ابتسم آشفورد ابتسامة نصف ساخرة، ورفع حاجبه وهو ينظر إليّ، ثم قال بصوت هادئ لكنه مليء بالتوبيخ أمام والدتي فقط: "آرثر أوبسيدراين… هل تظن أن الكنيسة مكان للسرقات؟"
تجمّدتُ في مكاني، وابتلعت ريقي، ثم حدّقت ليليث فيه، وعينها تتسع قليلاً قبل أن تتبدد هشتها في ضحكة قصيرة، كأنها أخيرًا فهمت حجم التفاهة الذي يفعلها هذا الطفل… وهو أنا.
آشفورد أكمل، لم يرفع صوته، ولكن نبرة حسمه تجعل كل كلمة تسقط في القلب مباشرة: "سأدفع ثمن البيضة لإيلاريوس لاحقًا، لكن في المقابل… عليك الاعتناء بها جيدًا."
حدّقت في البيضة الصغيرة في يديّ، ودهشتي تتضاعف: "اعتني بها؟ ما هذا…؟"
ابتسم آشفورد ابتسامة واسعة، أومأ لليليث، ثم شرح: " آه، لا أعتقد أن إيلاريوس يعرف هذا، ولكن هذه ليست بيضة عادية… إنها وحش ذكي. سوف يولد ليتكيف مع مستقبلك إذا غذيته، آرثر. كل وحش ذكي يولد مع مصير من يغذيه بالمانا، لذا عمليًا، هو يعرف مستقبلك. عليه أن يتطور معك، ويتكيف مع اختياراتك وقوتك… لذلك سيخرج لك وحش يتناسب تمامًا مع حياتك."
حدّقت بها وأنا أتمعّن، كل جزء مني يتساءل عن هذا العالم الغريب الذي أُجبر أن أعيش فيه، "يعني… الوحش يعرف مستقبلي؟" تمتمت، نصف مذهول ونصف متردد.
ابتسمت ليليث أخيرًا، وهي تضع يدها على كتفيّ: "حسنًا، طالما ليس كلبًا، فلن أرفض. الكلاب… لن أتحملها."
ابتسمتُ… البيضة في يديّ ترتجف قليلاً، كأنها تتنفس، في داخلي شعور غريب، مزيج من الفضول والخوف والفرح.
كنت أعلم أن هذه البداية… بداية لعلاقة مختلفة مع قوة غريبة، مع عناصر جديد… وربما مع قدر أكبر مما أفهمه بعد.
وحش ذكي… مستقبلي… كل شيء الآن يعتمد عليّ…
وبدأت أتصور كم من المغامرات قد تنتظرني، وكيف سأتعلم أن أجعل كل شيء… يتناسب معي.
جلستُ على حجر والدتي، والبيضة في يدي ترتعش قليلًا كما لو شعرت بالفضول من حديثنا، بينما نظرت إلى آشفورد بعينين واسعتين، أحاول أن أستوعب كل ما تعلمته حتى الآن.
رفعت رأسي، ونظرت إليه، وسألته بصوتٍ حاد قليلاً، لكني حاولت أن أبدو هادئًا: "أبي… نواة المانا… هل تتطور؟ أقصد مثل المستويات او المراحل."
ابتسم آشفورد، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ فترة، وقال بهدوء: "نعم، آرثر… لكل نواة مانا مستويات متعددة.
المستوى الذي لديك الآن يُسمّى نواة مانا عادية. ثم تأتي نواة مانا متقدمة، ثم نواة مانا ملكية، ثم نواة مانا سماوية، بعدها نواة مانا فراغية، ثم نواة مانا كونية، وأخيرًا نواة مانا نهائية… أقوى مستوى على الإطلاق."
انحنى قليلاً ليقترب مني، وأضاف: "لكل مستوى مرحلتان: مرحلة القشرة ومرحلة اللب. عليك اختراق كل منهما لتصل للمرحلة التالية. باستثناء المرحلة النهائية، فهي لا تحتوي على مراحل، لأنها أقوى مستوى ممكن."
حدّقت في عينيه، وعقلي يدور بسرعة، "المستوى النهائي…" همست، بصوت يملؤه الحماس. "أريد أن أصل إليه…"
ابتسم آشفورد بطريقة مألوفة، تبًا، تلك النظرة... نظرة الشفقة لمواساة شخص، هل المستوى النهائي صعب لتلك الدرجة؟
وضع يده على كتفيّ، بعينين حازمتين: "ستصل يومًا ما... إذا اتبعت تعليمات سيرين بدقة، وتعلمت التحكم بكل شيء…"
حقًا؟ ألا تشعر أن كلماتك ليست سوى مواساة مبتذلة؟
ثم تنهد قبل أن يهمس: "ولكنك يجب أن تتوقف عن التحديق بجسدها!"
شعرت فجأة بيد والدتي تقرص وجنتي بقوة، ضاحكة: "لقد سمعت! توقف عن التحديق، هاه؟!"
ابتسمتُ بسخرية وقلت قبل أن تهاجمني: "أمي… إنه... صدر سيرين فقط هو ما جذبني إليها!"
لم تُترك الكلمات تمر مرور الكرام، قرصتني ليليث من وجنتيّ فجأة، ضحكت وهي تقول: "آرثر! أنت طفل… كيف تجرؤ على قول هذا!"
تمتمت وأنا أمسح وجهي، وكل شيء بدا مزيجًا من الألم والضحك والحرارة…
أمسكت ليليث بأذني على نحو حاد، وسحبتني قريبًا من وجهها، عيناها تلمعان بخفة غضب وليونة في الوقت نفسه. "آرثر… إذا نظرت مرة أخرى لسيرين… سيتم قتلك!"
ارتجفتُ، قلبي بدأ يخفق بسرعة، وخفت من كلماتها.
تساءلت في داخلي: هل هي تمزح؟ أم أنها جدية تمامًا؟
قبل أن أستوعب شيئًا، سعل آشفورد فجأة، وكأنه يحاول التخفيف من التوتر، وقال: "هي… هي فقط فتاة بعمر الخامسة عشر، وليست طفلة."
تجمدتُ، ولكن خطرت لي فكرة وقحة للانتقام منه على مواساتي بطريقة مبتذلة لأنني مجرد طفل.
همستُ لوالدي بصوت منخفض وأنا أتعمّد عدم النظر إليه: "لكنك قلت إنَّ أثداءَها أكبرُ من أثداء والدتي، هذا ما جذب انتباهي فقط، ليست غلطتي."
هاها، خذ هذه يا آشفورد، لتتعلم كيفية المواساة أيها الوضيع.
حدقت ليليث في آشفورد بعينين متسعتين، لكنها لم تصرخ بعد، ثم اقتربت من آشفورد، وابتسمت ابتسامة هادئة ولطيفة، وهي ترفع يدها ببطء وتجهز قبضتها: "آشفورد… لا يجب قول أشياء كهذه أمام الأطفال."
ارتجف آشفورد، وصوته خرج بخفوت، نصف توتر، نصف توسل: "ماذا؟! أقسم بأنني لم أقل، إن آرثر فقط يم—"
للأسف، المسكين لم يكمل جملته، جاءت القبضة، قوية لكنها دقيقة، مباشرة إلى صدره، فارتدّ وسقط على الأرض.
كنتُ أراقب كل شيء من مكاني، قلبي يخفق بين الدهشة والإعجاب بقوة والدتي والضحك الداخلي… لم أفهم كيف يمكن لدرس صغير كهذا أن يتحول إلى مشهد بهذه الفوضى!
ليليث نظرت إليّ مجددًا، عيناها تتلألأ بالحب والصرامة في آنٍ واحد، كنت أعرف أن هذه اللحظة ستظل محفورة في ذاكرتي، درس مبكر في الاحترام، والسيطرة على الفضول... وربما أيضًا درس في الخوف من قوة والدتي، أكثر من قوة أي عنصر أو مانا.
وفي داخلي، ابتسمت بسخرية طفولية، بينما كنت أحاول أن أتعلم شيئًا جديدًا عن القوة… ليس القوة السحرية، بل القوة الأسرية.
مسح آشفورد صدره وهو ينهض بتثاقل، بينما كانت ليليث تقف أمامه بذراعين متقاطعتين ونظرة لا تقبل النقاش.
سعل أبي مرة أخرى، ثم نظر إليّ وقال بنبرة تعليمية أخيرة لهذا اليوم: "تعلّم هذا جيدًا يا آرثر… لا تمزح أمام امرأة عن امرأة أخرى. هذا قانون بديهي للحياة."
ضحكتُ بخفة، وأنا أومئ برأسي كأنني فهمت الدرس تمامًا.
لكن في داخلي… شيء ما تحرّك.
بينما كانت ليليث تواصل توبيخ آشفورد بنبرة هادئة تخفي خلفها عاصفة، وجدت نفسي أغرق في سخرية تفكيري
غريب… هل تم إغوائي من قبل فتاة في الخامسة عشرة؟
وهي بالتأكيد لم تقصدني أنا الطفل الصغير الذي بالكاد يصل إلى ركبتيها… لكنها لا تعلم أن داخلي فارس عاش أكثر من أربعين عامًا، رأى الحروب، والموت، والدم، والكرامة المهدورة.
ابتسمت بسخرية طفيفة، أي مفارقة هذه؟ جسد طفل... وعقل رجل أنهكته الحياة.
نزلتُ من على الأريكة ببطء، قدماي الصغيرتان تلامسان الأرض بثبات غير متوقع.
رفعت رأسي نحو آشفورد، الذي من المفترض أنه فارس قوي، صاحب نواة مانا أيضًا، رجل هزم وحوشًا وحروبًا.
حدقت فيه بعينين بنفسجيتين هادئتين وسألته: "أبي… ما مستوى نواة المانا لديك؟"
توقف آشفورد عن تعديل ياقة قميصه، ونظر إليّ بابتسامة فخر خفيفة. "نواة مانا سماوية."
تسارعت دقات قلبي، سماوية… إذن الطريق أمامي طويل، مليء بالاختراقات، بالقشور واللب، بالمعارك، وبالاختيارات.
لكن إن كان هذا الرجل يقف أمامي اليوم بنواة سماوية… فلا يوجد سبب يمنعني من أن أصل إلى ما هو أبعد.
رفعت رأسي أكثر، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهادئة.
هذه المرة… لن أعيش بلا كرامة، ولن أموت بلا معنى.
*****
في اليوم التالي، خرجتُ من المنزل مبكرًا، الهواء كان نقيًا، محمّلًا برائحة القمح والندى، والسماء صافية كأنها صفحة جديدة من حياتي تُفتح أمامي.
كنتُ في طريقي إلى سيرين… أو بالأحرى إلى مصيري اليومي من الضرب المهذب تحت مسمّى "تدريب".
لم أقطع سوى خطوات قليلة حتى اصطدمتُ بشيءٍ صلب.
رفعت رأسي لأجد شعرًا أشقر يلمع تحت الشمس، وابتسامة واسعة مألوفة.
"ليوناردو؟" سألته رغم معرفتي الجواب.
"آرثر!" قالها بحماس، ثم أضاف بسرعة: "نادِني ليو فقط."
تذكّرت الطفل الذي التقيته بالأمس، ليوناردو… أو ليو كما يريد أن يُنادى.
ابتسمتُ بخفة. "حسنًا يا ليو."
بدون مقدمات، بدأ يمشي بجانبي وكأننا أصدقاء منذ سنوات.
كان يتحدث كثيرًا، يضحك كثيرًا، ويتحرك أكثر مما يجب.
فجأة توقف، نظر حوله، ثم قال بنبرة فخر: "هل تريد أن ترى مهارتي؟"
لم أنتظر الرد، انطلق فجأة أمامي بخطوات سريعة، يركض لمسافة قصيرة ثم يعود وهو يلهث قليلًا.
لم يكن سريعًا جدًّا … لكن بالنسبة لأعمارنا؟ كان ذلك إنجازًا حقيقيًا.
"أنا سريع، أليس كذلك؟" قال وهو يبتسم بثقة.
أومأت برأسي بصدق. "نعم، هذه ميزة ممتازة في هذا العمر."
اتسعت ابتسامته أكثر، ثم اقترب مني وسأل: "وأنت؟ ما مهارتك؟"
توقفت للحظة، ثم قلت بهدوء: "لم أكتشفها بعد."
حدق فيّ لثانية… ثم انفجر ضاحكًا. "هاه! إذن أنت بطل بلا قوة حتى الآن!"
ابتسمت بسخرية خفيفة. "ربما."
مدّ يده نحوي، صافحني بحرارة غير متوقعة لطفل في عمره، ثم قال: "حسنًا يا آرثر، عندما تكتشف مهارتك، تعال وأرني!"
لوّح لي بيده وهو يبتعد راكضًا، وقفت أراقبه للحظة، ثم أكملت طريقي.
في داخلي شعور غريب… ليس بالحنين، ولا بالفرح الكامل.
بل شعور بداية، بداية صداقة.
وبداية طريق… أعرف أنه لن يكون سهلًا أبدًا.
وصلتُ إلى منزل سيرين أخيرًا، وقفت أمام الباب الخشبي الكبير، أخذت نفسًا قصيرًا، ثم طرقت.
انفتح الباب فورًا، ظهرت سيرين… لكن بدل أن تفسح لي الطريق للدخول...
ركلتني، خرجتُ من إطار الباب كما لو كنت كيس قمحٍ طائرًا، وسقطتُ على ظهري وسط الغبار.
وقفت هي عند العتبة، مبتسمة ابتسامة واسعة مليئة بالرضا. "صباح الخير يا صغيري."
تأوهت وأنا أحاول النهوض، أضع يدي على الأرض لأرفع جسدي الصغير، لكن قبل أن أستقيم...
ركلة ثانية، كانت أسرع من الأولى، جسدي طار قليلًا، لكن هذه المرة… شيء ما تحرك داخلي تلقائيًا.
المانا اندفعت في عروقي كما لو كانت تستيقظ من سبات، تجمّعت في منتصف جسدي، وانتشرت في أطرافي، فدفعتني للوقوف فجأة بثبات غير متوقع.
لمحت ظلًا يتحرك خلفي.
"تطور ممتاز." كان صوتها خلف أذني مباشرة.
استدرت مذعورًا، فوجدتها واقفة خلفي، تضع يدها على خصرها، وتبتسم بغرور واضح. "أرأيت؟ حتى الركل عندي تعليمي."
رفعت قدمها مرة أخرى، لكن هذه المرة قفزتُ جانبًا.
الركلة مرت بجانب رأسي بشبر واحد.
"هاه!" قلت في داخلي.
هذه المرة تفاديت— لكن الأرض اختفت من تحت قدمي.
ضربة من الخلف أطاحت بي كدمية قماش، شعرت بيدٍ تمسك بياقة قميصي.
ثم… الهواء، قذفتني نحو الغابة كما لو كنت حجرًا صغيرًا، الأشجار اقتربت بسرعة مرعبة، ثم ظهرت أمامي فجأة.
أمسكت بي من كتفي في منتصف الهواء، وأدارت جسدي، ثم أسقطتني أرضًا بقوة.
تدحرجت على التراب عدة مرات حتى توقفت.
العالم دار حولي، وأذناي تصفران.
وقفت هي فوقي، تنظر إليّ من الأعلى، تبتسم ابتسامة المنتصر.
"حسنًا يا آرثر…" قالت وهي تمد يدها لتسحبني واقفًا، "لنبدأ التدريب فعليًا."
في داخلي، رغم الألم والغبار والكدمات… ابتسمت.
يبدو أن حياتي الجديدة لن تكون أقل قسوة من السابقة... لكن هذه المرة… أنا من اخترت الطريق.
مسحتُ التراب عن وجهي وأنا أتنفس ببطء، ثم نظرت إليها من مكاني على الأرض وقلت بهدوء متعب: "بالمناسبة… أنا ساحر رباعيّ العنصر."
ساد الصمت لثانية.
"ماذا؟!" صرخت سيرين صرخة كادت توقظ القرية كلها.
سقطت على ركبتيها فجأة وكأن ساقيها خانتاها، وبدأت تضرب الأرض بيديها.
"رباعيّ؟! رباعيّ؟! هذا غير منطقي! هذا مستحيل! هذا—"
قفزتُ بسرعة ووضعت يدي على فمها. "اهدئي! سيأتي الناس!"
لكنها عضّت يدي.
"آآآه!" صرختُ وأنا أقفز للخلف وأمسك يدي المتألمة.
نظرت إليّ وهي تلهث ثم قالت بحدة: "تستحق! كيف تقول شيئًا كهذا وكأنك تتحدث عن الطقس؟!"
تقدمت نحوي وأمسكتني من ياقة قميصي. "اسمع جيدًا أيها المعجزة الصغيرة… أنا لا أستطيع تعليمك سوى عنصرين فقط: الأرض والجليد."
تجهمت. "لكن أبي قد لمح إلى إنك تجيدين الجاذبية."
تأففت وهي تلوّح بيدها. "الجاذبية؟ مستحيلة الآن. جسدك لن يحتملها، ونواتك ما زالت في بدايتها. استخدامها الآن يعني أنك ستتحطم من الداخل."
ثم توقفت فجأة، وابتسمت ابتسامة جانبية ماكرة. "لكن... أستطيع تعليمك الجاذبية الجمالية."
رفعت يدها، فارتفع شعرها قليلًا كما لو أن الهواء صار أخف حولها، يتمايل بخفة وانسياب.
رمقتها بنظرة باردة. "هذا… استعراض."
"هذا فن!" قالت بثقة.
تنهدتُ بعمق. "أنتِ مستحيلة."
ابتسمت… ثم رفعت قدمها في ركلة، طار جسدي عدّة أمتار قبل أن أسقط على ظهري من جديد.
سمعتها تقول من فوقي بفخر: "وهذا تدريب."
أغمضت عيني وأنا أتأوه.
يبدو أنني لن أتعلم العناصر فقط…