بينما كنا نسير بين الحقول، توقّف آشفورد فجأة، وأمسك بيدي الصغيرة، نظر إليّ بعينين بنفسجيتين حادّتين، وصرّح بسؤاله بصوتٍ منخفض ولكنه يفرض الانتباه. "ما حال النواة، آرثر؟"

تجمّدتُ، ثم شعرت بشيء غريب، دفقة دافئة، شعور ممتلئ في صدري… ثم فجأة، اكتملت النواة.

كان شعورًا مفاجئًا، كأن قطعة ناقصة في جسدي أُعيدت فجأة، ولم تعد شيء مجرد داخلي، بل قوة حية تتنفس معي.

أصبحت أقف بسهولة أكبر، حركاتي طفيفة لكنها متناسقة، ألوّح بالمانا في الهواء، ولا أحتاج بعد الآن للتفكير كل ثانية.

إنه انسياب… طبيعي، غريب، لكنه ممتع.

آشفورد حدّق فيّ لفترة، هناك دهشة واضحة في عينيه، ثم قال: "حسنًا، سنذهب إذًا." وأمسك بي من جديد.

لم أتمكن من الاحتجاج، ولا الرد على أي شعور آخر سوى الفضول والمفاجأة.

سحبني سريعًا عبر ممرات ضيقة بين بيوت القرية، ثم فتح بابًا كبيرًا… ودخلنا إلى كنيسة.

الكنيسة كانت هائلة، أكثر مما توقّعت، السقف مرتفع، يعانق الضوء من نوافذ ملونة، يمرّ من الزجاج أشعة متعددة الألوان، تكسر الظلام البارد داخل المكان إلى خطوط متداخلة من الأحمر والبرتقالي والأزرق.

الجدران حجرية، ناعمة على نحوٍ غير متوقع، محفورة بنقوش دائرية معقدة، رموز لم أستطع فهمها بعد، لكنها تشبه طلاسم قديمة أو رموز ماضية منذ قرون.

الأرضية كانت عبارة عن بلاطًا رماديًا متدرج، تتخلله لوحات صغيرة مرسومة بالذهب، على شكل دوائر ونقاط متصلة بخطوط دقيقة، كل خطوة تصدر صدى خفيفًا، كأن الكنيسة تتنفس معي.

على الجوانب، رفوف خشبية طويلة، مليئة بكتب قديمة، بعضها كبير جدًا، بعضها صغير، كتب مغطاة بالجلد، عناوين منقوشة بالذهب والفضة، مع رموز غريبة على الغلاف كأنها توجيهات سحرية.

الشموع موضوعة في مصابيح حديدية مزخرفة، بعضها مشتعل، وبعضها مطفأ، يُضيء المكان بتدرجات دافئة وباردة معًا.

في الأمام، على منصة مرتفعة، رجل يرتدي زي القديس التقليدي: عباءة بيضاء طويلة، حوافها مرصعة بخيوط ذهبية، وقبعة رأس مخروطية، وهناك رمزٌ على صدره يشبه نجمة متعددة الأطراف، تشع هالة ضوء خافتة.

كان يقف بصمت، يراقبنا، وكأن حضورنا قد حرك شيئًا في هذا المكان المقدس.

على المنصة أيضًا كان هناك طاولة كبيرة، مغطاة بكتب مفتوحة، أوراق متناثرة، أدوات غريبة: حجر كريم مشع، حبر داكن، عصا خشبية ملتوية، كؤوس صغيرة بها مسحوق ألوان، وربما ما كان يُستخدم في طقوس أو تجارب لم أفهمها بعد.

آشفورد نظر إلى الأرض ببطء، ثم نظر إليّ، "هنا." قال، "ستتعلم شيئًا أكبر من مجرد التحكم في المانا، ستتعلم كيف يتصل كل شيء بقوة النواة… وكيف تتحرك داخل هذا العالم."

تنفست ببطء، أحاول استيعاب المكان، الشعور الجديد بقوتي، والرهبة التي تثيرها هذه الكنيسة…

بين الكتب والرموز والشموع، شعرتُ أن هناك شيء أكبر ينتظرني لأفهمه بالكامل.

تقدّم الرجل ذو زي القديس خطوة إلى الأمام، خطواته خفيفة لكن كل واحدة منها أثبتت وجوده.

رفع رأسه ببطء، عيناه الذهبيتان تتأملاني، وصوته عميق ومليء بوقار، "اسمي… إيلاريوس، حارس الكنيسة القديمة." قال ونبرة صوته ترن في الصمت الكبير. "أهلاً بكما… وآشفورد، لقد علمتُ بما أتيت به."

آشفورد انحنى قليلًا بإيماءة محترمة، ثم قدم نفسه: "أنا آشفورد أوبسيدراين، والد هذا الطفل،" أشار إلىّي، "وهو الآن… نواته قد اكتملت. أردت أن أعرف انجذابه العنصري، إن كان محدودًا أم واسعًا."

شعرتُ ببعض الارتباك، انجذاب عنصري؟ ما هذا؟

لكنني اقتربت عندما طلب القديس، خطوة تلو الأخرى.

أخذ يدي ووضعها على بلورة صغيرة كانت مضاءة من الداخل بضوءٍ خافت، كما لو كانت تتنفس معي، تشعر بحركتي قبل أن ألمسها.

لحظة لم تتجاوز الثانية… ثم انفجر كل شيء من حولنا، بلا صوت او دمار، ولكنه كان شعورًا مذهلًا.

اقترب القديس، لكنه لم يلمسني، بدلاً من ذلك، رأيت صدمته في عينيه، ثم أمسك آشفورد بي فجأة، شدني ليطمئن عليّ.

بصراحة، كنتُ مدهوشًا، جسدي توقف عن التصرّف وحده، يدي ما زالت ممدودة على البلورة، وعقلي يسبح بين الفضول والدهشة.

اقترب القديس أكثر، وعيناه تكادان تقرأ داخلي، ثم… توقف، وتوسع الصمت للحظة طويلة، غير مصدق.

"ما… هذا!" قال أخيرًا، بصوت منخفض لكنه مليء بالإعجاب. "هذا… هذا لا يحدث عادةً…"

كنتُ واقفًا هناك، لا أفهم حقًا ما الذي يحدث، لكن شيئًا في صوته جعل قلبي يرتجف.

"أنت… رباعي العنصر…" قال وهو يبتسم ابتسامة واسعة، نابضة بفرح غريب. "منجذب لكل العناصر الأساسية، وليس مجرد عنصر واحد. لا أفهم كيف، لكن… هذا… هذا شيء نادر جدًا."

لم أستوعب المعنى تمامًا.

المانا داخلي تشعر بالحركة، تحاكي ما قاله، وكأن جسدي يتفهم شيئًا أكبر مني.

ابتسامة القديس لم تكن مجرد ود، كانت اعترافًا بأنني، حتى وأنا طفل، فأنا شيء مميز جدًا… شيء استثنائي.

في داخلي، شعرتُ بالفضول يتضاعف.

كل العناصر؟ ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟

لكن لم يكن الوقت بعد للإجابة.

فأنا حقًا أشعر بالسعادة، حتى لو لم أفهم شيئًا، هل يهم حقًا أن أفهم؟ ففي حياتي السابقة... لم أكن أعرف أن هناك شعورًا كهذا، شعور غير مفهوم... ولكنه يسعدك.

أريد أن أستمتع بالشعور على الأقل، فقد لا أشعر به مرة أخرى.

لكن كل ما استطعت فعله، هو أن أرفع يدي على البلورة، لأشعر بالقوة تتدفق بداخلي… لأول مرة أشعر أنني أكثر من مجرد طفل صغير، أكثر من مجرد آرثر أوبسيدراين… شيء جديد، شيء غير متوقع، شيء ثمين.

*****

كان الليل قد تمدّد فوق القرية كعباءة من حبرٍ بارد، والبيت غارق في ضوءٍ أصفر ناعم ينبعث من المصابيح البلورية المعلقة في الزوايا.

كنتُ جالسًا على حجر والدتي، ليليث، رأسـي مستند إلى صدرها، وأصابعها تمرّ ببطء في شعري الأسود الذي بدأ يطول قليلًا على غير عادة الأطفال.

ابتسمت وهي تهمس: "نموّك سريع… أسرع مما ينبغي لطفل في مثل عمرك."

لم أجب، بالطبع.

لكنني في داخلي كنت أراقب آشفورد الجالس أمامنا، ذراعيه متشابكتان، نظرته ثابتة عليّ وكأنني لغز لم يجد له تفسيرًا بعد.

تنهد أخيرًا وقال: "ما زلت لا أصدق… رباعي العنصر…"

ثم نهض، خطوة واحدة كانت كافية ليغيّر الجو كله، الهواء نفسه بدا وكأنه ينتبه له.

رفع يده اليمنى، فاشتعلت فوق راحته كرة نار صغيرة، لكنها لم تكن نارًا عادية، شرارات برقٍ أزرق كانت تلتف حولها كأفاعٍ مضيئة، تلسع الهواء دون أن تحرقه.

وبيده الأخرى… تحرّكت الرياح.

لم أرها، لكنني شعرت بها، نسمة دافئة، دائرية، مرت على وجهي كأنها يد غير مرئية تداعب وجنتي.

"العناصر الأربعة الأساسية،" قال بصوت هادئ لكنه مهيب، "نار، ماء، رياح، أرض. ومنها تتفرع عناصر جانبية لا تُحصى… برق، جليد، معدن، ضوء، ظلام… لكن الأساس دائمًا هو هذه الأربعة."

"آسف، ولكن هل يمكنك أن تذكرهم جميعًا لي؟" قلتُ وأنا اخدش رقبتي بخجل.

ابتسم آشفورد بطريقة غريبة، "لا داعي للإعتذار، آرثر." ثم أضاف وهو يشير على الهواء وكأنه يشرح على لوح غير مرئيّ: "كما قلتُ، برق، جليد، معدن، ضوء، ظلام. بالإضافة إلى، الخشب، الشفاء، الجاذبية، الصوت. على الأغلب، هذه هي كل العناصر التي يمكن للمنجذبين استعمالها."

"ثلاثة عشر عنصر بالمجمل، هذا مذهل!" أجبته بجماس.

كنتُ أحدق في تعويذة النار والبرق، وفي الهواء المتحرّك حولي. وشعرت بشيء في داخلي يستجيب.

كأن نواتي الصغيرة ترتجف شوقًا.

آشفورد ساحر ثنائي… نار ورياح… برق جانبي… فهمت الفكرة فورًا، ليس لأنني سمعتها، بل لأنني شعرت بها.

رفعت رأسي ونظرت إلى آشفورد، عيناي البنفسجيتان ثبتتا في عينيه مباشرة، وفي داخلي، تشكّل سؤال لم يكن طفوليًا أبدًا.

سؤال لا يُطرح… بل يُلقى.

إذا كان الساحر يُعرّف بعناصره… فهل العنصر هو ما يصنع الإنسان؟ أم أن الإنسان هو من يفرض اسمه على العنصر؟

لم أستطع نطق الكلمات، لكنني متأكد أن آشفورد سمعها.

اتسعت ابتسامته ببطء، ابتسامة فارس يعرف أكثر مما يقول، اقترب خطوة، ثم أطفأ كرة النار، فتبدد البرق، وسكنت الرياح.

"ذكي جدًا…" قال بهدوء، "لكن دعني أجيبك بطريقة أوضح مما تتوقع." انحنى قليلًا ليكون في مستواي، ونظر مباشرة إلى عيني، "العنصر ليس سيد الساحر، والساحر ليس عبد العنصر، العلاقة بينهما… عقد غير مكتوب. من يظن أن النار تحكمه، سيحترق بها. ومن يظن أنه يحكم النار… سيذوب غرورًا قبل أن يذوب جلده." توقف لحظة، ثم أضاف بصوت أثقل: "العنصر لا يصنع الإنسان، لكن الإنسان… قد يصنع عنصرًا لم يوجد من قبل."

تجمّد عقلي، نواة المانا داخلي خفقت بقوة، كأنها سمعت شيئًا لا ينبغي لطفل أن يسمعه.

أما ليليث… فكانت تبتسم فقط، وهي تضمّني إلى صدرها أكثر.

أعرف أنهم ليسوا والديَّ الروحيَّين، لكنهم حقًّا العائلة التي لطالما تمنّيتُها.

أنا لا أريد خسارتهم.

أدركت شيئًا مرعبًا ومثيرًا في آنٍ واحد: أنا لم أولد في عالم سحري فقط، أنا وُلدت في عالم… ينتظر أن أغيّره.

رفعت رأسي بعد دقائق من صمت أبي، عيناي تلتصقان بعينيه البنفسجيتين، وفكري يسبح بين السؤال والإحساس، "أبي…" بدأت بصوتٍ صغير لكنه مصمّم. "إذا كانت المانا تتحرك داخلي… وإذا كانت العناصر تتبع إرادتي… فهل يمكنني… أن أتحكم بها تمامًا؟ أو أن العنصر سيتغلب على الإنسان، مهما فعل؟"

ابتسم آشفورد ابتسامة قصيرة، حادة، وعيناه تتوهجان بفخر هادئ، "التحكم الحقيقي، آرثر،" قال، "ليس بأن تجبر العنصر على الطاعة… بل بأن تفهمه، تحس به، وتجعله يختار أن يتبعك. حينها لن تكون مسيطرًا فقط، بل صديقًا للعناصر. ولن يتغلب عليك شيء، إلا ما تسمح له أنت بأن يتغلب."

كنت على وشك الرد، لكن فجأة، شعرت بيد والدتي على رأسي. "دعني أفحصك قليلًا…" قالت وهي تبتسم بغرابة.

وبدأت تمسح شعري وتضغط برفق على جانبيّ جمجمتي، تتحسس أي شيء في داخلي.

"أمي!" تمتمت مستاءً. "لماذا دائمًا هذا الفحص؟"

"لأطمئن فقط." أجابت بابتسامة لا تقبل النقاش، ولم تفلت قبضتها على رأسي.

تنهد أبي بهدوء، ونظر إليّ بعينين مليئتين بالحكمة، ثم قال بصوت منخفض: "سيرين ستعلمك أيضًا التحكم ببعض بعناصر جسمك، وربما الأرض فقط في البداية، ولكن إذا تمكنت من التكيف مع عنصر جانبي مثل الجاذبية… قد تصنع لنفسك قوة جديدة."

ابتسمت على الفور، شعور الحماس يتدفق في صدري، يملأ يدي وقدمي. "حسنًا! سأتعلم كل شيء! حتى لو كان صعبًا!"

فجأة، جاء صوت غريب، صغير لكنه واضح، من جيبي.

نظرتُ إلى الأسفل، ثم إلى والدي، وابتسامة ساخرة تشق وجهي. "آه… يبدو أن لدي ضيفًا صغيرًا!"

مددت يدي، وأخرجت من جيبي بيضة صغيرة… كنت قد سرقتها من الكنيسة سابقًا، ولم أفكر في أي شيء سوى المتعة الطفولية.

أمسكت بها أمام والدي ووالدتي، وابتسامة ساخرة على شفتيّ. "تفضلوا… هذه ليست للطقوس… هذا لي فقط!"

ضحكت ليليث بخفة، وآشفورد أومأ برأسه كما لو أنه يعرف تمامًا أنني لم أستطع مقاومة فضولي.

ُنظرتُ للبيضة، يبدو أننا لسنا في ورطة يا صديقي، ثم رفعت إلى والدتي لتراها.

أتمنى ألا أستيقظ غدًا وأجدُها مطبوخة.

2026/02/09 · 9 مشاهدة · 1560 كلمة
Arthur
نادي الروايات - 2026