا صغيري."
تشرفتِ؟ صغيري؟ بحق الجحيم؟ أرجو ألا يكون هذا أسلوب عائلتنا في الترحيب.
في داخلي، تنفستُ ببطء، حسنًا… قريبتي، منزل غريب، أب لا يعرف معنى الطرق… يبدو أن اسم أوبسيدراين يأتي مع حزمة مفاجآت كاملة.
توقّف بصري عند ساقها… ثم عند عيناها المحدقتان، لا، لا، لا، هذا ليس ما يبدو عليه الأمر!
كان الأمر أقرب إلى دهشةٍ محرجة، دهشة شخصٍ لم يعتد بعد على اختلاف الأعمار والزوايا والملابس في هذا العالم، لا أكثر.
ومع ذلك، سيرين التقطت النظرة فورًا، وكأن لديها رادارًا خاصًا للسلوكيات المشبوهة، حتى لو صدرت من طفل.
ضيّقت عينيها، وابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة.
"هل انتهيت من التحديق، أم تحتاج إمرأة إضافية؟"
احمرّ وجهي، رائع… بدأت سمعتي تنهار قبل أن أتعلم نطق اسمي كاملًا.
آشفورد تنحنح، وقطع الجوّ بلا مقدّمات. "سيرين، ستعتنين به ثلاثة أشهر."
رفعت حاجبًا. "أعتني؟"
"تدريب." صحّحها. "كل يوم سيأتي إليكِ، علّميه القتال."
ماذا؟ تأفّفت في داخلي، أنا أعرف القتال، أعرفه جيدًا.
ثم تذكّرت الحقيقة المؤلمة، جسدي لا يعرفني بعد.
سيرين نظرت إليّ من أعلى لأسفل، ثم أطلقت ضحكة قصيرة. "آشفورد، عمره بالكاد يسمح له بحمل ملعقة."
"جرّبي." قالها بهدوءٍ لا يقبل الجدل. "وستفهمين."
تنهدت، ثم وبلا إنذار أمسكت بيدي وسحبتني خارجًا. "حسنًا، أيها المعجزة."
خرجنا إلى الفناء، ألقت عصاها الخشبية نحوي.
التقطتها… وبلا تفكير، جسدي تحرّك قبل عقلي، قدمان ثابتتان، كتفان مسترخيان، العصا بزاوية مألوفة.
وضعية قتالي القديمة، خرجت كما لو لم أغادرها يومًا.
تجمّدتُ، ماذا فعلت؟ عدتُ فورًا إلى الوقوف العادي، كطفلٍ لا يعرف أين يضع يديه.
سيرين اقتربت ببطء، حدّقت فيّ بعينين ذهبيتين لم تعودا مازحتين، انحنت قليلًا، وقالت بهدوءٍ غريب: "…افعلها مجددًا."
وفي تلك اللحظة، شعرتُ كما لو أنها ستبتلعني في أي لحظة، ثلاثة أشهر، لن تكون سهلة على أيٍّ منّا.
قمتُ بإعادة الوضعية نفسها، كأن جسدي تذكّر قبل عقلي مرة أخرى، قدماي تنغرسان في الأرض بزاوية خفيفة، كتفي الأيمن ينخفض، قبضتي ترتخي عن المقبض ثم تتماسك عند الحارس.
توقفت سيرين لحظة، حدّقت فيّ بعينين ضيقتين، ثم تقدمت خطوة لتدفع مرفقي قليلًا. "لا تسرق القوة من كتفك… دعها تمر من خصرك."
جعلتني ألوّح، هذه المرة لا حاجة للتفكير، العصا تشق الهواء بخط نظيف، لا ارتجاف فيه.
سمعتُها تضحك ضحكة قصيرة، ولكنها ساخرة على نحوٍ مرح، رفعت رأسها، ونظرت ناحية آشفورد. "هذا الطفل ليس عاديًا، ألا تعتقد ذلك؟."
ثم اقتربت فجأة، وأمسكت بيدي، ثم بدأت تُعدّل الزاوية قسرًا، ضغطتْ على معصمي حتى شعرتُ بوخزٍ حادً.
"هكذا،" قالت بنبرة مخيفة: "أريد الخط مستقيمًا... مستقيمًا!"
فعلتُ ما تطلبه، كررتُ الحركة، مرة، مرتين، عينها لا تفارق قبضتي.
ثم ظهر صوت شق الهواء قبل أن يصطدم بصدري، عصا أخرى تهوي على ضلوعي، انفلتَ الهواء من صدري، ترنحتُ خطوة للخلف، لكن قدميّ تثبتا قبل أن أسقط.
رفعتُ رأسي… متأخرًا.
أتت ضربتان متتاليتان على فخذي كتفي، شدتُ على أسناني، أعرف هذا الإيقاع، إيقاع ضربات لا يتغير حتى لو تغير العالم، أعرفه جيدًا.
لكن الجسد… الجسد خائن.
حاولتُ الرد، رفعتُ العصا بهجوم جانبي، رأيتُها تتفادى بخفة مهينة، دارت حولي نصف دورة وضربت خلف ركبتي. فسقطُ على ركبة واحدة.
"لا تنظر إلى سلاحك،" قالت ببرود. "أنظر إليّ."
حاولتُ النهوض، تبًا، هذا... صعب، هذا السيف أكبر مما أستطيع حمله، كيف يفترض أن يكون هذا تدريب؟
أتت ضربة أخرى، هذه المرة على ظهري، ليست قوية... لكنها محسوبة، أجبرتني على الوقوف، ثم ضربت مجددًا.
هذا القتال لا يُشبه قتالًا، إنه درس قاسٍ يُكتب على جسدي.
فعلتُ كل ما بوسعي فعله بهذا الجسد، هجوم، دفاع، تغيير زاوية، تراجع بضع خطوات لأخذ وضعية جديدة.
لكنها كانت دائمًا تسبقني بنصف ثانية، كل حركة أقوم بها، هي تعرفها… وتكسرها، أسمع صوت العصا أكثر مما أشعر بالألم، إيقاع ثابت، بارد، بلا أي رحمة، كانت تسحقني حرفيًا.
بعد دقائق، أو ربما ثوانٍ، الزمن تلاشى، كنتُ واقفًا بصعوبة، صدري يعلو ويهبط، يداي ترتجفان رغم إرادتي.
وهي توقفت أخيرًا، وضعت عصاها على كتفها، ونظرت إليّ من الأعلى، "عقلك جيد..." قالت ببرود، ثم أكملت: "لكن جسدك… ضعيف."
اقتربت خطوة، ثم ضربت الأرض بعصاها بين قدميّ، "وهذا.." أضافت بهدوء مخيف: "أسهل شيء في العالم… أن أكسرك ثم أعيد بناءك."
رفعتُ رأسي بصمت، في داخلي، رغم الألم، شيء واحد كان يجعلني أبتسم.
ثلاثة أشهر؟ حسنًا… لأرَ من سيصمد منّا.
اقترب آشفورد بخطوات هادئة، عيناه تضيقان قليلًا وهو ينظر إلى العصا في يدي، ثم إلى وضعيتي التي لم أخرج منها بعد. "من علّمك هذه الوقفة؟"
تجمّدت أطرافي، الخوف انساب في صدري بلا استئذان، خفضتُ العصا ببطء، ورفعتُ بنظري.
لم أجيب، ولكنه لم يضغط عليّ، ولم يرفع صوته.
فقط وضع يده على رأسي، ثم أمسك بيدي وشدّني برفق بعيدًا عن الساحة أمام المنزل، ألتفتُ نحو سيرين قبل أن أبتعد.
رفعتُ يدي الصغيرة ولوّحتُ لها، تفاجأتْ للحظة، ثم ضحكتٔ، واقتربت فجأة، وانحنت لتحتضنني بقوة، "أنت طفل غريب فعلًا… لكنك لطيف،" قالت وهي تربت على ظهري. "سأكون سعيدة إن أتيت كل يوم."
تجمّدتُ داخل حضنها،دفء مفاجئ، رائحتها مختلفة، الإحساس بيدها على ظهري مربك.
حاولتُ أن أرفع رأسي لأتنفس، فوقعت عيناي في مكان خاطئ تمامًا.
أبعدتُ نظري بسرعة، لاحظت ارتباكي وضحكت بسخرية خفيفة. "ما بك؟ هل لم تتعوّد على الأحضان؟"
قبل أن أرد—
ضربة خفيفة على رأسي. "كفى تحديقًا، أيها الوقح الصغير."
ألتفتُ لأجد آشفورد ينظر إليّ ببرود مصطنع، بينما تخفي سيرين ابتسامتها.
"اعتذر عن وقاحته،" قال آشفورد بنبرة رسمية، ثم يسحبني من ياقة قميصي. "ستريه غدًا.*
لوّحتُ لسيرين مرة أخيرة.
وهي لوّحت لي وهي تضحك.
"لا تتأخر، يا صغيري."