ملاحظة- كانت فترة سيئة بالنسبة لي لهذا السبب لم أستطع مواصلة الكتابة. لكن الآن قد عدت بأفضل حال. وسيكون هناك ثلاث فصول أسبوعيا، أيام الأحد والثلاثاء والخميس.
الآن أستمتعوا بالقراءة
______________________________
وقفتُ أمام باب منزلها، وأحكمتُ رباطَ ياقةِ قميصي الصغير كما لو أنني فارسٌ حقيقي يستعد لمغادرة ساحة معركة.
في الواقع... أنا فارس حقيقي بالفعل.
"شكرًا على التدريب اليوم."
انحنت سيرين قليلًا وهي تضع يدها على صدرها بسخرية، "أتمنى لك ليلة بلا كدمات." ثم اقتربت فجأة وربتت على رأسي بقوة. "ولا تمت."
ابتسمتُ. "سأحاول ألا أفعل."
لوّحتُ لها وابتعدت.
الطريق الترابي المؤدي إلى منزلي كان هادئًا، والهواء مشبع برائحة العشب والرطوبة الخفيفة.
الغابة على يميني كانت ساكنة أكثر من المعتاد.
ثم… شعرتُ بها، مانا ليست عادية، ليست طبيعية بالأحرى، كأن الهواء نفسه يتنفس بثقل.
توقفتُ ورفعت رأسي.
شعاع ضوءٍ نزل من السماء واخترق الغابة كرمحٍ أبيض حاد، لم يصدر صوتًا… لكنه هز المانا حوله بطريقة طبيعية.
لو لم أرَ الرمح بأم عينيّ وهو يسقط من السماء، لمَ شعرتُ به مطلقًا.
ارتجف قلبي عندما هبّت الرياح الباردة نحوي.
هذا ليس تدريبًا كما هو واضح، وليس حادثًا طبيعيًا على ما أعتقد.
ترددتُ لحظةً، ثم ابتسمتُ عندما توقف قلبي عن الارتجاف.
الحماس الذي يملأني الآن... لم أعرف له وجودًا في حياتي السابقة، عندما كنتُ مجرد عبدٍ يرتدي هيئة فارس.
على أي حال، لا يهم.
"حسنًا… لنرَ ما الذي قرر العالم أن يضعه في طريقي اليوم."
وانحرفت عن الطريق، ودخلت الغابة حيث كان يسقط الضوء من السماء.
اندفعتُ داخل الغابة بأقصى ما يسمح به جسدي الصغير.
المانا تدفقت من نواتي نحو أطرافي، والأرض تحت قدميّ تستجيب كأنها تعرف أنني لا أملك رفاهية التردد في هذه اللحظة بالذات.
مددتُ يدي.
انشقت التربة أمامي، وارتفعت منها شفرات حجرية رفيعة، حادة كالأنياب، تدور حولي في نصف دائرة.
لم تكن قوية بما يكفي لقتل وحشٍ حقيقي… لكنها كافية لتمنحني ثانية إضافية إن حاول شيء الانقضاض عليّ.
كلما اقتربت من موقع الشعاع، ازداد الهواء ثِقَلًا.
المانا هنا… متوترة بطريقة غريبة، كأنها تنتظر شيئًا ما.
ثم رأيتها.
تحت بقعة الضوء التي ما زالت تتلاشى ببطء، كانت هناك طفلة في مثل عمري تقريبًا.
شعرُها داكنٌ، وعيناها بلونٍ لم أرَ له مثيلًا في حياتي، لا الحالية ولا السابقة… وعلى رأسها قرنانِ صغيران.
منحنيان إلى الأمام ثم إلى الأعلى، لم يكونا ضَخِمَين، بل كانا طويلين قليلًا ورفيعين.
توقفتُ فجأة، المانا حولي تجمدت، أو ربما أنا الذي تجمدتُ.
شيطانة؟ هل هي... شيطانة؟
رفعتُ يدي فورًا، وتحركت الشفرات الحجرية لتستقر على مستوى صدرها. "لا تتحركي."
كانت ترتجف، أقسم أني لم أسمع قط في حياتي بشيطانٍ يرتجف أمام بشري، حتى لو كان طفلًا.
تراجعتُ خطوةً دون وعي بينما أحدّق فيها بصمتٍ مشوش.
هل كونها فتاةٌ هو ما جعلها ترتجف أمامي؟ أم أن في الأمر شيئًا آخر لا أفهمه؟
ثم… انفجرت بالبكاء.
بكاء حقيقي، ليس صراخ تهديد، ولا صرخة وحش.
"أ-أرجوك… لا تؤذني… أنا… أنا ضائعة…"
ترددتُ.
المانا حولها لم تكن عدائية، كانت فوضوية فقط… كانت خائفة.
خفضتُ الشفرات ببطء. "من أنتِ؟"
مسحت دموعها بكمّ ثوبها، "اسمي… آرفيرديا." ثم رفعت رأسها ونظرت إليّ بعينين ممتلئتين برجاء. "أرجوك... ساعدني."
وقفتُ أمامها صامتًا لثانيتين.
أنا فارس سابق، طفل حاليًا، وساحر في بداية طريقٍ لا أعرف نهايته، ومستقبل مجهول.
لكن شيئًا واحدًا أعرفه جيدًا أكثر من أي أحد، شعور سيء للغاية.
أن تترك طفلًا يبكي وحده في غابةٍ مليئة بالمانا المخيفة… ليس خيارًا جيدًا.
مددتُ يدي نحوها. "حسنًا… آرفيرديا، سنخرج من هنا أولًا، ثم تخبريني بالقصة كاملة."
ترددت لحظة، ثم أمسكت بيدي بقوة، وكانت يدها… باردة قليلًا.
شدّت آرفيرديا يدي بقوة، كأنها تخشى أن تختفي الأرض من تحت قدميها إن تركتني.
نظرتُ إلى قرنيها الصغيرين، البارزين بوضوح تحت الضوء المتسرب بين الأشجار.
لا يجب أن يراها أحد هكذا.
نظرتُ إلى الخلف من فوق كتفي الأيسر بحدّةٍ مبالغٍ فيها بالنسبة لطفلٍ بعمري، ودفعتُ المانا في باطن قدميّ، لأستشعر الطريق كما علّمني آشفورد.
لا أحد قريب.
"لا تصدري صوتًا، حسنًا؟" قلتُ وأنا أعيد توجيه نظري لها.
هزّت رأسها بإيماءةٍ سريعةٍ متوترة.
ركضتُ، قابضًا على يدها كأنني أتشبّث بالواقع نفسه.
الغابة تكسّرت من حولي إلى خطوطٍ خضراء باهتة، تذوب مع اندفاعي.
كان الهواء يلسع وجهي، والمانا تشتعل حولنا كشراراتٍ صامتة، تشقّ الهواء من حولي وتخفّف ضغطه، حتى لا تتباطأ سرعتي.
لم أتوقف… لم أجرؤ على ذلك… حتى ظهرت أسوار المنزل أخيرًا.
قفزتُ الدرجات الحجرية، دفعتُ الباب بعنف، واندفعتُ إلى الداخل، ثم أغلقتُه خلفي في لحظةٍ واحدة.
تنفستُ الصعداء أخيرًا.
"آرثر؟" صوت آشفورد جاء من الداخل.
تجمّدت العروق في جسدي... لو رآها والدي، فسوف...
سحبتُ آرفيرديا خلف ظهري فورًا، ووقفت أمامها كدرع صغير بلا معنى... لكنه كان كل ما أملك.
ظهر والدي عند مدخل الصالة، عاقدًا ذراعيه، يحدّق إليّ بعينين تعرفان أن شيئًا ما ليس في مكانه.
"من الشخص الذي خلفك؟"
بلعتُ ريقي بصعوبة، لم أجب… لم أستطع.
بدلًا من ذلك، رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه مباشرة. "أبي… هل تحبّني؟"
رمشَ بطريقةٍ غريبة. "ماذا؟ من علّمك أساليب النساء الرخيصة لتحصل على ما تريد؟"
مزيجٌ من الخوف والسخرية والارتباك حلّق في معدتي الفارغة.
أردتُ حقًا أن أضحك على ما قاله والدي… لكن هذا لم يكن الوقت المناسب.
فاكتفيتُ بابتسامةٍ ساخرة… لم تصل إلى عينيّ.
"اسمعني فحسب، هل تحبني لدرجة أنك ستحقق لي أي مطلب؟"
ساد الصمت، المانا حوله تغيّرت، ليست عدائية… لكنها يقظة لما قد يحدث.
تبًا، هل ينوي قتلها؟
اقترب خطوةً بطيئة، ويده تستقرّ على غمد سيفه المعلّق عند خصره. "آرثر، لا تختبرني بأسئلة غريبة."
شدّت آرفيرديا قميصي من الخلف.
"أحتاج أن أعرف فقط." قلتُ بهدوء.
توقف أمامي تمامًا، ونزل على ركبته حتى أصبح بمستوى عيني، "أنت ابني، ولو طلبتَ القمر، سأحاول سرقته لك."
ثم أضاف بنبرة أخطر. "لكن قبل ذلك… أريد أن أعرف من تخفي خلفك."
أغمضتُ عينيّ لحظةً، لأتخيّله يقطع رأسها، ثم تراجعتُ خطوةً… لن أدعه يقتلها.
لن يحدث... لن أسمح له بذلك.
وظهرت آرفيرديا، بقرنيها الصغيرين، وعينيها المرتعشتين، وهي تمسك بطرف قميصي كأنني عالمها كله.
رفع آشفورد حاجبيه.
ولأول مرة… لم يكن في نظرته دهشة فقط، بل اهتمام حقيقي.
لم تدم لحظة الصمت طويلًا.
كأن عقل آشفورد أنهى حساباته في جزءٍ من الثانية.
وقف فجأة، وفجر الهواء خلفه ساحبًا سيفه.
لم يُسَلَّ السيف من غمده… كأنه وُلد من العدم؛ نصلٌ فضّي طويل يلمع ببرودة.
وفي اللحظة التالية، انحنى جسده للأمام، وانفجرت المانا تحت قدميه بضغطٍ هائل.
كان سريعًا… سريعًا إلى حدٍّ بدا معه الهواء نفسه متأخرًا عنه.
لكنني تحركت قبل أن أفكر.
قفزتُ أمام آرفيرديا، فتحْتُ ذراعيّ، وتوقّف النصل على بعد شعرة من صدري.
الحديد البارد لامس جلدي، لم يخترقه… لكنه لم يبتعد.
رفعتُ رأسي. "أبي… إن كنت ستقتلها… فابدأ بي."
ما هذا الهراء الذي أتفوه به؟ أنا ألعب بحياتي حقًا.
سكن الهواء فجاة من شدة الضغط، المانا حولنا تجمّدت كبحيرة في ليلة شتاء.
عينا آشفورد البنفسجيتان ضاقتا. "ابتعد يا آرثر."
لم أتحرك.
"هل تعرف ما هي؟" سأل أبي بنبرة حادة.
"أعرف ما أراه. ليست شيطانًا… بل طفلةٌ خائفةٌ ووحيدة." قلتُ بثبات رغم موقفي الضعيف.
ضغط النصل أكثر على جلدي، حتى شعرت ببرودته تتسلل إلى عظامي.
"هي شيطانة!" قال بغضب.
"وهي أيضًا طفلة!" قلتُ بسرعةٍ، بصوتٍ يكاد يكون صراخًا.
سكتُّ لحظةً، ثم قلتُ بهدوء. "ما الفرق بين إنسانٍ يولد وسيفٌ في يده… وشيطانٍ يولد وقرنان على رأسه؟"
لم يجب.
تابعتُ. "أيُحاسَب المرءُ على فطرته… أم على اختياراته؟"
زفر آشفورد ببطء. "العالم لا يرحم يا آرثر، والرحمة الزائدة تقتل أصحابها."
نظرت في عينيه مباشرةً، "والعدل الأعمى يقتل الأبرياء." ثم أشرتُ خلفي إلى آرفيرديا. " هذه لم تختر أن تسقط من السماء في غابةٍ غريبة، لم تختر أن تولد بقرنين، لم تختر أن تكون وحدها."
خفضتُ صوتي، "لكنها اختارت أن تطلب المساعدة." ارتجفت يدها خلفي. "أبي… إن كان هذا العالم لا يمنح حق الحياة إلا للأقوياء… فهدفي أن أغير هذا القانون."
سكن السيف على صدري، ثانية... ثانيتان، ثم انخفض النصل ببطء.
عاد الضوء إلى عيني آشفورد، لكن شيئًا آخر ظل عالقًا فيهما... شيءٌ حاد، كأنه يحاول تمزيق ما اخفيه خلف عينيّ.
لكن هيهات هيهات… ما أنا إلا طفلٌ أمامك يا آشفورد، طفلٌ بجسدٍ صغير وصوتٍ لم يشتد بعد.
لكنّك لا تعرف شيئًا عن حياتي السابقة.
لا تعرف كيف يمكن للروح أن تُهرم قبل الجسد، ولا كيف يستطيع الإنسان أن يموت من الداخل… بينما يواصل التنفّس كالمعتاد.
العمر ليس عدد السنوات التي يعيشها المرء، بل عدد الأشياء التي قتلَت شيئًا داخله… وتركته حيًّا رغم ذلك.
"أنت لا تشبه الأطفال." قاطع آشفورد تفكيري.
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة. "لأنني لا أريد أن أكبر في عالمٍ يَقتل الأطفال لمجرد أنهم مختلفون."
استدار قليلًا، ونظر إلى آرفيرديا.
كانت... تبكي بصمت.
تنهد، وأعاد سيفه إلى العدم، حرفيًا الى العدم، "إن كانت ستبقى هنا… فهي تحت مسؤوليتك ومراقبتي." ثم نظر إليّ بصرامة. "وإن خانت ثقتك… سأذكّرك أنني حذّرتك."
أومأت. "وأنا سأذكّرك أنني اخترتها."
تقدّمت آرفيرديا خطوة صغيرة، واختبأت خلف ساقي.
وضعتُ يدي على رأسها.
هذا العالم لا يرحم حقًا… عليّ أن أكون أكثر قسوةً في المستقبل إن أردتُ تحقيق هدفي.
بالإضافة إلى ذلك... لا بأس إن استغللتُ هذه الطفلة قليلًا.
تقدّمت آرفيرديا بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها تخيفها.
توقفت أمام آشفورد، ثم انحنت له بانضباطٍ غريب لا يليق بطفلةٍ تائهة.
"شكرًا… لأنك لم تقتلني." قالتها بصوتٍ خافت.
آشفورد لم يلتفت، كأن وجودها لم يُسجَّل بعد في عالمه.
في تلك اللحظة فُتح باب المطبخ. "آرثر؟ لماذا لم تأتِ للعشاء؟"
ظهرت ليليث، تمسح يديها بالمئزر، وعلى وجهها ابتسامة أمٍّ اعتادت القلق.
اقتربت مني وربتت على رأسي تلقائيًا. "تأخرت كثيرًا اليوم"
نظرتْ للطفلة التي أمامي، وما إن رأت القرنين حتى تجمّدت كتمثالٍ من لحمٍ وعظم، واتسعت عيناها بشدة.
تراجعت ليليث خطوةً بلا وعي. "من… من هذه؟"
شدّت آرفيرديا طرف قميصي بقوة.
رفعتُ رأسي بثبات. "اسمها آرفيرديا، كانت ضائعة في الغابة، وقد انقذتُها، وهي ضيفتنا يا أمي... وقد وافق أبي."
نظرت ليليث إليّ، ثم إلى الطفلة، ثم إلى آشفورد الذي كان يراقب المشهد بصمت.
ابتسمت ابتسامة متوترة. "أ-أهلًا بكِ… آرفيرديا."
ثم اقتربت بخطواتٍ حذرة، وانحنت قليلًا لتحييها. "بيتنا… بيتكِ أيضًا، ما دمتِ هنا."
آرفيرديا رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان. "حقًا؟"
"حقًا." ردت أمي سريعًا.
ثم دون أن تنظر إليّ، مدت ليليث يدها خلف ظهري... وقرصت خصري.
"آو." همستُ. "لماذا؟"
ابتسمت ليليث ابتسامة أم تعرف كل شيء. "لأنك تلتقط المتاعب كما تلتقط الشوارع القططَ الضالة."
رفعتُ كتفيّ ببراءة مصطنعة. "هي ليست قطة."
نظرت ليليث إلى قرني آرفيرديا. "واضح."
ثم تنهدت. "حسنًا… لنأكل أولًا، لا أحد يتخذ قرارات قد تؤدي الى هلاكنا والمعدة فارغة."
تقدّمت آرفيرديا خطوةً، ثم أمسكت بيد ليليث بحذر، ارتعشت ليليث قليلًا… لكنها لم تسحب يدها.
نظرت إليّ من فوق كتفها. "آرثر… أنت مسؤول عنها."
ابتسمتُ. "أعرف."
بعد التفكير في الأمر والنظر من حولي، شعرتُ أن هذا المنزل... كبر قليلًا.
*****
انتهى العشاء بصمتٍ ثقيل، كأن كل واحدٍ منا كان يفكر في شيء لا يريد قوله.
حتى آرفيرديا أكلت بهدوء شديد، تنظر حولها وكأنها تخشى أن تختفي الطاولة فجأة.
بعد ذلك، جمعتُ بعض ملابسي الصغيرة وقدّمتُها لها. "ليست جميلة… لكنها ستمنعكِ من التجمّد على الأقل."
نظرت إلى الملابس بفضول، وكأنها تنظر الى دروعٍ ثمينةٍ. "شكرًا… يا آرثر."
كنتُ على وشك سؤالها كيف عرفت اسمي، لكن عقلي أنقذني من ذلك السؤال الغبي، وتذكّرتُ أن والديَّ قد نطقا به كثيرًا أمامها.
وقفتُ صامتًا أراقبها بينما كانت تغيّر تلك الخِرَق الممزقة التي بالكاد يمكن تسميتها ملابس.
بدت حركاتها مترددة، حذرة، وكأنها تخشى أن تتمزق القطع الجديدة بين يديها.
كانت ملابسِي عليها واسعة قليلًا، خصوصًا القميص الريفي الصغير الذي انزلق عن أحد كتفيها قبل أن تسحبه بسرعةٍ نحو رقبتها.
الغريب أن الأمر لم يجعلها تبدو مضحكة… بل أكثر هشاشة.
شعرُها البنفسجي الداكن انسدل فوق ظهرها بخصلاتٍ فوضوية، داكن إلى درجة أن لونه بدا أسود تحت الظلال، لكن كلما لامسته الإضاءة الخافتة انعكس بنفسجٌ بارد فوق أطرافه.
أما قرناها… فكانا أول ما تقع عليه عيناي كل مرة.
طويلان نسبيًا، لكنهما رفيعان، ينحنيان إلى الأمام أولًا ثم يرتفعان نحو الأعلى بانسيابية غريبة، كأنهما جزءٌ من تصميم سلاحٍ قديم لا جسد مخلوق حي.
لم يكونا مخيفين بقدر ما كانا… غير مألوفين.
عيناها القرمزيتان ظلّتا تتحركان بتوتر، تراقبان الغرفة وكأنها تتوقع أن يُنتزع منها هذا الدفء في أي لحظة.
وفي كل مرة ترفع يدها، كانت مخالبها الحادة تنعكس تحت الضوء الخافت، أطول بقليل من أظافر البشر، حادة بما يكفي لتمزيق الجلد بسهولة.
لكن رغم ذلك كله… رغم القرنين، والعينين القرمزيتين، والمخالب التي تفضح حقيقتها… حقيقتها الوحشية.
لكن... لم أستطع أن أرى أمامي وحشًا.
جلستُ أمامها على الأرض، وأسندتُ ظهري إلى السرير. "على الأرجح إنك استعدتِ قوّتك بعد الأكل."
أومأت. "قليلًا. لستُ قوية جدًا… لكنني أعرف تقنيات تساعدني على النجاة."
رفعت حاجبي. "من علمكِ؟"
خفضت رأسها. "أبي."
ساد الصمت لحظة، ثم سألتها بهدوء. "ماذا حدث لكِ؟"
ترددت، ثم شدّت القميص حول جسدها الصغير كأنها تحتمي به، "قارة الشياطين… في مملكة كيمورا… تعرضت لهجوم من مملكة أخرى اسمها دينومورا." نظرت إليّ بعينين ثابتتين رغم صغر سنها. "كانت حربًا. ليست بين الجنود فقط… بل بين المدن بأكملها."
ابتلعتُ ريقي. "وأهلكِ؟"
"استخدموا تقنية غريبة… قالوا إنها ستنقلني إلى مكانٍ بعيد، حيث لا تصل الحرب إليّ."
لم أعرف ماذا أقول، وضعت يدي على رأسها برفق. "إذًا… أنتِ ناجية."
هزّت رأسها. "لا أعرف إن كنتُ ناجية… أم أصبحتُ مجرد منسية."
نظرتُ إلى النافذة حيث كان القمر يعلو ببطء. "هنا لن تكوني وحدكِ."
رفعت عينيها نحوي. "حقًا؟"
ابتسمتُ. "على الأقل… حتى يصبح هذا العالم كبيرًا بما يكفي ليبتلعنا نحن الاثنين."
ضحكتْ لأول مرة منذ أن رأيتها.