كان وادي الشتاء الكبير يغرق في عاصفة ثلجية عنيفة، والرياح تعوي كأنها تحذر من شيء آتٍ. وسط الجليد والظلام، سارت مستذئبة سوداء وحيدة، تتقدم بحذر رغم الرياح التي تدفعها للخلف. كان اسمها ليا، وكانت تعرف هذا الطريق جيدًا، فقد مشت عليه ذات يوم...
وفجأة، وسط صخب العاصفة القادمة، شمت رائحة غريبة. لم تكن رائحة الثلج ولا الصقيع، بل كانت... بشرية.
توقفت لوهلة.
ثم تبعتها بحذر، أنفها يقودها عبر الصخور المغطاة بالجليد. هناك، بين الحواف الجليدية، وجدت جسدًا صغيرًا مغطى بقماش فاخر، بالكاد يتحرك.
.
اقتربت أكثر، ورفعت الغطاء قليلاً. كان طفلًا، لم يتجاوز السنة من عمره. جسده كان باردا للغاية لكنه لا يزال يتنفس.
'لكن من يترك طفلًا هنا، وسط عاصفة قاتلة؟'
في اللحظة التي نظرت فيها إلى جسده الصغير، شعرت بارتجاف غريب يسري في أوصالها. لم يكن البرد...
بل كان الذكرى. ذكرى جثث أطفالها اسرتها الصغيرة٫ ممددين وسط الدماء، وجوههم بلا حياة، أصواتهم التي لن تسمعها مجددًا.
فزعت.
تراجعت خطوتين، كأنها تريد الهرب من هذا المشهد، لكن رائحة الرضيع أعادتها إلى الواقع.
كان لا يزال حيًا. ضعيفًا، لكنه يتنفس.
.
..إنه حي لم يمت بعد.
ضغطت أسنانها، ثم حملته بين ذراعيها بحذر، شعره الناعم يلامس مخالبها. كانت تعلم أن الالتحاق بعشيرة "آشز" محفوفة بالمخاطر.
تحركت ليا بسرعة، لم يعد هناك وقت للتردد. العاصفة كانت قد وصلت، وأصبحت الرياح أقوى، تهدد بتمزيق أي شيء يقف في طريقها.
نظرت إلى الطفل للحظة، ثم دون تفكير أكثر، سمحت لجسدها بالتحول.
عظامها تشققت، وعضلاتها تمددت، حتى أصبحت على أربع، جسدها يزداد ضخامة وعضلاتها تتصلب ضد البرد. تحركت بسرعة، ورفعت الطفل الصغير بحذر، ثم ربطته بإحكام ٫و بقطعة قماش و حملته.
غزت العاصفة إلى كل زاوية من وادي الشتاء الكبير، لكن ليا لم تتوقف. كانت الرياح تصفعها، تحاول إبطاء حركتها، لكنها تمسكت بغريزتها، بمهمتها الوحيدة الآن 'إنقاذ هذا الطفل'.
كان الرضيع مربوطًا بصدرها، يحتمي بفروها الأسود الناعم، وجسده الصغير بالكاد ينبعث منه دفء. لم يتحرك، لم يصدر صوتًا، لكن ليا شعرت به بطريقة أخرى... شعرت بدقات قلبه، بوجوده الهش، بذلك الخيط الرقيق الذي يفصل الحياة عن الموت.
لم تفهم لماذا تأثرت به بهذه السرعة. لقد رأت الكثير من الموت، فقدت كل من أحبتهم، لكنها الآن، وسط هذا الجليد القاسي، شعرت بشيء مختلف.
"هل يا ترى سأنحسك انت ايضا؟ ههه....."
كان سؤالًا غريبًا، لكنه تسلل إلى ذهنها دون استئذان. هذا الرضيع، الغريب، المجهول، الذي لا تعلم من أين جاء ولا لماذا كان هناك، كان يلتصق بها، يحتمي بها كما لو كانت عالمه الوحيد ٫...ربما سيختلف مصيره عن البقية؟.
تابعت الصعود، مخالبها تخترق الجليد المتراكم على الدرج الحجري المؤدي إلى جبل قبيلة آشز. كانت تعرف أن الطريق طويل، وأن العاصفة لن ترحمها، لكن لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن هناك ما يستحق القتال من أجله .
حتى و لو لآخر مرة.
ومع كل خطوة، وكل دقة قلب صغيرة تصل إلى مسامعها.
كانت الرياح تزداد شدة، تصفع وجهها وكأنها تحاول إعادتها إلى الوادي حيث وجدت الطفل. لكنها لم تتوقف.
صوت العاصفة كان يصمّ الآذان، لكنه لم يكن الشيء الوحيد الذي سمعته. كان هناك شيء آخر، همسات خافتة بين هجوم الرياح،
حركة خفية بين الظلال الجليدية. شعرت بشيء يراقبها.
"أشباح الشتاء..."
الفكرة تسللت إلى عقلها كسمّ بارد. لطالما حُكيت قصص عنهم، كائنات لا تُرى إلا عندما يكون الأوان قد فات. كانوا يتغذون على الجثث المتجمدة، ينسلون إلى داخلها، يمتصون بقايا قوتها قبل وفاتهم بسبب الجنون و الوحدة التي سبسبتها لهم هذه الوحوش، ثم يتركونها فارغة من الداخل، كأنها مجرد تماثيل فارغة بلا حياة.
و لا تزال تراهم من حين الى آخر بهذا الوادي المميت فهو'احد مناطق الهلاك بلقارة الكبرى آرتيستيا".
شعرت بقشعريرة تتسلل أسفل عمودها الفقري، لكنها نفضت الفكرة بسرعة. لم يكن الوقت مناسبًا للخيالات. الواقع هو ما يهم الآن.
و هو الوصول إلى قمة الجبل الشاهق "جبل آشز". قبل أن تنهكها العاصفة.
استمرت في التقدم ، كل خطوة على الدرج المتجمد كانت أقسى من السابقة حيث شعرت بضغط الهواء الساحق٫ و بدرجة حرارة الطفل و هي تقل مما جعلها تسرع .
حتى ظهرت البوابة أخيرًا ٫ عندها قررت العودة لشكلها البشري و المواصلة.
بوابة حجرية ضخمة، حوافها مغطاة بالجليد، شامخة، كأنها حاجز بين عالمين.
وفجأة، توقفت الرياح.
ساد صمت غريب، كأن العاصفة نفسها حبست أنفاسها. الثلوج استمرت في التساقط، لكن الهواء كان ساكنًا تمامًا.
ومن الظلال خلف البوابة، ظهر حارسان.
كانا ضخمين، يرتديان دروعًا داكنة، كل منهما يحمل رمحًا طويلًا رأسه معدني حاد يعكس ضوء مجهولا ذهبيا خافت. وقفا بثبات، أعينهما تحدقان بها بلا تعبير، ينتظران منها أن تتكلم.
وقفت ليا عند البوابة، تقابل نظرات الحارسين الثابتة. كانا لا يزالان بلا تعبير، لكن رائحة الريبة كانت واضحة. لم يكن لديها وقت لإضاعته، فتقدمت خطوة وقالت بصوت منخفض لكنه حازم:
"أنا ليا، وأحمل طفلًا يحتاج إلى النجاة. دعوني أمر."
لم يتزحزحا. تبادل الحارسان نظرات سريعة قبل أن يتحدث أحدهما، صوته بارد كالجليد:
"ليا... ألستي انت الذئبة السوداء المنفية من عشيرة آلينور؟"
شدّت قبضتها، لكنها لم ترد. لم يكن هذا الوقت المناسب للحديث عن الماضي.
"سمعنا عنك منذ سنوات، والآن تأتين الينا نحن ...ومعك بشري؟"
قال الحارس الآخر، عيناه تضيقان بشك. "ما الذي تحاولين فعله تحديدا؟ خداعنا نحسنا؟"
أحكمت ليا يديها حول الطفل، إحساسه الدافئ بالكاد يُلاحظ الآن. كانت تشعر بدقات قلبه تضعف.
"هذا الطفل بحاجة إليكم، لن ينجو وحده."
رفع أحد الحارسين رمحه فجأة، ووجّهه نحوها.
هذا ليس مكانًا للبشر، ولا مكانًا لذئبة سوداء جالبة لشؤم .كما انك لست حتى بألفا كي نقبل بشيئ مثلك...غادري الان! ."جملة طويلة ممزوجة بلغضب و السخرية و ...التهديد.
شعرت ليا بجسدها يتصلب، غرائزها تصرخ بأن تهرب، أن تقاتل، لكنها لم تستطع المخاطرة بإيذاء الطفل. نظرت إليه بسرعة... وتنفسه كان ضعيفًا. ضعيفًا جدًا.
"لا..."
شعرت بذعر يضربها كعاصفة أقوى من تلك التي تركتها خلفها. شحبت ملامحها، وانحنت أكثر، تحيطه بذراعيها كما لو كان الشيء الوحيد المتبقي في العالم. فجأة، لم تكن ترى الطفل فقط... بل رأت ابنتها.
رأت ماضيها، الدماء، الجثث الباردة، يداها المرتجفتان وهي تحاول أن تبعث الحياة في جسد ابنتها الذي لم يتحرك أبدًا مرة أخرى. الألم اخترقها كما لو كان يحدث الآن، اللحظة ذاتها.
"لا أريد أن أفقده أيضًا..."
لم تعد تفكر، لم تعد تهتم. انحنت أكثر، تشبثت به، ودموعها سقطت على وجهه الصغير.اصابها اليأس كرصاص !.
لوح الحارس برمحه نحو ليا و كاد أن يقطعا لنصفين هي و الطفل.
لكن صوت قوي أوقفه.
.
"توقف! ".
كان الصوت واضحًا، حازمًا، لكنه يحمل شيئًا نادرًا في هذه الأرض القاسية:" التعاطف".
خرجت رئيسة العشيرة من ضباب الثلج ، نظرتها ثاقبة، لكنها لم تكن قاسية تمامًا.
وقفت أمامهم٫ وعيناها مثبتتان على ليا التي تحتضن الرضيع كما لو كان جوهر حياتها .
تأملت المشهد للحظة، ثم قالت بهدوء:
"أدخلوها."
بالكاد كانت ليا قادرة على الوقوف، لكن الحارس لم يترك لها خيارًا، فقد جرّها إلى الداخل رغم انهيارها ذاك. لكنها لم تقاوم.
لم يكن بوسعها سوى التمسك بالرضيع المتجمد بين يديها،و ان تأمل ألا يكون الوقت قد فات و ألا تكون هناك ثمار للأمل بهذه الارض.
بمجرد أن عبرت البوابة، تغير كل شيء.
على عكس قسوة العاصفة بالخارج، هنا كان القمر ساطعًا فوق القمة العالية، يضيء عالمًا لم تتوقع وجوده. كانت المنازل متناثرة على سفح الجبل المتعرج، وسط مزيج غريب من المساحات الخضراء والثلوج البيضاء. لم يكن من المفترض أن تزدهر الحياة هنا، ليس في وادي الشتاء، حيث لا ينجو أحد.
لكنهم نجوا !؟.
بعض العيون راقبتها بصمت وهي تعبر الممر الحجرية الرئيسي، نظرات الفضول والاحتقار تلاحقها.
لم تكن غريبة فقط، بل شخص غير مرحب بها، شخص لا مكان له هنا.
لكنها لم تهتم.
فقد صبت كل حواسها نحو الرضيع بين ذراعيها المرتجفتين، ذلك الجسد الصغير الذي بدا أكثر برودة الآن.
قادهم الحراس عبر المسار الملتوي، تتبعهم رئيسة العشيرة بصمت. كانت ضخمة البنية، شعرها الأبيض يتطاير مع الرياح الهادئة، وعيناها الحادتان تراقب ليا دون أن تتكلم. لم يكن يبدو بمظهرها رحمة، لكنها لم تكن قاسية تمامًا أيضًا.
و أخيرًا، وصلوا إلى كوخ المعالج.
كان رجلاً مُسِنًا، عيناه غارقتان في التجاعيد، ورائحة الأعشاب والدماء القديمة تملأ المكان.
عندما رأى ليا والطفل بين يديها، رفع حاجبه بدهشة طفيفة، لكنه لم يطرح أي أسئلة.
"أعطني الطفل."
صوته كان جافًا، آمِرًا. تقدم بخطوات هادئة، يمد يده نحو الرضيع.
لكن ليا، رغم ضعفها، تراجعت خطوة.
"لا."
كان صوتها مرتجفًا، لكن قبضتها تشددت حوله أكثر. لم تستطع... لم تستطع تركه و هي بحالة ذهنية كهاذه.
نظر إليها المعالج بنظرة ضيقة، ثم زفر بضيق.
"إن لم تتركيه الآن، فسيموت."
شعرت بقلبها يتوقف للحظة.
كان الأمر بسيطًا، منطقيًا، لكنها لم تستطع تجاهل الخوف العميق الذي تملكها.
' ماذا لو فقدته؟ ماذا لو لم تستطع حمايته كما لم تستطع حماية أطفالها؟ و.... مات'
بجسده كان بارد. دقّات قلبه الضعيفة.
أغلقت عينيها بقوة، ثم، بلا تردد، سمحت له بأخذه من بين يديها.
—
كان المكان هادئًا، باستثناء صوت أنفاس المعالج وهو يعمل.
وضع الرضيع فوق بطانية سميكة بالقرب من النار، وبدأ بفرك أطرافه بلطف، محاولًا إعادة الحرارة إلى جسده الصغير. كانت يديه متمرسة، تتحركان بسرعة وبدقة، بينما همهم ببعض الكلمات غير المفهومة، ربما تعاويذ قديمة، أو مجرد كلمات اعتاد قولها أثناء عمله.
جلست ليا على الأرض، ظهرها مستند إلى الحائط، يداها فارغتان لأول مرة منذ أن وجدت الطفل. شعرت بالبرد يتسلل إلى داخلها، ليس بسبب الجو، بل بسبب الفراغ الذي تركه بين ذراعيها.
عند الباب، كان الحارس لا يزال واقفًا، كتمثال حجري، يحرس المكان بصمت.
قبل أن تغادر زعيمة العشيرة ، توقفت عند المدخل، نظرت إلى ليا نظرة طويلة قبل أن تتحدث بصوت بارد:
"بمجرد أن يتعافى الطفل، عليكِ المغادرة."
رفعت ليا عينيها نحوها، لكنها لم تقل شيئًا. لم يكن هذا مفاجئًا. لم يكن لها مكان هنا.
ثم التفتت الزعيمة إلى المعالج، قائلة بحزم:
"اعتنِ بها حتى ذلك الحين."
زمّ المعالج شفتيه، لم يكن معجبًا بالفكرة، لكنه لم يجادل.
"وأبلغني عن حالة الرضيع عندما ينتهي علاجه."
أومأ المعالج دون أن ينظر إليها، مشغولًا بفحص الطفل.
ثم، دون أي كلمة أخرى، استدارت الزعيمة ورحلت، تاركة خلفها الذئبة التي لم يكن لها مكان، والطفل الذي لا يعرف أحد من أين جاء.
.
بعد ساعات طويلة من العمل، جلس المعالج متعبًا، أنفاسه ثقيلة، يده تمسح عرقًا غير موجود على جبينه البارد. نظر إلى الطفل الصغير الذي استعاد بعض اللون في وجنتيه، لكنه لم يتحرك بعد.
همس بصوت خافت، بالكاد يُسمع وسط طقطقة النار:
"أنا آسف... لم أنجح."
تجمدت ليا في مكانها.
"ماذا؟!"
كان صوتها عاليًا، حادًا كالسيف، كأنها ترفض أن تفهم كلماته. صوتها كان كافيًا ليوقظ الرضيع من سباته، فجأة انطلقت منه شهقة صغيرة، ثم بكاء ضعيف.
التفتت ليا إليه فورًا، عيناها تتسعان بدهشة.
"إنه يبكي... إنه حي!"
في لحظة، نسيت كل شيء. زحف قلبها نحو الأمل، كما لو أن الكون منحها فرصة ثانية.
لكن المعالج لم يشاركها فرحتها.
نظر إليها نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت منخفض، لكنه قاسٍ:
"إنه حي، نعم... لكن أعضاءه ميتة بالفعل."
كلماته سقطت عليها كالثلج البارد.
"لن يعيش لأكثر من أسبوع."
_______
يتبع...
(الرواية مؤلفة ليست مترجمة )