-في اليوم الثالث ......

كانت أشعة الشمس الذهبية تنساب على سفوح الجبل الشاهق، تعكس ألوان الحياة النادرة في هذا المكان المعزول. التلال الخضراء تمتد تحت السماء الصافية، والمنازل الحجرية الصغيرة موزعة بشكل متناثر،على مر هذا السفح الاخضر و الابيض٬ وكأنها جزء من الطبيعة نفسها.

ليا، التي انتهت للتو من نشر الغسيل على الحبال، رفعت رأسها ونظرت إلى المشهد أمامها. كيف يمكن أن توجد مثل هذه الحياة الجميلة في أحد "مناطق الموت"؟

لطالما سمعت عن قسوة هذه الأراضي، عن العواصف الثلجية القاتلة والوحوش التي تترصد في الظلال و المفقودين.... لكن هنا، وسط هذه التلال، كان هناك شيء غريب… شيء مثل سر ما....

لكنها لم تملك الوقت لتفكر أكثر. مع أنفاسها المتثاقلة، توجهت نحو الكوخ الذي أصبح مأواها المؤقت.

عند دخولها منزل هولكان، استقبلها صوت طنين خافت.

كان المعالج واقفًا بجانب الفراش، يضع يده فوق صدر الرضيع بينما همهم بكلمات غير مفهومة. الضوء الأزرق الباهت يتراقص حول أطراف أصابعه، كأنه ضوء قمر محبوس في يديه. لم يكن هذا مجرد علاج، بل تعويذات مسكنة للألم.

ليا لم تقل شيئًا. أغلقت الباب بهدوء، ثم توجهت إلى أحد الأركان وجثت على الأرض، عيناها معلقتان بالمشهد أمامها.

كانت ملامحها هادئة، لكنها تحمل في طياتها اكتئابًا عميقًا.

هولكان شعر بوجودها لكنه لم يلتفت إليها فورًا. فقط عندما انتهى من تعويذته، زفر ببطء وألقى عليها نظرة سريعة.

هولكان و بكل هدوء وهو يعود إلى مقعده:

"استيقظتِ باكرًا اليوم."

ليا بصوت خافت، دون أن ترفع عينيها عن الرضيع:

"لم أكن نائمة حقًا."

هولكان لم يرد. لقد لاحظ دوائر الإرهاق تحت عينيها، والطريقة التي كانت تمسك فيها بيديها وكأنها تحاول تثبيت نفسها.

هولكان وهو يطحن بعض الأعشاب في الهاون الحجر):

"إن استمررتِ على هذا الحال، ستنهارين قبل أن ينتهي الأسبوع."

ليا بسخرية مريرة:

"وكأن ذلك مهم."

توقف هولكان للحظة، ثم رفع نظره إليها مباشرة.

هولكان:

"مهم بما يكفي ليجعل الطفل يبكي كل ليلة وهو يبحث عن حضنك."

ليا صمتت. لم تكن تتوقع ردًا كهذا. نظرت إلى الرضيع النائم، ثم عضّت على شفتها السفلى بصمت.

هولكان بهدوء، وهو يعيد طحن الأعشاب:

"لم أقل ذلك لأشعرك بالذنب. لكنكِ تنسين أحيانًا أنكِ لستِ وحدكِ هنا."

في اليوم الرابع…

تلك الليلة، كان الضباب يتسلل عبر الشقوق الصغيرة في الجدران الحجرية، جالبًا معه برودة خفيفة. كانت النار في الموقد قد خفت، ولم يكن هناك سوى أنفاس بطيئة تملأ الجو.

ليا، التي استسلمت أخيرًا للنوم بعد أيام من القلق، استيقظت فجأة على أصوات خافتة قادمة من الباب.

لم تتحرك، لكن حواسها كانت يقظة بالكامل.

"هذا غير ممكن، هولكان!!!."

كان ذلك صوت امرأة، قوي لكنه يحمل شيئًا من القلق. زعيمة العشيرة.

هولكان بإصرار منخفض:

"زعيمتي، أعلم أن الأمر محفوف بالمخاطر، لكن الجوهر الذهبي هو الأمل الوحيد لهذا الطفل."

الزعيمة بصوت متوتر:

"أمل؟ الجوهر الذهبي ليس معجزة، هولكان. إنه خطر قاتل! حتى البالغون نادرًا ما ينجون منه، فكيف برضيع بالكاد يتنفس؟"

هولكان: "لكنه يتنفس! وهذا يعني أن جسده ما زال يقاتل."

الزعيمة تتنهد بعمق:

"وماذا لو لم يقاتل؟ ماذا لو انفجرت بقايا الجوهر داخله ومزقه؟ هل يمكنك تحمل ذلك بضميرك؟"

هولكان بهدوء لكنه متمسك برأيه:

"وإن لم نفعل شيئًا، هل ستتحملين فكرة أنكِ تركته يموت؟"

حلّ صمت ثقيل في المكان.

الزعيمة بصوت أكثر ضعفًا مما توقعت ليا:

"حكماء العشيرة لن يوافقوا. في الحقيقة، إنهم لا يريدون لهذا الطفل أن يعيش."

هولكان ببعض الغضب مكبوت:

"لأنهم يخافون من شيء لا يفهمونه؟"

الزعيمة بمرارة

"لأنهم يرونه شؤمً… كما يرون ليا."

ليا لم تتحرك، لكن قلبها خفق بقوة.

الزعيمة تتابع بصوت منخفض:

"العاصفة الموسمية قادمة. لديهم سبب لعدم رغبتهم في بقاء الغرباء هنا."

هولكان بغضب:

"إذا طردناهما في العاصفة، سنكون قد قتلناهما بأيدينا."

الزعيمة بهمس مرتجف:

"إذن ماذا تقترح؟ أن نخاطر بكل شيء من أجل طفل قد لا يعيش؟"

هولكان لم يُجب فورًا، لكن صمته كان كافيًا ليُشعر ليا أن هذه المحادثة لن تنتهي لصالح الطفل…

في اليوم السادس..

كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة يخفي الغروب ، وكأنها مرآة تعكس حالتها الداخلية. العاصفة الموسمية باتت أقرب، والهواء كان راكدًا على نحو مزعج، كأنه يحبس أنفاسه انتظارًا للحظة الحتمية.

داخل الكوخ الحجري، جلست ليا على الأرض، ظهرها مستند إلى الجدار الخشن بينما تحتضن الرضيع بين ذراعيها. كان جسده الصغير دافئًا بالكاد، لكنه لا يزال يتنفس… لا يزال على قيد الحياة، رغم أن كل شيء يشير إلى أن ذلك لن يدوم طويلًا.

التعب كان يكسو ملامحها. لم تكن واثقة مما إذا كانت مستيقظة أم غارقة في حلم عميق.

كل شيء كان يختلط في عقلها.

الكوخ، الضوء الخافت المنبعث من المصباح السحري، أنفاس الطفل المتباطئة، صدى الرياح في الخارج… كان كل شيء يبدو غير حقيقي.

أكانت لا تزال هنا؟ أم أنها عادت إلى الوراء، إلى ذلك اليوم المشؤوم؟

عندما أغلقت عينيها للحظة، رأت نفسها مرة أخرى، راكعة على الأرض وسط العاصفة الثلجية عندما طردت من عشيرتها، يديها مغطاة بالدماء، وصرخة عالقة في حلقها.صرخة حزن...

لكن عندما فتحت عينيها، لم يكن هناك شيء سوى الطفل في حضنها، ضعيفًا وعاجزًا، تمامًا كما كانت حينها.

أهذا هو العقاب؟

أم مجرد سخرية قاسية من القدر؟

رفعت يدها ببطء، تمسح على رأس الطفل برفق، وعقلها مثقل بالأفكار.

اليوم السادس… ربما يكون آخر يوم له.

كل شيء كان يؤكد ذلك. نبضه كان أضعف من ذي قبل، وجهه كان شاحبًا، وأنفاسه لم تكن مستقرة. لقد حاولت جاهدة، لكنها لم تستطع فعل شيء.

أحاطته بذراعيها بقوة أكبر، كأنها تحاول حمايته من الموت نفسه.

ثم فتح الباب.

لم يكن هناك طرق، فقط دخول صامت محسوب،و مفاجئ.

رفعت رأسها فورًا، وعيناها المتعبة وقعتا على خمسة أشخاص يدخلون الواحد تلو الآخر.

خمسة عجائز، يرتدون أردية رمادية طويلة، تتماشى مع وجوههم الجامدة.

لم تكن بحاجة إلى سؤالهم عن هويتهم، فقد أدركت فورًا من هم.

أعضاء مجلس العشيرة.

ورغم أن المجلس يتكون من سبعة حكماء، لم يكن الاثنان الآخران هنا، ولا حتى الزعيمة.

إذن، ربما لقد جاؤوا دون علمها؟.

أدركت ليا ذلك فورًا، لكن عقلها المتعب لم يكن قادرًا على معالجة مدى خطورة الأمر بعد.

وقف العجائز في نصف دائرة أمامها، وجوههم تحمل تعابير مختلفة—البعض كان ينظر إليها باشمئزاز واضح، بينما آخرون بالكاد أظهروا أي تعبير، كأنها مجرد هواء لا يستحق الالتفات إليه.

لكن ما جمعهم جميعًا كان تلك السلطة الخانقة التي أحاطت بهم، كأن وجودهم وحده قادر على فرض القرار قبل حتى أن يُقال.

لم يتحدث أحد منهم بعد، لكن ليا لم تكن بحاجة لسماع كلماتهم.

لقد أتوا لطردها.

وقف العجائز الخمسة أمامها، تشابكت نظراتهم الباردة فوقها كأنها مجرد بقعة قذرة على الأرض. ليا لم تتحرك، لكن جسدها ارتجف لا إراديًا، كأن البرد اخترق عظامها رغم دفء الكوخ.

ثم تحدث أحدهم، بصوت خافت لكنه كالسكاكين التي تقطع الهواء:

"لقد اطلتي في ارض عشيرتنا. حان الوقت لترحلي."

ارتجفت أصابعها حول جسد الطفل، لكنها لم تقل شيئًا. كانت تتوقع هذا، ومع ذلك… شيء ما في نبرة ذلك العجوز جعل معدتها تنقبض.

"مخلوقة مثلك لا مكان لها هنا. موتك على يد أشباح الشتاء سيكون نعمة."

حاولت ليا التحكم في أنفاسها، لكن صدرها ضاق وكأن الهواء في الغرفة بدأ ينفد.

ثم تقدم عجوز آخر، امرأة هذه المرة، خطوات بطيئة، تنظر إليها كما لو كانت طفيليًا عالقًا على جلد العشيرة.

"تعلمين، نحن نعرف سبب طرد عشيرتك السابقة لكِ."

رفعت ليا عينيها إليها ببطء، نبضها يتسارع مع كل كلمة.

"أنتِ لعنة."

ضاقت عيناها، لكنها لم تستطع النطق بحرف.

"كله كان بسببك… بسببك فقدتِ زوجك و اسرتك الصغيرة."

شعرت وكأن ضربة غير مرئية سددت إلى صدرها.

"هل تظنين اننا سنمنحك فرصة؟....، لكن يبدو أن الحظ السيئ يتبعكِ كظلٍّ و لا نريده ان يتبعنا نحن ايضا كما حصل لهم."

أظلمت رؤيتها للحظة. 'لم يكن الأمر صحيحًا. لم يكن صحيحًا!'

لكن صوت العجوز الآخر تسلل إلى أذنها كهمس قاتل:

"أنتِ السبب، ليا. حتى لو لم ترغبي بذلك، حتى لو لم تفعلي شيئًا… إنه خطأك فإذ لم يكن خطأك فخطأ من ياترى؟."

أحاطت بها الكلمات كأشواك تنغرز في جلدها، وبدأت الغرفة تدور.

الكلمات كانت تنهش وعيها، تقطّعه إلى أشلاء، تدور في رأسها كصدى لا نهاية له.

"أنتِ السبب."

"أنتِ لعنة."

"الموت سيكون رحمة لكِ و لنا."

أرادت أن تتحرك، أن تفعل شيئًا، لكن أطرافها كانت ثقيلة، وكأنها غارقة في بحر من الظلام البارد.

ثم… شعرت بشيء غريب.

وكأن شيئًا ما كان ينهض من أعماقها، بطيئًا، لكنه خطير.

في البداية، كان مجرد همهمة منخفضة، تردد بعيد بالكاد يمكنها سماعه. لكن سرعان ما تحول إلى زمجرة غاضبة، عميقة، كأنها زئير وحش مستيقظ بعد سبات طويل.

ثم… انفتحت عيون فضية في الظلام.

لم تكن عيناها. لم تكن انعكاسًا لها.

لقد كان هناك، داخلها. حيًّا… غاضبًا.

وبلحظة، تحطمت كل الأصوات الأخرى.

توقفت همسات العجائز، اختفت الغرفة، لم يعد هناك سوى الفراغ… وذلك الذئب ذو العيون الفضية، يحدق بها بغضبٍ خالص.

.

.

.

.

.

.

.

يتبع....

2025/03/11 · 35 مشاهدة · 1354 كلمة
ALIS169
نادي الروايات - 2026