وقفتُ أمامها وأنا أمسح التراب عن وجهي.

كانت سيرين تبتسم… تلك الابتسامة التي لا تعني الخير ابدًا. "اليوم لن أضربك."

"هذا أسوأ."

ضحكت بخفة، ثم أخرجت من جيبها ثلاث كرات صغيرة بحجم حبات الكرز، كانت سوداء لامعة، يتراقص فوق سطحها ضوء خافت كأنها تتنفس. "خبّأتُ ثلاثًا مثل هذه في القرية كاملة."

رمقتها بعينين متحفزتين. "تريدينني أن أبحث عنها؟"

"نعم. لكن ليس كطفل يبحث عن لعبة ضائعة."

انحنت أمامي حتى أصبحت عيناها في مستوى عيني. "ستستخدم المانا. ستشعر بالكثافة الخاصة بالكرات، بالاختلاف بينهم وبين المانا المحيطة."

ثم دفعتني على صدري دفعة خفيفة جعلتني أتراجع خطوتين. "اذهب أيها البطل، أرني إن كنت تملك حاسة ساحر… أم مجرد جسد يُضرب جيدًا."

لوّحت بيدها بسخرية. "ولا تتأخر، العشاء لا ينتظر الكسالى."

استدرت متجهًا نحو القرية.

قلبي يخفق بينما عقلي يعمل، الشعور بالمانا… الكثافة... والتفريق بينهما…

أغلقتُ عيني للحظة، مددتُ إحساسي.

الهواء مليء بالمانا بينما الأرض مليئة بها أيضًا.

الناس… الحيوانات… الأشجار… كل شيء يتنفس مانا مختلفة عن الآخر، ولكن على الأقل يمكنني التمييز.

لكن الكرات؟ لا شيء.

مشيت بين البيوت، مررت بجانب البئر، تحت الجسر الخشبي، خلف المتجر الصغير.

لا شيء.

ركزت أكثر وسحبت المانا إلى صدري، جعلتها تدور في نواتي.

أطلقت إحساسي كشبكة غير مرئية، لكن القرية كانت صاخبة بالمانا.

أشعر كأنني أبحث عن همسة وسط عاصفة.

جلست قرب سور قديم، أغمضتُ عيني وتنفست ببطء.

أشعر… أشعر… لا شيء.

مرت ساعات، بدأت الشمس تميل، الضوء يصبح ذهبيًا، الناس يعودون إلى بيوتهم، الأطفال يختفون، الأبواب تُغلق.

وأنا… ما زلتُ أبحث.

تسلقت فوق سطح أحد البيوت كما علمتني سيرين تسلق الأشجار، لكن لا أعتقد أنها فكرت أني ساستخدمها بهذا الشكل.

مددت يدي وحاولت أن أميز المانا، أن أفرّق بين مسارات المانا المتشابكة.

لكن المانا هنا كثيفة… أو مشوشة… كأن القرية نفسها ترفض أن تكشف أسرارها.

غربت الشمس وحلّ الليل.

أضيئت المصابيح الزيتية، الظل ابتلع الأزقة، الجدران صارت أطول، والصمت صار أثقل.

كنت أعلم أن عليّ العودة لأن ليليث ستقلق، وأن آشفورد سيسأل عن سبب تأخري وسيطلب شرح مفصل ملل.

لكن قدمي لم تتحركا، إن عدت الآن… سأكون فشلت.

جلست قرب الشجرة الكبيرة الوحيدة في منتصف القرية.

وضعت كفي على الأرض، وأغمضت عيني.

مددت إحساسي مرة أخرى.

لكني تعمقت في تفكيري.

لكن… لا شيء.

الكرات كانت هناك، أشعر بذلك، لكن لا أستطيع تحديد مسارها الصحيح، كل المسارات متشابكة.

كأن القرية تضحك عليّ بصمت.

رفعت رأسي نحو السماء، النجوم كانت باردة.

بعيدة كالعادة لدرجة أني تمنيت لمسها، ولكن هذا حلم بلا أي طريق، من يستطيع الوصول إليها على حال.

بعد أن عدتُ إلى ما أفعله، قلت في داخلي بسخرية مرّة: "يا لها من بداية عظيمة لساحر رباعي العناصر… لا يستطيع إيجاد ثلاث كرات."

وقفت من جديد وشدّدت قبضتي.

وسرت في الظلام.

لن أعود... ليس بعد، ليس قبل أن أجد واحدة على الأقل.

لا، سأجدهم جميعًا.

حتى لو بحثت طوال الليل.

*****

كنتُ أنحني فوق الأرض، أمدّ إحساسي للمرة التي لا أعرف عددها، حين شعرتُ بشيء يثقل الهواء خلفي.

بردٌ مفاجئ ضغطٌ على ظهري.

ثم جاء صوته المألوف، هادئ… خطير. "إن لم تتحرك خلال ثلاث ثوانٍ، سأعتبرك عدوًا."

التفتُّ ببطء.

آشفورد، واقف تحت ضوء القمر، ذراعاه معقودتان، عيناه حادتان كأنهما سيفان.

"أ–أبي؟!"

تراجع خطوة. "لماذا أنت هنا وحدك في هذا الوقت؟"

صرخت قبل أن أفكر: "لأنني لم أنهي مهمتي بعد!"

حسنًا... لقد تفاجأ.

صرخت بكل ما في صدري: "سيرين أعطتني اختبارًا! ثلاث كرات مخفية في القرية! عليّ أن أجدها بالمانا! لذا لا أستطيع العودة خالي اليدين!"

لماذا صرختُ مجددًا بحق الجحيم؟ هل أنا غبي؟

ساد الصمت.

نظر إليّ طويلًا، لم تكن نظرة غضب، كان نظرة… ذكرى.

كأن شيئًا قديماً استيقظ في عينيه.

ثم زفر ببطء، "أنت تبحث بالمانا… لكنك تستمع إلى الضجيج كله." اقترب ووضع إصبعه على صدري. "لا تطلب من المانا أن تأتي إليك، اطلب منها أن تتشكل لك. تخيّل ما تريد، اجعلها ترشدك لا أن تغرقك."

ثم استدار. "دقيقة واحدة، بعدها سأعود للمنزل. إما معك… أو وحدي."

واختفى بين الأزقة.

وقفتُ هناك، قلبي يخفق بعنف.

تتشكّل… لا تأتي…

أغمضتُ عيني وتخيلت الكرة التي من المفترض إيجادها.

ليس شكلها تحديدًا، بل وجودها في المكان مستغلًا كثافتها في هواء المانا من حولي.

وجّهت المانا في جسدي كأنني أرسم سهمًا غير مرئي.

ثم… شعرتُ بها.

أشبه بنبضة صغيرة غريبة، كأن شيئًا يردّ عليّ.

فتحت عيني واندفعتُ ركضًا بين البيوت.

قفزت فوق سور وانزلقت تحت عربة.

ثم توقفت فجأة.

كانت هناك.

تحت جذع شجرة قديمة.

مددت يدي ورفعتها، الكرة السوداء ارتجفت.

ضحكت. "واحدة…"

لكن قبل أن أفرح… شعرت بالهواء ينفجر خلفي.

ضربة، جسدي طار للأمام وارتطم بالأرض.

تدحرجت وأنا ألهث، لكني استعملت يديّ للقفز عليها والوقوف.

أمامي… رجل، ضخم جدًا، طويل لدرجة أنه يتخطى الثلاث أمتار، جلده داكن كالصخر، عيناه صفراوان كوحش ليلي.

ابتسم ابتسامة باردة. "طفل يتجول ليلًا ومعه كنز؟"

تراجعتُ خطوة ثم ركضتُ.

كان هذا القرار الصائپ في رأيي، فأنا لستُ بطلًا بعد كل شيء.

صرخت المانا في جسدي لدفع الأرض تحت قدمي.

قفزتُ لتفادي شفرة صخرية كانت تندفع نحوي، ثم لففت نحو الزقاق القريب.

لكن الأرض أمامي ارتفعت فجأة.

جدار، ثم جدار آخر، ثم ثالث، ثم رابع.

مربع.

حبسني داخله بالإحاطة بي من كل الإتجاهات.

أضاء المكان فجأة، حشرات المانا الطائرة كانت تحوم حولنا، تنثر ضوءًا أزرق باهتًا، كأننا داخل قفص من نجوم صغيرة.

ظهر الرجل على حافة الجدار، وبعد لحظات قفز داخله.

ابتسامته اتسعت. "ساحر صغير؟ هذا سيجعل الأمر ممتعًا."

تشددت قبضتي على الكرة، وسحبتُ المانا إلى نواتي.

جسدي كان يرتجف لكن عيني لم تهرب.

سيرين… أبي… ليليث… لن أسقط هنا.

رفعت رأسي، وثبّت قدمي.

قلت في داخلي ببرود: "إن كان هذا اختبارًا… فسأنجح فيه أيضًا."

انفجرت الجدران الترابية فجأة.

ليس بصوت، بل بضغطٍ ساحق، كأن الغابة نفسها زأرت.

تطاير الغبار، وتكسّرت الصخور، وانفتح القفص من حولي كزهرةٍ مدمَّرة.

ثم رأيتها... سيرين.

سقطت من السماء كنيزك.

ركلت الرجل قبل أن يستدير، فطار جسده وارتطم بجذع شجرة بعنف.

لم تمنحه ثانية ليلتقط أنفاسه، اندفعت نحوه، قبضتها تشتعل بمانا الأرض والجليد معًا. "ابتعد عن تلميذي."

مهلًا؟ ما كانت تلك الحركة؟

ابتسم الرجل وهو ينهض، وبدأ يمسح الدم عن فمه بظهر يده. "فتاة قوية… هذا أفضل مما توقعت."

تصادما.

ضربة من سيرين كسرت الأرض تحته.

لكنه كان سريعًا على غير ما توقعت.

أمسك بمعصمها وسحبها نحوه، دفعها إلى الأرض، ثم غرز ركبته فوق عنقها.

أخرج سكينًا قصيرة لامعة.

ثبّت كتفها.

رفع السكين، وفي تلك اللحظة… توقف الزمن.

لا صوت، لا حركة.

حتى حشرات المانا توقفت في الهواء كنجوم مجمّدة.

لكن داخلي لم يتوقف، قلبي كان يصرخ.

الزمن كان متوقفًا!

ماذا عليّ أن أفعل؟ عليّ فعل شيء ما، الشيء الوحيد الذي أجيده لا أستطيع فعله بجسدي هذا.

تبًا، لا أستطيع التركيز وأنا أرى السكين على وشك قتل سيرين، بالإضافة إلى أن ذلك الحقير يخنقها بركبته.

حسنًا... لا أستطيع فعل شيء على أي حال.

هل هناك شيء لا أراه؟ شيء أستطيع فعله لحمايتها؟

شيء لا أراه، هاه؟

ربما... أعرف ما عليً فعله، إذا كانت المانا تقوي الجسد، فهي بالتأكيد ستقوي أي عضو آخر.

قمت بتحريك المانا بسرعة من جميع أنحاء جسدي إلى نواتي، وبعد ضغطها هناك قمت بإطلاقها بقوة في إتجاه واحد.

إلى عينيّ.

أنا أعرف تمامًا أن هذا جنون، ولكن لا أعتقد أن هناك خيار بديل، ليس في حالتي على الأقل.

شعرت باحتراق في عينيّ وبدأت الألوان تنهار أمامي وتختفي، بدأ الأسود يسيطر على رؤيتي.

هل أنا على وشك العمى؟ هل فشلت فكرتي؟

من فضلك أيتها المانا، افهمي ما عليكِ فعله، فقط كونِ الشيء الذي لا أراه.

ولكن بلا أي فائدة، حتى رغم دموعي الذي انهمرت فجأة على وجنتيّ، فقد أُصبت بالعمى، سيطر الأسود بالكامل على رؤيتي، ولكنه لم يكن مثل الأسود الي رأيته في بداية ولادتي.

كان لامعًا بشكل مخيف، تندرج منه ألوان الطيف بطريقة مستحيل حدوثها، كانت الألوان تقترب مني، حتى اخترقني أحد الألوان، الأزرق.

وفجأة اختفى اللون، وبدأ الأسود بالتشقق، ليس تشققًا عشوائيًا، بل وكأنه يرسم شيئًا.

ومع انتهاء أول تشقق، لم أستطع سوى النظر بصمت.

كانت سيرين ساقطة على الأرض كما هي، وذلك الحقير فوقها، كان كل شيء كما هو ولكن هناك شيء مختلف.

كان العالم من حولي باللون الأسود ولكن حواف كل شيء ظاهرة بالأبيض اللامع، وكان هناك كلمات معلقة في الهواء بجانب كل ما احتاج معرفته.

حين حولت نظري ناحية سيرين ظهرت العديد من الكلمات المعلقة التي تشرح معلوماتها.

[سيرين آشفورد]

[العمر: 15 عام و7 أشهر و12 يوم]

[الطول: 172 - الوزن: 51]

[الانجذاب العنصري الأساسي: أرض، نار]

ظهرت عشرات المعلومات الأخرى ولكن بلا فائدة، ولكن جذب انتباهي شيء.

سيرين لديها انجذاب ناري؟ لماذا لم تخبرني؟

حسنًا، هذا ليس مهمًا الآن.

ولكني ركزت بشدة على التفكير بحل لهذا الموقف حتى ظهرت نافذة معومات اخرى.

[تحليل.]

[المسافة: ثلاث خطوات.]

[زاوية الطعن: نحو الصدر.]

[سرعة الرجل: قاتلة.]

[قوتك: غير كافية للإيقاف.]

مرت لحظة قبل أن تتجدد النافذة.

[تحليل ثانٍ.]

[إن اندفعتَ الآن، سيتغيّر مسار الطعنة.]

[إن أمسكتَ ذراعه، ستُسحق.]

[إن دفعتَ سيرين… لن تستطيع.]

[الخيار الوحيد: كن أنت الحاجز.]

تحرّك الزمن فجأة بدون أي مقدمات.

اندفعتُ بسرعة بينما أصرخ باسمها دون صوت.

دخلت بينهما، وكما قالت النافذة المعلقة، السكين لم تتوقف، بل دخلت في كتفي.

الألم كان كبرقٍ انفجر في عظامي، لكنني بقيت واقفًا.

صرخت سيرين باسمي، وتراجع الرجل نصف خطوة بتعابير مصدومة.

وفي تلك اللحظة… ظهر آشفورد.

لم يصرخ، لم يتكلم.

كان مجرد ظلًّا مرعبًا.

قبضته اخترقت الهواء، مجرد ضربة واحدة كانت كافية لإنهاء حياة أي شخص.

سقط الرجل بلا صوت.

تلاشى الضوء من عينيه قبل أن يلمس الأرض.

كل شيء انتهى في لحظات.

وقفتُ أترنح بينما سقطت السكين من كتفي.

سيرين أمسكتني بسرعة. "آرثر! أنت مجنون؟!"

نظرت إليها وابتسمت رغم الألم. "قلتِ… أن لا أموت فحسب."

ظهر آشفورد أمامي وكان ينظر إلى كتفي ثم إلى عيني.

صوته كان منخفضًا… لكنه ارتجف. "أنت… لم يكن عليك أن تفعل هذا ابدًا."

رفعت رأسي بصعوبة. "لكنه كان سيقتلها."

ساد الصمت.

ثم وضع يده على رأسي، قبضة ثقيلة.

"ابني... يبدو أنني تأخرت كثيرًا في تعليمك معنى الخطر."

أغمضت عيني بينما الألم بدأ ينتشر.

لكن داخلي… كان هادئاً.

نجحتُ في الاختبار، حتى لو كان ثمنه كتفي.

*****

في يومٍ آخر، كنت جالسًا في منزل سيرين، أحدّق في سقف الغرفة الخشبي وأتذكّر كيف أن قدّيس الكنيسة أعاد ترتيب كتفي في لحظات بسحر الشفاء، كأن الألم كان فكرةً سيئة وتم شطبها من الواقع.

كنت أستعيد المشهد في رأسي حين قاطعتني سيرين فجأة.

جلست بجانبي بلا مقدمات، سحبت ربطة شعرها، وانسدل شعرها الوردي المائل إلى البنفسجي على كتفيها كستارٍ من ضوءٍ ناعم، ثم بدأت تعيد ربطه بحركات سريعة ومتقنة.

"تحرّك كثيرًا… هكذا لا يليق بمحاربةٍ عظمية مثلي."

نظرت إليها ببرود طفولي مصطنع. "شعرك جميل اليوم. كما أن لونه الوردي المائل للبنفسجي يعجبني."

توقفت يدها. "أولًا، لا تمدحني فجأة هكذا. ثانيًا، ليس ورديًا مائلًا للبنفسجي… إنه وردي غامق."

أومأت فورًا. "بالطبع، وردي غامق. كنت أختبرك فقط."

رمقتني بنظرة تشكّك، ثم عادت لربط شعرها بإحكام.

بعدها مدت يدها إلى رأسي، وأمسكت خصلاتي السوداء بين أصابعها. "شعرك ينمو بسرعة غريبة… بعد سنتين من الآن سيصل إلى كتفيك إن لم نقصّه."

تخيلت نفسي بشعر طويل، فارس صغير بوجه طفل وهيئة شاعر.

فكرتُ. "قد لا يبدو سي—"

"سيبدو سيئًا عليك." قاطعتني بجدية.

ابتسمتُ. "إذًا قصّيه لي لاحقًا."

رفعت حاجبها. "اقصه لك لاحقًا؟ أنت تثق بي كثيرًا."

"أبي يسلّمني لك يوميًا… قص الشعر أقل خطورة من التدريب."

ضحكت، ضحكة قصيرة صافية، ثم بدأت تمشط شعري بأصابعها وكأنها تفكر. "هل تعلم أن الشعر يتأثر بالمانا؟"

"كيف؟"

"السحرة ذوو النوى القوية غالبًا ما يكون شعرهم أكثر كثافة ولمعانًا. حتى أن بعضهم يتغير لونه مع العنصر المسيطر، ولكن هذا نادر الحدوث."

تخيلت نفسي بشعر بنفسجي كأبي. "لا أريد شعرًا بنفسجيًا."

"ولمَ؟"

"سيقول الجميع إنني نسخة صغيرة من آشفورد."

ابتسمت بخبث. "هذا أسوأ كابوسك؟"

أجبت فورًا: "نعم."

ربتت على رأسي. "لا تقلق… سأقصّه بطريقة تجعلك تبدو أكثر وسامة منه."

تنهدتُ. "هذا مستحيل."

"يا لك من وقح."

ثم ساد صمت قصير.

شعرت براحة غريبة، رائحة الخشب، ضوء الشمس المتسلل من النافذة، وصوت سيرين وهي تعيد ربط شعرها للمرة الثالثة لأنها لم يعجبها التوازن.

وفي تلك اللحظة أدركت… أنني وسط هذا العالم الغريب، وهذه القوى المرعبة، وهذا المستقبل المجهول… كنتُ طفلًا يجلس بهدوء ويتحدث عن الشعر.

لم أفهم متى تحوّل الحديث عن الشعر إلى فخٍّ كامل الأركان.

فجأة انقضّت سيرين عليّ، وأخذت تدغدغ خاصرتي بلا رحمة.

"توقّفي، هاها— توقفي!" صرخت وأنا أضحك، أركل الهواء بقدميّ القصيرتين كمن يقاتل إعصارًا غير مرئي.

"هذا عقاب الوقاحة!"

"أي وقاحة؟ أنا كنت أمدح شعرك!"

ضحكت بصوتٍ عالٍ وهي تزيد الهجوم. "تمدح ثم تعترض… هذه خيانة جمالية."

بعد معركةٍ قصيرة خاسرة من طرفي، تركتني أخيرًا وأنا ألهث على الأرض.

جلست بجانبي، ومالت برأسها قليلًا. "بالمناسبة… كنت أتمنى أن يكون شعري أسود مثل شعر أبي."

نظرت إليها. "لكنه جميل هكذا."

تنهدتْ. " لقد ورثته عن أمي. وردي غامق… كل العائلة من جهة أمي كذلك."

"وأنا ورثت شعري من أمي أيضًا." قلت بحماس.

رفعت حاجبها. "لكن عينيك مثل آشفورد."

أومأتُ.

اقتربت أكثر، وحدّقت في عينيّ البنفسجيتين بتركيزٍ غريب. "ما زالتا فاتحتين الآن… لكن بعد أقل من عام سيظهر اللون الحقيقي أكثر."

"وهل سيكون مخيفًا؟" سألتُ بفضول

ابتسمتْ قبل أن تجيب. "سيكون مهيبًا."

صمتنا قليلًا.

"هل أخبرك آشفورد برتبتي؟" سألتْ بفخر واضح في عيناها.

"رتبتك؟ لا أتذكر أنه ذكر أمر كهذا."

نظرت في عنياي للحظات، ثم قالت فجأة: "أنا من الرتبة B." ثم نظرت إليّ بنصف ابتسامة. "ومع ذلك… أنقذتني بطريقة غبية."

تنهدتُ. "لم أنقذك، أنا فقط تحركت قبل أن أفكر."

يا لها من كذبة رائعة.

ضحكتْ. "وهذا أخطر نوع من الشجاعة."

نظرتُ إلى السماء من خلال نافذة الغرفة.

وفكرت… ربما هذا العالم قاسٍ.

لكن على الأقل… فيه شعر جميل، وضحك، وأشخاص يوبخونك لأنك حاولت أن تكون شجاعًا أكثر من اللازم.

*****

نظرت إليّ سيرين مطولًا بعد حديثها عن إنقاذي لها، ثم تنهدت وكأنها تستعد لإلقاء محاضرة طويلة.

اقتربت خطوة، وضربت جبيني بإصبعها بخفة. "تتصرف كأنك رجل بالغ، لا طفل بالكاد أوشك أن يتجاوز عامين."

ارتبكتُ للحظة.

ذلك النوع من الارتباك الذي يولد عندما يقترب أحدهم كثيرًا من حقيقة لا يجب أن تُكشف.

اهدأ… فكر كطفل.

رفعت كتفيّ بتصنع البراءة. "لأنني أريد أن أصبح مقاتلًا قويًا بسرعة. أبي كذلك. وأنتِ كذلك."

حدقت فيّ ثانيتين، ثم ابتسمت ابتسامة نصفها إعجاب ونصفها شك. "حجة مقنعة بالنسبة لطفل."

ثم خطر لي سؤال طالما دار في رأسي. "بالمناسبة… أنتِ من الرتبة B، لكن ما باقي الرتب؟"

جلست على الكرسي الخشبي وسحبتني لأجلس أمامها. "استمع جيدًا."

رفعت إصبعها الأول، "الرتبة E." ثم الثاني، "الرتبة D." ثم رفعت الثالث، "الرتبة C." ثم بدأت تشرح: "متساويين في القوة مع عامة الشعب المقاتلين، أغلب فرسان الحراسة، حماة القرى، جنود الممالك."

ثم رفعت إصبعًا رابعًا. "الرتبة B. هنا يبدأ عالم القوة الحقيقي."

رفعت الخامس والسادس. "الرتبة A، الرتبة S. متساويين في القوة مع الفرسان العظماء، قادة الجيوش، حماة العروش… وأحيانًا ملوك بأنفسهم."

ثم أمالت رأسها قليلًا. "ولكل رتبة ثلاث مستويات. مثل B وBB وBBB… أو A وAA وAAA… حتى SSS."

بلعت ريقي وأنا أحاول استيعاب المعلومات.

"وهناك… رتبة أخرى." اقتربت وهمست. "الرتبة X."

تجمدتُ من نبرة صوتها المخيفة.

واصلت حديثها "مستوى واحد فقط، لا درجات. لم يصل إليها سوى أربعين شخصًا منذ بداية التاريخ."

نظرتْ إلى النافذة حيث كانت الشمس تميل للمغيب. "وفي هذا العصر… هناك أربعة فقط أحياء بهذه الرتبة. اثنان في صف البشر… والآخران؟ لا أحد يعرف عنهم شيئًا."

نظرت إليّ فجأة، "وإذا فكرت يومًا أن تلحق بهم…" ابتسمت ابتسامة صارمة. "فعليك أولًا أن تتوقف عن التصرف كمن يريد الموت قبل أن يكبر."

ضحكتُ بخفة. "لكنك قلتِ إن الشجاعة الغبية أخطر نوع."

قرصت خدي. "لهذا السبب أنت تلميذي، ولأنك… مزعج بشكل لطيف."

ابتسمتُ، وفي داخلي شيء ما تحرك بهدوء.

رتبة X… أربعة فقط في هذا العصر.

ربما هذه المرة… لن أكون مجرد فارس في عالم بلا عدالة.

اقتربتُ منها بلا تفكير، وتسلقّتُ المقعد وجلستُ على فخذها كما يفعل طفلٌ اعتاد الأمان.

لم يكن في الأمر أي معنى آخر… على الأقل من الخارج.

من الداخل؟ كان عقلي يعمل بهدوء بارد.

رفعتُ رأسي ونظرتُ إليها. "أريد أن أرى العالم." قلتُ بصوتٍ بسيط، أقرب لطلب طفلٍ فضولي.

لكن في داخلي، لم يكن الأمر كذلك.

أريد أن أعرف حدوده، حدود البشر… حدود قوتهم… سقف ما يعتبرونه مستحيلًا.

كي أعرف من أين سأبدأ بتجاوزه.

نظرت إليّ سيرين بدهشة خفيفة، ثم تنهدت وهي تضع يدها على رأسي. "العالم ليس نزهة يا صغيري. ولا أستطيع أخذك معي دون إذن آشفورد."

رفعت كتفيّ. "وإذا وافق؟"

توقفت للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية. "إذا وافق آشفورد… سأوافق."

ثم مدت إصبعها نحوي. "لكن هذا اتفاق. قبل أي عالم… عليك أن تُنهي تدريبك معي."

تظاهرت بالتذمر. "أنا أتدرب كل يوم!"

ضحكتْ، "لا، أنت تنجو كل يوم. التدريب الحقيقي… لم يبدأ بعد." ثم أضافت بنبرة أكثر جدية: "وحتى بعد انتهاء الثلاثة أشهر… إذا لم يعجب مستواك آشفورد… قد يمددها."

تأملتُ كلماتها، ثلاثة أشهر ليست شيئًا، ولا تمديدها قد يعني شيئًا.

نظرت إليها وابتسمت. "إذًا… سأجعله يعجب."

ضحكت، وربتت على رأسي. "هذا هو الكلام الذي يخيفني منك."

وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا بسيطًا وواضحًا:

أنا لا أستعجل العالم.

العالم… هو من سيضطر يومًا ما أن يستعد لي.

2026/02/17 · 11 مشاهدة · 2644 كلمة
Arthur
نادي الروايات - 2026