كان الغروب ينسج لوحته الأخيرة على الأفق، بينما تحوم الغيوم حول الشمس الذائبة في مياه البحيرة المتجمدة. في البعيد، نشرت الشمس آخر أشعتها الدافئة في ذلك اليوم الطويل.

وفي هذه الأثناء، وصلت "ليا" إلى منزلها بعد رحلة صيد مرهقة. بينما كانت تصعد التل المقابل لباب دارها، لاحظت أن الباب مفتوحًا على الرغم من توصيتها زوجها بإغلاقه جيدًا في مثل هذا الوقت.

اجتاحها شعور سيئ، لكنه لم يكن الشيء الوحيد الذي استقبلها.

رائحة الدم.

كانت قوية، خانقة، تتسلل إلى أنفها كإبرة مسمومة. تحرّك شيء مظلم داخلها، غريزة بدائية، إنذار صامت بأن شيئًا فظيعًا قد حدث.

تقدمت بحذر إلى الداخل، كحيوان مفترس يتشمم الفخ. كان المنزل مظلمًا، يخيم عليه صمت ثقيل كأن الجدران الخشبية تحبس أنفاسها.

انقر.

أشعلت المصباح السحري، فاهتزت لهبته الزرقاء الداكنة كأنها تتردد في كشف الحقيقة.

ثم... رأتها.

في لمحة عين، اختفى المنزل، تلاشى الشتاء، لم يعد هناك شيء سوى الجسد الصغير الممدد على الأرض. في نفس المكان الذي كانت تحتضنها فيه كل يوم بفرح.

انهارت ركبتاها قبل أن تُدرك ما يحدث.

لم تعد تتنفس. لم تعد تفكر. تضاءل العالم حتى لم يعد فيه سوى حقيقة واحدة، كابوس يجثم أمام عينيها.

امتدت يدها المرتعشة، دفعت خصلات الشعر المتصلبة بالدماء عن وجه صغير. وجه تعرفه أكثر من أي شيء في هذا العالم. وجه كان يجب أن يكون حيًا... دافئًا... مبتسمًا.

لكن الطفلة لم تبتسم.

"لا..."

همست الكلمة كأنها صلاة، كأن إنكارها للواقع قد يغيّره. لكن ابنتها لم تفتح عينيها. لم تتحرك. لم تتذمر من البرد كما كانت تفعل دائمًا.

كان يجب أن تكون دافئة... فلماذا كانت باردة؟

"لا، لا، لااااا!"

انحنت عليها محاولة إذابة الجليد الذي تخلل جسدها الصغير. في أعماقها، كانت تعلم أن كل شيء قد انتهى، لكن عقلها رفض الاستسلام. قلبها تمرد على الحقيقة.

"استيقظي، صغيرتي... ماما هنا..."

لكن الواقع القاسي لم يكترث لبكائها. بقيت وحيدة، تحضن جثة ابنتها، بينما كان ابنها جاثمًا في الزاوية. أما زوجها... لم تستطع حتى تمييز جثته.

--

انشقت الظلمة فجأة.

كأن حجابًا غير مرئي قد تمزق، ليظهر ما كان كامنًا طوال الوقت، يراقب في صمت، ينتظر.

ارتجفت جفونها، وعاد وعيها كموجة باردة اجتاحت جسدها، تاركة وراءها رعشة لا علاقة لها ببرد الشتاء.

قبل أن تستوعب ما يحدث، رأتها.

تلك العيون.

فضية بالكامل، تتوهج بلون غريب لا ينتمي لهذا العالم. لا بؤبؤ، لا بياض، مجرد بريق كضوء القمر على سطح بحيرة ساكنة.

لم تكن هذه عينيها.

لكنها تحدق بها من الانعكاس.

لم يكن هذا وجهها.

لم يكن هذا ظلها.

ثم...

ابتسمت تلك العيون الفضية.

ليست ابتسامة دافئة، ولا حتى ساخرة، بل شيء آخر... شيء غير بشري.

تقدم الكيان نحوها ببطء، نسخة طبق الأصل منها تقف على بعد خطوات. ثم جاء الصوت:

صوت بلا جنس، خشن وعميق، يكاد يكون همسًا لكنه يهز المكان.

"قصتكِ مشوقة."

ارتجفت أوصالها.

"لم أتوقع أن تكوني بهذا التشويق."

توقف للحظة، كأن كلماته تتذوق رعبها قبل أن يكمل:

"وأيضًا..."

اتسعت الابتسامة، لكن الدفء الوحيد فيها كان زائفًا، مشوهًا، كضحكة الموت نفسه.

"مثيرة للشفقة."

ثم ضحك.

ضحكة طويلة باردة، مشبعة بسخرية لا نهائية، كأن وجودها مجرد نكتة تافهة.

وفي تلك اللحظة، شعرت به.

الضغط.

ثقل وحشي ملأ المكان. لم يكن مجرد طاقة، بل سلطة مطلقة، سيطرة غاضبة.

ارتجفت ركبتاها. تعثرت أنفاسها، كأن الهواء حولها أصبح سميكًا.

"هذا جيد... فلو لم يكن الأمر كذلك، لكنتُ قتلتكِ وكل من تسبب في إيقاظي."

صوته هادئ، لكن التهديد كان واضحًا كالسيف على العنق.

شعرت برئتيها تنضغطان، كأن يدًا خفية تخنقها ببطء، مستمتعة بمعاناتها.

كانت تختنق.

كان يلعب معها... لمجرد أنه يستطيع.

ولم يكن هذا كل شيء.

تقدم خطوة أخرى، نظر إليها كأنها قمامة لا قيمة لها، عيناه الفضيتان متوهجتان بتعجرف لا حد له.

"والآن... ماذا؟"

توقفت أنفاسها. اسودت رؤيتها...

وأخيرًا، عرفت هوية هذا الكيان.

"إنه أنت؟!... أنت متعاقدي، أليس كذلك؟"

ظهرت على ملامحه المفترضة نظرة مفاجأة.

"هاه؟... يبدو أن لديكِ بعض الذكاء! هذا غير متوقع."

ساد صمت ثقيل، كأن الزمن توقف. وقفت ليا هناك، أنفاسها متقطعة، تحدق في الكيان الذي يحمل ملامحها... لكن بعينين فضيتين خاليتين من الإنسانية.

"أما زلتِ صامتة؟" سأل بنبرة استهزاءية.

أرادت أن تصرخ: "لماذا؟" لكن الكلمات توقفت في حلقها.

ثم... ومضت عيناها للحظة.

تحركت قدماها دون وعي، خطوة واحدة نحو الأمام.

عضت شفتها السفلى، ثم أطلقت زفيرًا حادًا.

انزلقت يدها ببطء إلى جانبها، تقبضت على لا شيء...

"حقًا؟..."

همست لنفسها، صوتها يحمل كل الانكسار.

أغمضت عينيها للحظة... وعندما فتحتهما، كان هناك شيء جديد في نظراتها.

رفعت ذقنها قليلًا، واتخذت تعابيرها صلابة مريرة.

خطوة أخرى، أكثر ثباتًا هذه المرة... حتى وقفت أمامه مباشرة، رأسها منخفض قليلًا، لكن عينيها تتقدان بتحدٍّ صامت.

ظهر بريق غريب في عينيها... ربما دموع، أو ربما وهج غامض يمتزج فيه الغضب بالحسرة، الألم بالصلابة. تساءلت في صمت:

'هل كان هنا طوال هذا الوقت... يراقب فقط؟ يسخر ويلهو بينما كنت أحترق وأكافح؟!'

رفعت رأسها نحوه ببطء - نحو ذلك الانعكاس المشوه لذاتها - وابتسمت. ليست ابتسامة فرح، بل مرارة خالصة.

ثم... في حركة مفاجئة،

أمسكت بياقة ملابسه بقوة أذهلته، وجذبت وجهه نحوها حتى التصقت جباههما. أنفاسها الساخنة تلامس شفتيه حين همست بصوت حاد كشفرة:

"أتعلم ما هو الأسوأ من الضعف والعجز؟"

ظل صامتاً، تضيق عيناه بازدراء.

أكملت بلهجة تقطر سماً:

"أن تملك القوة... ثم تتفرج بينما من يفترض أن تحميهم يموتون." صوتها ارتعش قليلاً. "كانوا عائلتي... هايا... مارس..." توقفت لحظة، عيناها تلمعان بدمعة معلقة. "أما أنت... أليس من المفترض أن تحميني؟"

ارتجف تحت قبضتها. حاول الانسحاب لكنها شدته أقرب حتى كادت شفتاه تلامسان أذنها. صوتها الآن أشبه بهدير محبوس:

"كنت تختبئ هنا؟ تنام؟! بينما كنت أنزف... بينما كان أطفالي يختنقون بدمائهم؟!"

ساقاها ترتجفان من شدة الضغط، لكن قبضتها لم تتراخِ. أما هو، فشفتاه ارتعشتا حين سمع صدى كلمات قديمة يتردد في رأسه:

"أليس من المفترض أن تحميني؟"

لم تمنحه وقتاً للتفكير. زفرت في وجهه:

"لست شريكي... أنت جبان متخاذل!"

جفل كما لو لُكم. لمعة غريبة - أشبه بزجاج محطم - عبرت في عينيه الفضيتين.

"ظننتك رفيق روحي..." هزت رأسه بعنف، "لكنك مجرد نفاية متغطرسة!"

حاول أن يحني رأسه، لكنها أمسكت ذقنه بإبهامها المرتعش. "لا تتهرب. انظر إلي."

عندما رفع عينيه، واجه عينين غائرتين لا تحملان سوى كراهية خالصة. همست بصوت أخفض من حفيف الأوراق، لكنه اخترق صمته كالرعد:

"لن أسامحك... لن أسامحك أبداً. لكن..." توقفت، وكأن الزمن توقف، "...إن كنت حقاً شريكي، فافعل ما يجب عليك... وساعدني."

أفلتت ياقته ببطء. تراجعت خطوة إلى الوراء دون أن تنحني، لكن الدموع خانت أخيراً شموخها.

"...صحح خطأك على الأقل..."

تدريجياً، ذابت غطرسته. تحولت ملامحه من التكبر إلى صمت ثقيل مشوب بالخزي. أخيراً، حنى رأسه - للمرة الثانية في عمره الطويل - وصاحبه صوت مبحوح يخرج من حنجرته:

"حسناً..."

---

خارج وعي ليا...

تجمع أعضاء المجلس العجوز حول الجسد الغارق في مانا، يتجادلون بفظاظة:

"لما لا ننهي حياتها ونريح أنفسنا؟"

"أبلغت الشيخوخة عقلك؟ نحن في معقل هولكان!"

"وهل ما زلت ترتعد من شبحه؟ وا أسفاه على حكمتك المزيفة أيها الأصلع!"

"ومن قال أنني خائف؟!"

"كفاكم! نحن- آغغغ...!"

سقطوا واحداً تلو الآخر - أحدهم مغمىً عليه تحت وطأة طاقة ليا، وآخران يكافحان للتنفس بينما يرتجف كبيرهم واقفاً، عيناه تتسعان أمام شبح الموت الذي يلوح في الأفق...

__________

.

.

.

سأقوم بإعادة كتابة الرواية معها هذه الفصول فهنالك اجزاء لم تعجبني و هنالك سلسة روايات تحمل اسم سلسلة الذهب لا ازال اخطط لها و ابني الحبكة...

..لذا انا اعتذر؟...

2025/05/09 · 28 مشاهدة · 1135 كلمة
ALIS169
نادي الروايات - 2026