بعد أن فقدتُ الوعي بسبب ضربة سيرين الوحشية، غرقتُ مجددًا داخل ذلك الفراغ الأسود العاتم... نفس الفراغ الذي احتواني قبل ولادتي الثانية في هذا العالم.

كان المكان بلا أرض أو سماء، مجرد اتساع لا نهائي من السواد والرمادي الباهت، ألوان ميتة تتحرك ببطء كالدخان داخل بحرٍ صامت.

لم أشعر بجسدي، ومع ذلك كنت أطير، أو أسقط، أو أُسحب بلا اتجاه واضح.

كان الفراغ هادئًا بشكلٍ مرعب، لكن داخلي لم يكن كذلك؛ شعور مفاجئ بالصراع النفسي تمزق في صدري، كأن ذكرياتي القديمة وحياتي الجديدة يتصادمان داخل رأسي بينما أواصل الانجراف في ذلك العدم البارد.

فجأة اشتعل الألم داخل صدري، شعور يشبه احتراق قلبي نفسه، لكنني أدركت سريعًا أن ما يحترق حقًا… كان نواة المانا الخاصة بي.

حاولت السيطرة على تدفق المانا بجنون، لكن وسط الألم شعرت بشيء غريب؛ كأن النواة تصبح أنقى قليلًا، أكثر كثافة واستقرارًا بنسبة ضئيلة جدًا.

اتسعت عيناي.

لقد تطورت نواتي… لكنها ما زالت في مرحلة القشرة من النواة العادية.

كان ذلك غريبًا.

بدأ عقلي يفكر بسرعة وسط الظلام؛ ربما آشفورد لم يشرح كل شيء، أو ربما نسي ببساطة.

ماذا لو أن كل مرحلة ليست مجرد “قشرة ولب” فقط؟ ماذا لو وُجدت مستويات فرعية داخل كل مرحلة؟ المستوى الأول للقشرة، الثاني، الثالث… ثم اللب بمستوياته أيضًا، وهكذا مع كل رتبة من النواة حتى النهاية.

فكرة معقدة… لكنها منطقية بشكل مخيف.

أو ربما الأمر أبسط من ذلك؛ ربما نواتي تطورت فقط من حيث الجودة والكثافة، لكنها لم تخترق القشرة بعد للوصول إلى اللب، وهذا يبدو منطقيًا أكثر…

لكن رغم ذلك، لم أستطع طرد الفكرة الأولى من رأسي.

وفجأة توقفتُ عن السقوط، أو الطيران، أو أيًّا كان ما يحدث لي، ووجدت نفسي واقفًا فوق سطحٍ غريب غير مرئي وسط الفراغ الأسود، كأن العدم نفسه قرر منحي أرضًا مؤقتة.

رغم الخوف الصامت الذي تسلل إلى عقلي من ذلك المكان المظلم عديم الأصوات، أدركت أن أفضل شيء يمكنني فعله الآن… هو التركيز على تنقية المانا داخل جسدي وتطوير نواتي.

كانت المانا هنا مختلفة.

كثيفة بشكلٍ مرعب، وثقيلة بطريقةٍ لا تضغط على الجسد، بل تلتف حوله وتحاصره من كل اتجاه، كأنك تغرق داخل محيط غير مرئي من الطاقة الخام.

ضحكت بسخرية قصيرة على وضعي الحالي، ثم جلست على الأرض المخفية في وضعية تأمل، وبدأت أركز على توجيه كل المانا داخل جسدي نحو الخارج بدلًا من نواتي.

حاولت دفعها بالقوة، إخراج كل قطرة مانا من جسدي حتى لو مزقت عروقي أو حطمت نواتي نفسها، لأن شيئًا داخل عقلي… شيء غريب وبارد… كان يخبرني أن أفعل ذلك.

ولذلك، سوف أفعله.

بينما كنت أحاول إخراج المانا من جسدي، اكتشفت شيئًا غريبًا؛ استطعت التخلص من ثلثها بسهولة نسبية… لكن قوة جسدي انخفضت فورًا بشكل واضح.

بدأت أدفع باقي المانا للخارج بالقوة، لكنني شعرت وكأن روحي نفسها تُسحق من الداخل، ألمٌ مرعب لا يشبه أي إصابة جسدية عرفتها.

وبصعوبة شديدة، نجحت في التخلي عن ثلثٍ آخر من المانا، لكنني شعرت بعدها وكأنني أصبحت فارغًا… ضعيفًا بلا روح حقيقية.

أما الثلث الأخير... فكان من المستحيل تقريبًا إخراجه.

لكن إصراري لم ينتهِ بعد.

بدأت أسحب المانا المتبقية ببطءٍ مؤلم، وكل قطرة تخرج كانت تأخذ معها جزءًا من وعيي، كأنني أقتلع نفسي من الداخل قطعةً تلو الأخرى.

ثم... نجحت أخيرًا.

وفي اللحظة التالية اختفى السطح غير المرئي تحتي فجأة، وسقطت مباشرةً داخل هاوية الفراغ الأسود.

تجمعت تلك المانا الكثيفة حولي كإعصارٍ مرعب، ثم اندفعت نحوي بعنف.

شعرت بألمٍ لا يوصف بينما اخترقت المانا جلدي ولحمي كآلاف الشفرات الدقيقة، تمزقني من كل اتجاه دون رحمة.

كان جسدي يبدو كقطعة لحم ممزقة أكثر من كونه جسد طفل؛ الجلد متشقق وممزق بعنف، الدم يغطي أطرافي وصدرِي، واللحم المفتوح يرتجف مع كل نبضة ألم، بينما شعرت وكأن الفراغ نفسه يحاول سلخي حيًّا.

كان الألم شديدًا لدرجة أنني بدأت أبكي دون وعي، أبكي بعنف بينما أحتضن جسدي الممزق، كأنني أحاول حماية نفسي من نفسي.

وبينما كانت دموعي تختلط بالدماء، عادت ذكرياتي القديمة دفعة واحدة؛ طفل يتيم لم يرَ والديه قط، لا يعلم إن كانا قد ماتا… أم تخلّيا عنه ببساطة.

طفولة باردة داخل الأزقة القذرة، أيام طويلة بلا عائلة، بلا أصدقاء، بلا شخص ينتظره عند العودة.

كنت مجرد ظل صغير يتنقل بين البشر دون أن يلاحظه أحد، شخصًا عديم الفائدة لدرجة أن العالم نفسه لن يهتم إن عاش أو مات.

ثم جاءت حياتي كفارس.

بعد أن تبنتني تلك العائلة النبيلة، ظننت للحظة أنني سأحصل على معنى لحياتي… لكنني كنت مجرد أداة أخرى.

تدريبات قاسية، ضرب، إهانات، وتعذيب مقنع باسم “تربية الفرسان”، كانوا يسحقون الإنسان داخلك حتى لا يبقى سوى سيف يطيع الأوامر.

أخذتُ نفسًا مرتجفًا، ثم هدأتُ تدريجيًا.

الماضي… انتهى.

لن أستطيع تغييره مهما صرخت أو بكيت أو كرهت العالم.

لكن المستقبل؟ المستقبل ما زال فارغًا، وما زلت أستطيع تشكيله بيدي.

سأتعلم من كل تلك المعاناة... وسأبني شيئًا أفضل.

عالمٌ يملك فيه كل شخص ما يحتاجه.

عالم يعيش فيه الناس بكرامة وعدالة حقيقية، دون خوف أو جوع أو إذلال.

وحتى لو اضطررت لأن أصبح شريرًا في نظر الجميع.... حتى لو كان عليّ تدمير هذا العالم بالكامل وبناء عالم جديد فوق رماده... فسأفعلها.

حاولت تجاهل الألم قدر استطاعتي، وتركت المانا تغمرني بالكامل، تتسلل داخل عروقي ومساراتي وتلتف حول نواتي كوحشٍ يريد ابتلاعها والاستحواذ عليها.

بدأت نواتي تسود تدريجيًا، لونها يتحول من بريقها الطبيعي إلى ظلامٍ كثيف، حتى أصبح جسدي كله يشع بهالة سوداء مرعبة وسط الفراغ الرمادي.

وفجأة… ضحكتُ.

ضحكة هستيرية مجنونة مزقت صمت الفراغ نفسه، كأنني كسرت قانونًا مقدسًا في هذا المكان.

ظل صوتي يتردد بلا نهاية بينما أسخر من المانا التي ظنت للحظة أنها تستطيع السيطرة عليّ أو ابتلاع جسدي.

بدأت أغلق مسارات المانا داخل جسدي بالقوة، واحدًا تلو الآخر، أحاصر تلك الطاقة داخل نواتي وأمنعها من الهروب، بينما أفكر بجنون في طريقة لإخضاعها تمامًا والسيطرة عليها بدل الاستسلام لها.

وتحول الألم تدريجيًا… إلى نشوة مرعبة.

شعرت بالنواة تمتص المانا بعنفٍ هائل، ومع كل لحظة كنت أشعر بقوةٍ أكبر تتدفق داخلي، حتى بدأت أتلذذ بالألم نفسه وكأنه دليل حي على أنني... أتغير.

ثم أدركت الحقيقة ببرود.

هذه القوة لم تكن مجرد اختراق لمستوى فرعي جديد، ولا حتى انتقالًا إلى مرحلة اللب… بل اختراق كامل للنواة نفسها.

لقد أصبحت نواتي الآن… نواة مانا متقدمة.

أحكمت السيطرة على المانا أخيرًا حتى خضعت بالكامل، وبدأ لونها يتغير تدريجيًا؛ بنفسجي غامق ممزوج بسواد قاتم، تحيط به خيوط بيضاء مطفأة تشبه ضوءًا يحتضر.

حدقت بها ثم ضحكت بسخرية باردة. "حاولتِ السيطرة عليّ... وانتهى بكِ الأمر كجزءٍ مني."

بدأت أتمالك تلك القوة الجديدة تدريجيًا، وفجأة شعرت بجسدي يتحول إلى دوامة هائلة تمتص المانا من الفراغ المحيط بي وتدمجها مباشرة داخل نواتي.

كانت النواة تتكثف بجنون، تبتلع المانا بكميات مرعبة وكأنها حفرة بلا قاع.

شعرتُ بإرهاق شديد، وكأن عقلي يتمزق من الضغط، لكنني واصلت الامتصاص دون توقف حتى أحسستُ بتغير جديد داخل النواة… تطور آخر لم أستطع تحديد مستواه بعد.

وأثناء تكثيف النواة، خطرت لي فكرة أخرى.

إذا كانت النواة تستطيع التطور بالكثافة... فلماذا لا تنطبق الفكرة نفسها على مسارات المانا؟

لهذا بدأت أمتص المانا بكميات أكبر بكثير، وأضغط بها كل شيء داخل جسدي بلا رحمة.

ركزت المانا على نواتي أولًا، لأدفعها نحو أقصى تطور ممكن حاليًا.

ثم على مسارات المانا داخل جسدي، حتى تصبح أكثر صلابة وكثافة ليسهل عليّ التحكم بالطاقة إن كان اعتقادي صحيحًا.

وبعدها... ركزتها نحو عينيّ، نحو ذلك الشيء الغريب المرتبط بقدرتي التحليلية ورؤيتي غير الطبيعية.

وفجأة... شعرت بألم جديد.

ألم لاسع، حاد... كأن شيئًا يحفر داخل عينيّ مباشرة.

ومع ازدياد الألم، دفعت المانا إلى أقصى حد ممكن، أكثّفها داخل نواتي ومساراتي بعنفٍ جنوني، حتى شعرت للحظة بقوةٍ مطلقة تجتاح جسدي بالكامل.

ثم بدأت إصاباتي تلتئم تدريجيًا، الجلد الممزق يعود لشكله، واللحم المتشقق يشفى وكأن الفراغ نفسه يعيد تشكيل جسدي.

سحبت المزيد من المانا من العدم المحيط بي، رغم أن نواتي بدأت ترتعش قليلًا وكأنها على وشك الانهيار من الضغط الهائل.

وفجأة ارتجف جسدي كله بعنف، لكنني واصلت التكثيف بلا توقف، حتى شعرت بشيءٍ مرعب... قوة هائلة تكاد تكون بلا حدود، لدرجة أنني شعرتُ أن هذا الفراغ الأسود ليس سوى قماشٍ رقيق يمكنني شقّه بيديّ العاريتين.

كانت قوةً ثقيلة، باردة، ومخيفة... قوة جعلتني أشعر للحظة أن العالم بأكمله أضعف مني.

فجأة بدأت المانا المكثفة داخل عينيّ تحرقهما من الداخل، ضغط القوة كان مرعبًا لدرجة أنني شعرت وكأن مقلتيّ ستنفجران في أي لحظة.

ظهرت نافذة زرقاء باهتة أمامي.

[تمت ترقية مهارة التحليل إلى المستوى الثاني.]

عبستُ قليلًا. "مهارة؟"

ظهرت نافذة أخرى مباشرةً.

[المستوى الأول: أفضل طريق للنجاة.]

[المستوى الثاني: متى ستموت.]

[المستويات المتبقية: غير متاحة حاليًا.]

حدقتُ بها للحظة، ثم ضحكتُ بسخرية باردة. "يا له من اسم سخيف، لا أحد يعرف متى سيموت، لا أنا ولا أي—"

وفجأة ارتعشت نواتي بعنف شديد.

دفعت المزيد من المانا نحوها مباشرةً، أضغطها وأكدسها داخل النواة بجنون وكأنني أحاول صنع نجمٍ صغير داخل صدري.

ظهرت نافذة أخرى بعنف.

[تحذير.]

[ستموت خلال: 3 ثوانٍ.]

ابتسمتُ بسخرية باردة. "تبًا لكِ، هل تظنين أنني سأصدق هر—"

وفي اللحظة التالية... حدث شيءٌ لم يكن متوقَّعًا، أو ربما كان متوقَّعًا من قدرة التحليل، لكنني كنتُ غبيًّا بما يكفي لأتجاهل التحذير.

ما حدث بعد ذلك يمكن اختصاره بثلاث كلمات فقط.

انفجر جسدي بالكامل.

2026/05/19 · 1 مشاهدة · 1414 كلمة
Arthur
نادي الروايات - 2026