شخصٌ ما يراقبنا؟
توترتُ فورًا، لكن قبل أن أستطيع تحريك المانا في جسدي، اهتزت الشجرة خلفي بعنف، ورأيت سيرين جالسة فوق أحد الأغصان، تنظر إلينا من الأعلى بابتسامة ساخرة وكأنها تشاهد مسرحية رخيصة.
وضعت ذقنها على يدها وتنهدت. "مذهل… لم تكمل عامين بعد، ولديك بالفعل فتاة تمسك يدك وتهمس لك بهذه الطريقة الجميلة. ستصبح زير نساء رائعٍ يا آرثر."
رفعتُ حاجبي ببرود. "أتعلمين؟ أظن أن هذه موهبة وراثية من شخصٍ ما يقضي يومه في مغازلة الجميع."
وضعت يدها على صدرها بصدمة مصطنعة. "يا لك من طفل وقح."
في تلك اللحظة اقتربت آرفيرديا بسرعة، واختبأت نصف اختباء داخل صدري وهي تنظر لسيرين بخوف. "م-من هذه السيدة…؟"
فتحتُ فمي لأجيب، لكن سيرين قاطعتني وهي تقفز من فوق الشجرة بخفة مرعبة. "لا داعي للخوف، أنا فقط معلمته الجميلة والرائعة والمسالمة."
نظرتُ إليها بجمود. "كاذبة، أنتي مرعبة فعلًا."
ساد الصمت لثانية، ثم ابتسمت سيرين، ابتسامة هادئة جدًا.
وهذا كان... أسوأ شيء يمكن أن يحدث.
بعد أقل من دقيقة، كنتُ ملقىً على الأرض بينما تضغط سيرين على رأسي بقدمها وتوبخني لأنني "أفسدت صورتها اللطيفة أمام الأطفال"، بالرغم من أن الطفل الوحيد هنا هو أنا… على الأغلب.
*****
[منظور ليوناردو ألبيريون دي ڤالركا]
كنتُ أجلس داخل قصري الريفي الصغير، ذلك المبنى الحجري البسيط ذو الطابقين والعشر غرف فقط، مع قاعة اجتماعات صغيرة بالكاد تتسع لعشرة أشخاص إن جلسوا بتقارب.
لم يكن قصرًا فخمًا مثل قصور العاصمة التي يروي عنها التجار، لكنه بالنسبة لي كان رائعًا؛ جدرانه نظيفة، نوافذه واسعة، وساحته مزروعة ببعض الورود التي تهتم بها والدتي.
ومن الخارج بدا كبيت نبيل متواضع وسط بحرٍ من منازل القرية الخشبية القديمة، تلك المنازل التي بالكاد يمكن تسميتها منازل أصلًا… أو ربما كانت منازل فعلًا، لكنني مع ذلك شعرتُ دائمًا بالفخر لكوني أغنى من معظم من يعيش هنا.
جلستُ فوق السور الحجري للشرفة، أدلي ساقيّ إلى الخارج بينما أستمتع بهواء الصباح البارد.
كنت على وشك العودة للداخل حين لمحت حركة قرب الغابة.
ضيقت عيني عندما رأيتُ من كان، سيرين.
خرجت من بين الأشجار وكأنها كانت في نزهة عادية، لكن الغريب أنها كانت تحمل آرثر تحت ذراعها كالعادة، مثل كيس بطاطا صغير، وبجانبها طفلة أخرى… في مثل عمري تقريبًا.
طفلة لم أرها من قبل.
قفزت فورًا من فوق الشرفة، دفعتُ المانا إلى ساقيّ قبل الاصطدام بالأرض، فامتص جسدي الصدمة بسهولة وهبطت بثبات رائع… ثم تنهدت بيأس.
ليس رائعًا حقًا، الشرفة كانت قريبة من الأرض أصلًا.
ثمانية أمتار فقط، ليس إنجازًا يستحق الإعجاب حقًا.
تذكرتُ شيئًا فجأة.
كنتُ أخاف من سيرين، لا، بل كنتُ متأكدًا أنها أخطر امرأة في القرية كلها، وربما العالم.
لكن آرثر كان صديقي، لذا بدأت أركض بأقصى سرعة وأنا أفكر بخطة عبقرية: أطمئن عليه… ثم أهرب قبل أن تلاحظني
سيرين أصلًا.
"ليو!" سمعتُ صوتًا مألوفًا يناديني.
التفتُ فورًا، وجدت آدم يركض نحوي بابتسامة واسعة، شعره الأحمر يتحرك بعشوائية وهو يقترب ثم يحتضنني بقوة.
"أين تذهب بهذه السرعة؟!"
ضحكتُ وأنا أحرر نفسي منه. "مهمة إنقاذ."
اتسعت عيناه بحماس. "ماذا؟! من؟"
أشرتُ للأمام بفخر. "صديقي الجديد. آرثر، ابن السيد آشفورد أوبسيدراين."
شهق آدم فورًا. "ابن السيد آشفورد؟! هذا رائع! سأساعدك!"
أمسكتُ يده وبدأنا نركض معًا. "جيد! علينا إنقاذه قبل أن يموت."
حسنًا... لن يموت حرفيًا.
توقفتُ فجأة بعد القليل من الركض، وصلنا أمام منزل سيرين.
وكان المشهد… سيئًا، آرثر مرمي على الأرض يتألم، بينما الطفلة الغريبة تجلس بجانبه بقلق وتحاول مساعدته.
نظرت إلى آدم لأقول شيئًا بطوليًا… لكن وجهه كان شاحبًا، وعيناه تنظران خلفي برعب مطلق.
ابتلعتُ ريقي وأنا التفتُ ببطء.
كانت سيرين هناك، تحدق بنا بابتسامة هادئة جدًا.
ثم بدأت تقترب. "أوه؟ ضحايا جدد… أقصد، أطفال جدد للتدريب؟"
صرخ آدم فورًا. "اللعنة عليك يا ليو!!"
ثم استدار وركض بأقصى سرعة ممكنة، وكأنه يهرب من وحش أسطوري.
وفي تلك اللحظة، انفجر صوت ضحك من الأرض.
كان آرثر يضحك وهو يمسك بطنه. "هل كل الأطفال هنا يصرخون عند رؤية سيرين؟"
ابتسمت سيرين بلطف، ثم ضربته بساقها في بطنه.
توقف ضحكه فورًا، وانطفأ وعيه بالكامل.
تجمدتُ في مكاني، ثم التفتت سيرين نحوي ببطء.
ابتسمتْ، "ليوناردو… هل تراني مخيفة؟" اقتربت أكثر. "أم جميلة؟"
توترتُ بشدة وبدأ عقلي يعمل بجنون بحثًا عن مخرج، أتنقل بنظري بين سيرين وآرثر الملقى أرضًا والطفلة الغريبة… التي بدا أنها على وشك البكاء فعلًا.
العالم أخيرًا قرر مساعدتي.
أشرتُ إليها بسرعة. "س-سيرين! من هذه أصلًا؟! ومن أين اختطفتِ هذه الفتاة المسكينة؟!"
تجمدت سيرين. "ماذا؟"
ثم التفتت فورًا نحو الطفلة، اقتربت منها بسرعة وهي تنزل على ركبتيها. "مهلًا، لماذا تبكين؟! هل قال أحد شيئًا سيئًا لك؟!"
ارتبكت الطفلة وهي تفرك عينيها. "أ-أنا..."
لم أنتظر أكثر من ذلك، لم أسمع بقية الحديث أصلًا، لأنني كنت قد ركضت بالفعل.
وفجأة امتدت يد من زقاق جانبي وسحبتني بعنف للداخل.
كدت أصرخ… لكنني وجدت آدم.
"لنهرب!" ثم أمسك يدي وبدأ يركض معي بسرعة جنونية نحو الجهة الأخرى من القرية.
صرختُ وأنا ألهث. "هذا طريق منزلك!"
أجاب فورًا دون حتى أن يلتفت. "بالطبع! إذا حدث شيء سأتركك وأهرب إلى الداخل!"
نظرت إليه بصدمة. "أيها النذل!!"
وفجأة توقفنا، كنا على وشك الاصطدام بشخص يقف أمامنا مباشرة.
رفعتُ رأسي، إيلا، شعرها القصير يتحرك مع نسيم الصباح، وعيناها تنظران إلينا ببرودٍ متعب.
ولسببٍ سخيف… ابتسمتُ لا إراديًا.
لكنها عقدت ذراعيها وقالت بملل: "هل يمكنكما التوقف عن الصراخ والركض قليلًا؟ هذه قرية… وليست ساحة حرب."
كانت إيلا تملك ذلك النوع من الجمال الهادئ الذي يجعل الشخص يتوقف دون سبب؛ عيناها العسليتان الباردتان تحملان نظرة متعبة دائمًا، وشعرها البني القصير يتحرك بخفة فوق وجنتيها بينما تقف وكأن العالم كله يزعجها شخصيًا.
اعتدلتُ بسرعة. "أعتذر، آنسة إيلا."
آنسة؟ ما هذا الهراء الذي تفوهتُ به؟
نظرت إليّ لثانية واحدة فقط، ثم تنهدت. "غبي."
قالتها ببرود كامل قبل أن تكمل طريقها وكأن وجودنا مجرد ضوضاء مزعجة في صباحها.
شعرتُ أن قلبي تلقى ضربة مباشرة.
لكن قبل أن أقول شيئًا، شدّني آدم بعنف. "هيا أيها الأحمق!"
ثم عاد للركض وهو يسحبني معه.
حاولتُ التوقف. "مهلًا! دعني أق—"
صرخ آدم بسخط. "هل فقدت عقلك؟! من الواضح أن الهروب أهم من التحديق في فتاة الآن!"
نظرتُ خلفي نحو إيلا وهي تبتعد، ثم تنهدتُ.
قلبي كان مرتبكًا بشكلٍ مقرف... وهذا أسوأ من سيرين بكثير.
وفجأة ظهر والد آدم أمامنا، السيد كونكرت، بنفس تلك النظرة الحادة التي لا تقل رعبًا عن نظرة السيد آشفورد، وهالته المهيبة تضغط الهواء حوله، بينما شعره الأحمر بدا وكأنه مشتعل دائمًا حتى دون استعمال المانا.
نظر إلينا بعينين ضيقتين. "لماذا تركضان وكأن تنينًا يطاردكما؟"
ابتلع آدم ريقه وبدأ يشرح بسرعة. "س-سيرين ظهرت مجددًا! ولقد اختطفت صديق ليوناردو وطفلة أخرى لا أعرفها."
رفع كونكرت حاجبًا. فتدخلتُ بسرعة. "هي لا تخطف الأطفال فعليًا… لكنها مخيفة جدًا وتضرب الأطفال! حتى إنها ضربت آرثر، ابن السيد آشفورد!"
ساد الصمت لثانية، ثم انفجر كونكرت ضاحكًا، ضحكة عالية ومخيفة قليلًا. "هاهاها! آشفورد الأحمق ترك ابنه يتعذب مع تلك القاصرة اللعينة؟"
رمشتُ بارتباك. "قاصرة…؟"
تنهد آدم وكأنه يشرح شيئًا بديهيًا لطفل. "سيرين عمرها خمسة عشر أو ستة عشر تقريبًا. لذلك نعم… هي قاصرة."
تجمدتُ، نظرتُ نحو الطريق المؤدي لمنزلها.
خمسة عشر فقط…؟ كيف يمكن لشخص بهذا العمر أن يكون مرعبًا إلى هذه الدرجة؟ كيف يمكن لفتاة صغيرة أن تضرب الناس بتلك الوحشية وهي تبتسم؟
بدأ كونكرت بالمشي وهو يلوح بيده. "سأذهب لألقي نظرة على ابن آشفورد قبل أن تمزقه تلك المجنونة تمامًا."
تحرك بهيبة واضحة، وخطواته الثقيلة تشق الطريق بينما بدا متحمسًا بشكل مريب وهو يتجه نحو منزل سيرين، وكأنه ذاهب لمشاهدة عرضٍ ممتع لا لإنقاذ طفل.
آمل فقط ألّا تقتله سيرين.