كنا فوق شجرةٍ عالية في قلب الغابة.
الرياح تهز الأغصان بخفة، وأوراق الشجر تصدر همسًا متواصلًا كأنها تراقبنا.
كنتُ واقفًا على غصنٍ عريض، أحاول أن أوازن جسدي الصغير فوقه.
الأرض بعيدة، والارتفاع يجعل قدميّ ترتجفان رغم أنني لا أريد الاعتراف بذلك.
"اثبت جيدًا." قالت سيرين وهي تقف على الغصن المقابل بثبات يثير الغيظ.
نزعتْ فستانها الشبيه بزي الخادمات الثقيل الذي ترتديه دائمًا، وبقيت بالقميص العملي الذي يسمح لها بالحركة بسهولة، ثم رفعت ذراعها أمامي.
"انظر." أشارت إلى منتصف ذراعها. "حرّك المانا من نواتك حتى هذه النقطة… ثم ادفعها دفعة واحدة نحو كفك."
راقبتها بتركيز كامل، من الواضح أن المانا تحركت داخل جسدها بوضوح حتى أن الهواء حولها اهتز قليلًا.
قلدتها.
أغمضت عيني، سحبت المانا من نواتي، مررتها عبر صدري وكتفي، حتى ذراعي… ثم أطلقتها نحو كفي.
اهتز الهواء أسفلنا.
صخرة صغيرة اقتُلعت من الأرض، ارتفعت بسرعة مترين ثم تفتت في الهواء إلى شظايا ترابية.
حدقتْ بدهشة، "هاه!" قالت سيرين وهي تضحك. "رفعت صخرة واحدة وتفتت؟ هذا إنجاز لطفل متحمس، لا لساحر."
ثم رفعت يدها ببطء، وأغمضت عينيها، الأرض تحت الشجرة بدأت ترتجف.
الجذور انشقت، والتربة ارتفعت، ثم ارتفعت قطعة ضخمة من الأرض كاملة، تحمل معها الشجرة التي نقف فوقها.
صعدنا عشرات الأمتار في الهواء، الغابة كلها أصبحت بساطًا أخضر تحت أقدامنا.
ثم خفضتها بهدوء… وأعادت كل شيء إلى مكانه دون أن تسقط ورقة واحدة.
بلعت ريقي.
"الآن دورك." قالت بابتسامة متفاخرة.
حاولت، دفعت المانا بكل ما لدي.
اهتزت الأرض… لكن لم يرتفع سوى بضع صخور صغيرة، سقطت أمامي وتدحرجت على التراب.
تنهدتُ.
قالت وهي تضع يديها على خصرها: "لا بأس… بالنسبة لطفل بنواة عادية، هذا ممتاز."
نظرت إلى يديّ، ثم إلى الأرض.
سأرفع الغابة يومًا ما… ليس اليوم… لكن قريبًا.
*****
مرت الأيام ببطءٍ غريب… ببطءٍ يجعلني أشعر أن كل شروق شمس هو امتحان جديد، وكل غروب شهادة فشل أو نجاح صغير.
كنت أذهب إلى الغابة كل صباح.
سيرين هناك دائمًا قبلي، واقفة فوق صخرة أو على غصن شجرة، كأنها جزء من المكان لا زائرة له.
في بداية الأسبوع الأول، كان كل شيء مؤلمًا.
أرفع صخرة صغيرة… تسقط.
أعيد المحاولة… ترتجف.
تتفكك قبل أن ترتفع.
المانا كانت تطيعني، لكنها لا تفهمني.
كأنني أتحدث لغة غريبة عليها.
سيرين لم تكن رحيمة.
"مرة أخرى." "أسرع." "لا تفكر، اشعر."
"جسدك متأخر عن عقلك، وهذا أسوأ شيء لساحر."
وفي التدريب الجسدي؟ كنت أتلقى الضربات كما يتلقى المطر الأرض.
ركلات، دفعات، إسقاطات أرضية.
تعلمت كيف أتدحرج بدل أن أرتطم، كيف أرفع ذراعي قبل أن تصيبني الضربة، كيف أحمي رأسي… حتى وأنا أسقط.
في نهاية الأسبوع الأول… استطعت رفع حجر بحجم رأسي، وبقي في الهواء لثانيتين.
سيرين لم تمدحني، لكنها لم تركلني بعدها مباشرة.
وكان هذا إنجازًا.
في الأسبوع الثاني، المانا أصبحت أكثر سلاسة في عروقي، لم تعد تتحرك بتردد، بل بتجاوب.
كنت أستطيع الآن رفع صخرتين صغيرتين معًا.
أجمعهما في الهواء… أضغطهما بالمانا… فتتشققان، ثم تتفتتان.
أصبحت أشعر بالارتداد في جسدي عندما أطلق المانا، كأنه تنفس جديد.
أما التدريب الجسدي… فقد أصبحت أرى حركة سيرين قبل أن تضرب، لكن فقط جزء من الثانية، لكنها كافية لأتحرك.
في نهاية الأسبوع الثاني… تفاديت ضربتين متتاليتين.
ضحكت هي وقالت: "أخيرًا بدأتَ تتعلم كيف لا تموت بسرعة."
بعد شهر لم أصبح وحشًا، ولم أصبح معجزة، لكنني لم أعد طفلًا عاجزًا.
استطعت رفع صخرة بحجمي تقريبًا، أرفعها ببطء… أثبتها في الهواء… ثم أضغطها حتى تتكسر إلى عشرات القطع الصغيرة… وأقصفها أمامي كسيلٍ من الشظايا الترابية.
كان شعورًا رائعًا.
أما التدريب الدفاعي… فلم أحقق معجزة.
لكنني… تفاديت ثلاث هجمات متتالية من سيرين.
ثلاث، تراجعت خطوة، ثم خطوتين، التففتُ حول جسدي، وانزلقتُ تحت ذراعها، ثم سقطت بعدها مباشرة بضربة في ظهري.
لكنها ضحكت. ضحكة حقيقية هذه المرة. "هذا… تقدم."
جلستُ على الأرض ألهث، أنظر إلى يديّ المغبرتين، وإلى الصخور المحطمة حولي.
لم أكن قويًا بعد، ولم أكن قريبًا من أي شيء.
لكنني كنت أمشي، وأعرف جيدًا… أن من يمشي كل يوم، سيصل يومًا ما.
كانت الأرض ما تزال تدور تحت قدميّ، ليس بسبب الدوار… بل لأن جسدي الصغير لم يُخلق بعد لتحمّل ما يطلبه عقلي منه.
شعرت بيدٍ تمسك بذراعي، يد دافئة لا تعرف التردد.
رفعت رأسي بصعوبة، كانت سيرين بالطبع.
عينان حادتان تراقبانني كما يراقب الصيّاد فريسته التي ترفض الموت.
شدّتني برفقٍ قاسٍ وساعدتني على الوقوف، تأوهت بصوتٍ مكتوم، وركبتيّ ترتجفان، لكنني وقفت.
رفعت رأسي إليها، وقلت بصوتٍ متقطّع، يخرج من صدري كأنني أستعيره من شخص آخر: "مرة أخيرة… أريد مواجهة أخيرة."
نظرت إليّ للحظة، لم يكن في عينيها شفقة ولا رحمة، بل احترام، ابتسمت ابتسامة جانبية قصيرة. "حسنًا يا آرثر… مواجهة أخيرة."
تراجعت خطوتين، وانخفض جسدها قليلًا، ثم هاجمت.
لم أفكر، جسدي تحرك وحده، اندفعتُ جانبًا في اللحظة الأخيرة، وشعرت بقبضة تمر بجانب رأسي كريحٍ قاتلة.
وفي نفس اللحظة، دفعت بكل ما أملك من قوة نحو بطنها.
ضربتي أصابت الهواء، تفادتها بسهولة.
ثم جاء الهجوم الثاني، ركلة سريعة، تراجعت خطوة… لكن قدمي انزلقت.
لم املك الوقت الكافي لإستعادة توازني، الهجوم الثالث كان مختلفًا، كان أسرع من أن أراه.
لكن شيئًا غريبًا حدث، لم أرَ الضربة… شعرتُ بها قبل أن تولد، جسدي انحرف بطريقة لا أفهمها.
التفتُ وأسقطتُ جسدي وتجاوزت القبضة بفارق أنفاس.
سمعت سيرين تتمتم بدهشة خافتة: "ما هذا…؟"
لكن المعجزة لم تدم، فقدتُ توازني وسقطتُ على ظهري بقوة، انقلبت السماءُ أرضًا، وأصبحت الأرضُ صدري.
لم أستفق حتى رأيتها فوقي.
قفزتً بسرعة قبل أن تركلني سيرين.
ركلت بفوة لدرجة أن الهواء انفجر.
وضعت ذراعيّ أمام صدري غريزياً، ثم… اصطدمت قدمها بدرعي الصغير.
سمعت صوتًا مكتومًا، شعرت وكأن عظامي تُسحق بين جبلين.
اندفع الهواء من رئتي، واختفى الصوت ثم اختفى العالم.
كان الدوار شديدًا لدرجة أني لم أعد أرى بوضوح.
لم يبقَ إلا الألم، لكني لم أصرخ، عضضتُ على أسناني، وتدحرجت جانبًا.
ثم… وقفت ببطء، بجسدٍ يرتجف، وبرئتين تحترقان، وبرأس يصرخ.
وقفت أخيرًا، نظرت إليّ سيرين طويلًا، ثم اقتربت.
وضعت يدها على رأسي وضغطت بخفة. "أنت… صدَدْتَ تلك الركلة تقريباً."
رفعت رأسي إليها.
قالت بصوتٍ ثابت فيه شيء يشبه الإعجاب: "وأنت لم تبلغ العامين بعد. هذا… مستحيل."
ابتسمتُ رغم الدم الذي شعرت بطعمه في فمي، إن كان هذا إنجاز طفل… فماذا سأكون عندما أكبر
كنتُ أرتجف، ليس من البرد… بل من الإرهاق الذي غزا عظامي الصغيرة كوحشٍ جائع.
قدماي لم تعودا تحملانني وركبتاي خانتاني، وحين مِلتُ للأمام، شعرت بذراعين تلتفان حولي بثبات.
رفعتني بسهولة، كما لو أنني لا أزن أكثر من سيفٍ خشبي.
وضعتني على كتفها، كان العالم يهتز مع خطواتها، لكن كتفها كان صلبًا ودافئًا.
رائحة الجلد والتراب والعرق امتزجت في أنفي.
مشينا.
الطريق إلى المنزل بدا أطول من المعتاد.
كنت أسمع نبض قلبها من قرب، إيقاع ثابت لا يعرف التعب.
قبل أن تصل إلى باب منزلي، أوقفتها بصوتٍ خافت: "سيرين…"
توقفتْ، أدارت رأسها قليلًا نحوي.
ترددتُ لحظة، ثم قلت بصراحة طفلٍ لا يعرف الكذب: "أنا… أحبك."
سكتت ثم تنهدت بهدوء وابتسمت، ابتسامة مختلفة عن ابتسامتها القتالية.
ابتسامة إنسانية.
"أعرف يا آرثر." ربتت على شعري. "ليس حبًا رومانسيًّا، أليس كذلك؟"
"لا… حب عادي، مثل حب التلميذ لمعلمته." أومأتُ. "هذا ما قصدته."
ضحكتْ بخفة، ضحكة قصيرة لكنها دافئة. "وأنا أحبك أيضاً. أنت طفل لطيف."
شعرت بشيء يدفأ صدري أكثر من أي سحر.
ابتسمتُ. "شكرًا."
أنزلتني برفق أمام الباب، ثم فركت خديّ بيدها بقسوة خفيفة، "لا تمت يا آرثر، اكبر بسرعة، وكن تلميذًا قويًا. عليك أن تحمي عائلتك…" ثم أضافت بنبرة أكثر جدية: "ومعلمتك أيضًا."
رفعت حاجبيّ بتعب. "أعدك بذلك. ولكن سأتأكد أنني سأحمي العالم منكِ أولًا."
حدّقت بي، ثم قرصت خصري بقوة مفاجئة.
صرخت: "آآه!، هذا ليس تدريبًا!"
"قليل الأدب!" وبختني بنظرة صارمة، ثم ربتت على رأسي. "نم جيدًا، غدًا تدريب أقسى."
فتح الباب فجأة، خرجت ليليث، ابتسمت فورًا عندما رأت سيرين. "مساء الخير، أيتها الشابة."
"مساء النور." ردت سيرين بأدب.
انحنت ليليث بخفة. "شكراً لإعادتك آرثر."
"دائمًا." لوّحت سيرين بيدها. "اعتني به جيدًا."
ضحكت ليليث بخفة، ثم أمسكت بيدي. "هيا يا عزيزي."
دخلنا المنزل، وأُغلق الباب خلفنا.
وبقيتُ أفكر… كم طريقًا عليّ أن أقطعه… حتى أصبح قويًا بما يكفي لأفي بوعدي؟
*****
كان الصباح أخفّ من المعتاد.
الهواء يركض بين الأشجار، وأشعة الشمس تتسلل عبر الأسقف الخشبية كأنها تلعب معنا.
وأنا… كنت أركض، أركض حول المنزل الصغير، أضحك بلا سبب، ألوّح بذراعي كأنني فارسٌ يطارد تنينًا غير مرئي.
"سأمسكك يا آرثر!" كان صوت ليو خلفي، خفيف… لكنه قريب.
خطواته أسرع مني... دائمًا أسرع.
التفت وأنا أضحك: "مستحيل! أنا أسرع اليوم!"
قفزت فوق جذع شجرة صغير، لكنني بالكاد لمست الجذع حتى شعرت بيد تمسك بياقة قميصي وتسحبني للخلف.
"أمسكتك!"
سقطنا معًا على العشب، لكننا ضحكنا على أي حال.
تمدّدنا ننظر إلى السماء.
قال ليو وهو يلهث: "آرثر… هل تحب أحدًا؟ أي أحد؟"
أدرت رأسي نحوه ببرود طفل لا يفهم سبب السؤال. "لا."
"ولا حتى فتاة؟"
"لا."
سكت قليلًا ثم قال بصوت خجول: "أنا… أحب فتاة."
رفعت حاجبيّ. "حقًا؟"
احمرّ وجهه. "اسمها إيلا. شعرها بني، لا تضحك عادةً، وتحب الخبز بالعسل."
كان يتحدث بسرعة، وكأن الكلمات تتساقط من فمه دون أن يقدر على إيقافها.
استمعت بهدوء أقرب إلى البرود، كما لو كنت عجوزًا صغيرًا. "وهل تحبك؟"
"لا أعرف… لكنها تبتسم لي. هذا يعني شيئًا، أليس كذلك؟"
أنا واثق أنها تبتسم بسبب وجهه السخيف.
فكرت قليلًا في إجابة جيدة، ثم قلت بجدية طفولية: "إذا ابتسمت لك، فهذا يعني أنها لا تكرهك."
نظر إليّ وكأنني حكيم القرية. "وهل هذا جيد؟"
"نعم، الكره أسوأ من الموت."
اتسعت عيناه. "حقًا؟!"
"ربما..." صمتُ لحظة، ثم قلت: "أعطها الخبز بالعسل، الناس تحب من يطعمها."
حسنًا... بعد التفكير، يا لها من فكرة غبية.
ابتسم ليو بسعادة. "أنت عبقري يا آرثر!"
نهضنا نركض مجدداً حول المنزل، كنت أمامه هذه المرة.
أشعر أنني أسرع هذه المرة.
لكن فجأة، برد غريب مرّ خلف عنقي، شعور كأن ظلًا يراقبنا.
توقفتُ، رفع ليو رأسه. "ماذا"
ظهر ظل طويل أمامنا، ثم صوت هادئ مرعب: "هل تلعبان دون تدريب؟"
صرخ ليو صرخة طفلٍ رأى وحشًا من القصص. "آآآآه!!"
واستدار يركض بأقصى سرعته.
"ليو انتظر!" ركضت خلفه، كدت أمسك بيده.
كدت... لكن فجأة… الأرض اختفت من تحتي، والسماء اقتربت.
ثم اصطدمت بالأرض بقوة.
سُحقت.
وجهي في التراب، جسدي ممدد، نَفَسي خرج دفعة واحدة.
جلست سيرين فوق ظهري. "بطيء، بطيء جداً. حتى الحب لن ينتظرك بهذه السرعة."
حاولتُ النهوض، لكن لم أستطع.
ضحكت سيرين، ضحكة قاسية جميلة. "يبدو أن تلميذي يحتاج تدريباً إضافيًا."
رفعت رأسي بصعوبة. "أنتِ… تخيفين الأطفال."
"هذا جزء من التدريب."
لوّحت بيدها نحو الغابة حيث اختفى ليو. " لقد هرب جيدًا، إنه سريع حقًا."
ثم نظرت إليّ، "أما أنت…" ضغطت على ظهري قليلًا. "فستركض عشر دورات حول المنزل، بدون توقف."
تنهدتُ "كنت فقط أقدم نصائح حب…"
ضحكت سيرين بصوت عالي هذه المرة. "في الحرب لا يوجد حب. هناك فقط من يَسحق… ومن يُسحق."
ابتسمتْ. "وأنت اليوم… سُحقت."
وأنا على الأرض… فكرت فقط بشيء واحد:
يبدو أن طريق القوة أطول مما تخيلت.