كانت آرفيرديا تجلس على حافة السرير، تحرك قدميها القصيرتين في الهواء ببطءٍ، كأنها ما زالت غير متأكدة إن كان هذا المكان حقيقيًا أم مجرد حلم آخر سينتهي فجأة.
ثم رفعت يدها الصغيرة، وأغمضت عينيها، شعرتُ بتغيّر خفيف في المانا حولها… كأن الهواء نفسه أصبح أنعم نوعًا ما.
ومع ومضةٍ خافتة، اختفى القرنان من رأسها.
تجمدتُ للحظة، ثم ابتسمت." واو… هذا مذهل."
فتحت عينيها بسرعة، ولمست رأسها بارتباك. "هل… هل اختفيا فعلًا؟"
"تمامًا. لو لم أكن أعرف حقيقتك، لظننتكِ فتاة بشرية عادية."
احمرّ وجهها فورًا. "لا… لا تقل ذلك… إنها تقنية بسيطة فقط…"
اقتربت منها خطوة. "بسيطة؟ هذا إخفاء كامل لهالة شيطانية وملامح جسدية. على حد علمي، كثير من السحرة البالغين لا يستطيعون فعل ذلك."
حاولت أن تبعد نظري عنها. "توقف… أنت تبالغ…"
لكنني واصلت بابتسامة خبيثة. "إذًا أنتِ قوية وذكية بالفعل، وتعرفين كيف تنجين وحدكِ في عالم غريب. هذا إنجاز عظيم لطفلة."
"أنا لستُ طفلة!" قالتها بانزعاج، لكن خجلها فضحها.
ضحكتُ بخفة. "حسنًا… شيطانة قصيرة بعمر صغير."
رمقتني بنظرة غاضبة، لكن ذيلها اهتز خلفها بتوتر قبل أن تخفيه هو أيضًا.
وقبل أن ترد، شعرتُ بشيءٍ يضغط على ذاكرتي فجأة، كأن فكرةً كانت تختبئ في زاوية عقلي وتصرخ الآن.
اتسعت عيناي. "لحظة…"
نهضت بسرعة وبدأتُ أفتش في أرجاء الغرفة، أفتح الأدراج، أقلب الحقائب، أزيح البطانيات.
"ماذا تفعل؟"
"أبحث عن شيء… شيء مهم."
حتى وجدتُه، صندوق خشبي صغير مخفي تحت السرير.
فتحته ببطء حتى ظهرت هي، البيضة.
كانت ما تزال كما هي، بيضاء تميل للزرقة، وعلى سطحها خطوط خافتة تشبه العروق.
رفعتها بين يديّ. "هذه… سرقتها من الكنيسة." قلتُها بكل فخر.
تقدمت آرفيرديا نحوي بحذر. "بيضة؟"
"ليست عادية. أشعر ان بداخلها شيءٌ حي… شيءٌ ينتظر فقط أن يفقس."
نظرت إليها. "هل تستطيعين ضخ المانا داخلها؟"
ترددتْ. "ربما… لكن هذا خطير إن كانت بيضة كائن سحري."
"لذلك سأفعلها معكِ."
جلسنا على الأرض، وضعتها بيننا، ووضعتُ يدي على يدها ثم عليها. "ركزي المانا الخاصة بك."
فعلتْ.
شعرتُ بدفءٍ مشؤومٍ ناعمٍ يتدفق من أطراف أصابعها.
وفي اللحظة التي أطلقتُ فيها المانا الخاصة بي أيضًا… اندفعت الطاقتان معًا.
لم تتصارعا، بل امتزجتا، كأن النور والظلام قررا الرقص بدل القتال.
بدأت البيضة تهتز.
ثم… أصدرت صوت تشقق، وظهر شقٌ صغير ظهر على سطحها.
اتسعت عينا آرفيرديا. "إنها… إنها تتشقق!"
اقتربت أكثر، أنفاسها متسارعة، البيضة أطلقت وهجًا خافتًا، نابضًا، كأنه قلب صغير يستيقظ.
يبدو أننا أيقظنا شيئًا لا ينبغي أن يبقى نائمًا.
أغلقتُ الصندوق وأعدتُ البيضة إلى مكانها كما كانت، كأنني أضع سرًا حيًّا ينتظر وقته. "سنتركها الآن… لا أريد أن نخاطر أكثر الليلة."
كانت آرفيرديا ما تزال تحدّق في الصندوق الصغير، وكأنها تخشى أن يختفي إن رمشت.
رفعتُ رأسي نحو النافذة، الليل تمدّد فوق الغابة، والهدوء صار أثقل من العادة.
تنهدتُ. "لا توجد غرفة أخرى في هذا المنزل… لذا سننام هنا."
اتسعت عيناها. "م-معًا؟"
هززتُ رأسي. "السرير واسع، لا تفكري بشيءٍ غريب، نحن فقط ننام."
ترددت لثانية، ثم صعدت فوق السرير بهدوء، وسحبت الغطاء حتى ذقنها، وكأنها اعتادت النوم في أماكن غريبة منذ زمن طويل.
لم تمر سوى لحظات حتى استقرت أنفاسُها، نامت بسرعة... بسرعة طفل أنهكه الهروب والخوف والجوع.
وقفتُ بجانب السرير أنظر إليها.
قرنان مخفيان، هوية مخفية، عالم محروق خلفها، ومستقبل مجهول أمامها.
يا لها من حياة لا يُحسد عليها المرء.
وأنا؟
أنا مجرد طفل آخر… يحمل قوةً لا يفهم حدودها، وأسئلةً لا تناسب عمره.
جلستُ على طرف السرير.
فكرتُ للحظةً… ثم استلقيتُ على الجانب الآخر، تاركًا مسافة صغيرة بيننا.
وأغمضت عيني، لكن النوم لم يأتِ فورًا.
همستُ في داخلي. "نحن أطفال… لا يجب أن نفكر إلا كما يفكر الأطفال، لا يجب أن أعرف تلك الأفكار… ولا حتى ان أسمح لها بالوجود."
تنفستُ بعمق، لكن عقلي لم يهدأ.
من هي آرفيرديا حقًا؟ هل كانت تلعب يومًا في شوارع كيمورا؟ هل كانت تضحك مع والدها قبل تلك المأساة؟ هل كانت تعرف معنى الوطن… قبل أن يُحرق؟ كيف يعيش الشياطين؟ هل يختلفون عنا حقًا؟ أم أن الفرق مجرد قرون وذيل… وخرافات صنعها الخوف؟
تبًا، سأموت من فرط التفكير إذا لم أتوقف.
تجاهلتُ التحذير الذي أطلقه عقلي، ثم وجدتُ نفسي أفكّر في والدي.
آشفورد… الصمت قبل الهجوم، برودةُ عينيه، والطريقة التي تعامل بها مع حياة آرفيرديا وكأنها شيء يمكن قطعه بسيف.
هل سيتغير رأيه؟ هل يمكن لرجل يحمل سيف العدالة أن يرى طفلة قبل أن يرى شيطانة؟
فتحتُ عيني قليلًا، كانت آرفيرديا نائمة بسلام.
شعرت بشيءٍ غريب في صدري، ليس شفقة، ولا خوف، بل إحساس يشبه… المسؤولية.
أغمضت عيني من جديد.
"نامي بسلام، يا آرفيرديا…" همستُ بصوتٍ بالكاد سمعته أنا نفسي.
*****
كانت الشمس تتسلل بين أغصان الغابة ببطءٍ مشهد يشبه يدًا ذهبية تمزق ضباب الصباح برفق، بينما الأوراق المبللة بندى الفجر ترتجف تحت الضوء كأنها قطع زمرد حيّة، والهواء البارد يداعب الأشجار الطويلة فتتمايل فوق رأسي أنا وآرفيرديا، ونحن نمشي وسط الغابة التي بدت وكأنها تستيقظ معنا.
كانت خطواتها خفيفة، خفيفة أكثر مما يجب لطفلة نجت من حرب.
نظرت إليها من طرف عيني، كانت تمشي بصمت، تمسك أطراف قميصها الكبير قليلًا، وعيناها تتنقلان بين الأشجار وكأنها تخشى أن يخرج منها شيء.
تنهدتُ. "بالمناسبة… لماذا لم تأكلي جيدًا صباحًا؟"
توقفت للحظة، ثم نظرت للأسفل. "لأن… عائلتك ربما تكرهني."
رمشتُ. "ماذا؟"
"لا أريد أن أثقل عليكم…" قالتها بهدوءٍ غريب، بهدوء شخص اعتاد أن يعتبر وجوده عبئًا.
ضحكتُ بخفة ساخرة. "آرفيرديا، أنتِ تعيشين في منزل أمي. هذه المرأة تطعم الحشرات لو بدت جائعة بما يكفي."
رفعت رأسها نحوي بتردد.
اقتربتُ منها، وأمسكت يدها الصغيرة دون تفكير، كانت باردة قليلًا… كليلةٍ ماطرة.
"إذا كنتِ ستبقين معنا، فتوقفي عن التفكير وكأنكِ ضيفة ستموت غدًا."
احمرّ وجهها فجأة، أدارت رأسها بسرعة إلى الجانب الآخر، حتى إن خصلات شعرها تحركت بعنف.
"أ-أعرف ذلك…" همستْ بها بخجل.
لكن يدها… لم تترك يدي.
جيد جدًا، خطتي تسير على نحوٍ مثالي.
كنتُ أفكر بهدوءٍ بارد بينما أسير بين الأشجار؛ شيطانة صغيرة مجهولة الأصل، تعرف تقنيات إخفاء هالتها الشيطانية، بالإضافة إلى إخفاء قرنيها وذيلها.
نجت من حرب بين مملكتين، وتحمل مانا مختلفة عن البشر.
كيف يمكنني استغلال هذا؟
كيف أحول وجودها إلى خطوة إضافية نحو القوة، نحو المستقبل، نحو أن أصبح شيئًا أعظم من مجرد فارس آخر يُدفن بصمت؟
كانت تمشي بجانبي ممسكةً يدي، ووجهها يحمر بخفة كلما سرقت نظرة نحوي ثم تبعد عينيها سريعًا، وكأن مجرد النظر إليّ مباشرةً جريمة صغيرة تحاول إخفاءها عن العالم.
خفضت رأسها قليلًا. "يدك… ناعمة."
نظرتُ إليها ببرود. "لأنني لم أعمل في الحقول منذ ولادتي... للأسف الشديد."
ضحكت بخفوت. "لا، أقصد… إنها مريحة."
تنهدتُ ساخرًا. "هذه أول مرة يتم فيها مدحي كوسادة متنقلة. ما سبب هذا المدح المفاجئ؟"
غطت فمها وهي تضحك، ثم فجأة قالت بصوتٍ خافت: "ربما لأنك… لطيف جدًا."
توقفت خطواتي، التفتُ إليها ببطء. "ماذا قلتِ؟"
ارتبكت فورًا، لكن بدل أن تهرب بعينيها كالمعتاد، اقتربت خطوة صغيرة، ثم نظرت نحوي مباشرة. "شكرًا… لأنك أنقذتني."
ساد الصمت للحظة.
ابتسمتُ بسخرية خفيفة. "نعم نعم، أنا بطل عظيم، يمكنكِ عبادتي لاحقًا."
لكن رغم سخريتي… شعرتُ أن كلماتها كانت صادقة أكثر مما توقعت، لذا انحنيتُ لها قليلًا بطريقة مسرحية. "أتقبل شكركِ بكل تواضع."
اتسعت ابتسامتها، ثم فجأة وضعت يدها فوق رأسي وضغطت عليه للأسفل وهي تضحك. "مغرور."
تذمرت وأنا أحاول رفع رأسي. "أنا قصير أصلًا، توقفي عن تقليصي أكثر."
رفعتُ رأسي وبدأتُ في إعادة ترتيب شعري بينما نواصل المشي.
ولكن في الواقع، بدأتُ أفكر في شيءٍ، لكن في النهاية قررتُ ما علي فعله هذه المرة.
قررتُ أن أتوقف عن معاملتها كسرٍّ غامض للحظة… وأحاول ببساطة التعرّف عليها كإنسانة، أو شيطانة، أو أيًّا كان الشيء الذي يجعل عينيها تبدوان وحيدتين إلى هذا الحد.
نظرت إليها بينما نتابع السير بين الأشجار. "كيف كانت حياتكِ… قبل أن تأتي إلى هنا؟ أليس لديكِ أي أصدقاء قد يبحثون عنكِ لاحقًا؟"
تباطأت خطواتها، ثم عبست قليلًا.
اقتربت مني حتى أصبحت قريبة جدًا، لدرجة أنني استطعت رؤية انعكاس الأشجار داخل عينيها الداكنتين.
"لم تكن لديّ حياة تستحق الذكر." قالتها بهدوءٍ غريب. "الحرب بدأت قبل ولادتي بسنوات… واستمرت خمس سنوات كاملة."
خفضت عينيها للحظة. "وأنا… لم أعش حتى سنتين بعد."
شعرت بشيء يضغط على صدري.
تابعت بصوت أخف. "كنت أعيش بخوف فقط، الجميع كانوا خائفين. لم يكن هناك وقت للعب… أو تكوين صداقات… أو حتى التفكير بالغد."
ثم ابتسمت فجأة، ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.
اقتربت أكثر، حتى أصبح كتفها يلامس ذراعي، ثم رفعت رأسها نحو السماء المتسللة بين الأغصان. "لذلك… أنت أول صديق لي، والوحيد أيضًا."
في تلك اللحظة، شعرتُ بالعار من نفسي بشكلٍ مقرف، من أفكاري السابقة، من محاولتي النظر إليها كوسيلة، كأداة، كخطوة نحو القوة… وشتمتُ نفسي داخليًا بقسوة لم أفعلها منذ زمن طويل.
تنهدتُ بخفة، ثم ابتسمت لها. "يبدو أنني محظوظ إذًا، الحصول على صديقة شيطانة ليس شيئًا يحدث كل يوم."
اتسعت عيناها. "صديقة…؟"
"نعم، وأظن أنني سعيد بهذا أكثر مما ينبغي."
احمرّ وجهها فورًا، وظهر ذيلها خلفها فجأة، يتحرّك بسرعةٍ مرتبكة تكاد تفضح ارتباكها كله. "وأنا أيضًا! سعيدةٌ جدًا."
ضحكتُ بخفة وأنا أنظر أمامي، الغابة كانت أكثر دفئًا فجأة.
أو ربما… لأنني للمرة الأولى منذ زمن طويل، توقفتُ عن التفكير في البشر كخصومٍ يجب تجاوزهم.
مهلًا... هي ليست بشرية، ولكن لا يهم، المهم هو المغزى مما أقوله.
حدقتُ بها للحظة، فقط لحظة قصيرة وأنا أراقب ابتسامتها الصغيرة… لكن شيئًا ما انكسر داخل رأسي فجأة.
تجمد العالم دون إنذار، اختفت الأصوات، ثم غرق كل شيء في ظلامٍ كامل كأنني فقدت بصري، قبل أن يتسلل ضوء أزرق بارد من العدم ويصبغ الوجود كله بلونٍ غريب، بينما تحولت حدود الأشجار والأرض وأجساد الكائنات إلى خطوط بيضاء واضحة، وكأن العالم لم يعد عالمًا… بل رسمًا حيًّا داخل عقلي.
ظهرت أمامي نافذة شفافة بلونٍ أزرقٍ باهت.
[آرفيرديا دي كرونياس]
[العمر: عام وستة أشهر]
[السحر: النار]
ثم… عاد كل شيءٍ فجأة.
الهواء، الأصوات، لون السماء، وباقي الأشياء التي تغيرت.
تراجعتُ خطوةً دون وعي، وقلبي ينبض بعنف.
رمشت آرفيرديا بسرعة. "آرثر؟ ما الأمر؟ وجهك أصبح شاحبًا فجأة."
أخذتُ نفسًا بطيئًا. "لا شيء… فقط شعرت بدوار بسيط."
اقتربت مني بقلق واضح. "أنت متأكد؟"
أومأتُ فورًا. "نعم، لا تقلقي."
ابتسمت أخيرًا بارتياح.
لكن فجأة، اتسعت عيناها، اقتربت مني بسرعة ووضعت يدها على فمي لتسكتني.
همست بصوت منخفض ومقلق. "لا تتكلم… هناك شيء يراقبنا."