الفصل الخمسمائة وستة وثلاثون: اختراق
____________________________________________
بعد انقضاء يوم بليلته، أدرك غو شانغ أخيرًا كنه تلك الطاقة واستخدامها بعد محاولات عدة. كانت طاقة عجيبة حقًا، إذ يمكن تحويلها إلى أي مادة تخطر له ببال. وما دامت أشعة القمر تغمره، فإن تلك الطاقة تتجلى في جسده، وتزداد قوةً كلما طال مكوثه تحت ضيائه، فتصير طوع أمره.
بيد أن الأمر لم يعد مقيدًا بلحظة التعرض لضوء القمر، فبعد ليلة كاملة من البحث والاستكشاف، بات غو شانغ قادرًا على استحضار تلك القوة متى شاء. توجه بعد ذلك إلى ساحة القرية، وقد قضى بالفعل على جميع الأشباح التي كانت تسكنها، وعادت مبانيها المتصدعة إلى هيئتها الأصلية، تمامًا كما أخبره زعيم القرية السابق، الذي لم يكن كاذبًا في وعده.
جلس غو شانغ تحت شجرة وارفة تتوسط الساحة، مستشعرًا في صمتٍ ذلك النبض الخفي للطاقة في جسده. لاحظ أنه كلما تعرض لأشعة الشمس، شعر وكأن تلك القوة تخبو وتُكبح، وهو ما أثار فضوله. للوهلة الأولى، قد يُظن أن هذه القوة ذات طبيعة سلبية أو مظلمة، فكل أمرٍ قويم لا يخشى الظهور في وضح النهار.
لكن مع تَعَمُّقِهِ في استشعارها، لم يجد غو شانغ فيها أثرًا سلبيًا يُذكر. ورغم أن وهج الشمس كان يكبحها نهارًا، إلا أنها كانت لا تزال تحتفظ بنحو ثمانين بالمئة من قوتها الأصلية. وبعد تفكير وجيز، فتح ثغرة في أعماق وعيه، فتدفقت منها شمس الظهيرة الحارقة بجنون، وسرعان ما تحولت تلك الثغرة إلى دوامة هائلة تمتص ضوء الشمس الخارجي بشراهة.
أخذت القوتان تتناوبان على الامتزاج والانفصال في أعماق روحه، بينما ظل غو شانغ يتأمل ويفكر. 'كما توقعت، هذه القوة لا تنبع من ضوء القمر وحده، بل يبدو أنها كانت كامنة في جسدي منذ زمن بعيد. كل ما في الأمر أن التعرض لضوء الشمس والقمر يوقظ قوتين مختلفتين فحسب'.
وبفضل معارفه السابقة، أحكم غو شانغ سيطرته تمامًا على الطاقتين في وقت وجيز. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بات قادرًا على تحويلهما أو حتى دمجهما كما يشاء، ليطلق العنان لقوة أشد بأسًا. والأهم من ذلك أنه اكتشف بعد دمجهما قدرته على امتصاص طاقة الشمس باستمرار، مما جعل القوة الكامنة في روحه تنمو باطراد.
فإن كانت في السابق أشبه بنهر صغير، فقد صارت الآن ثلاثة أنهر. ولم تكتفِ بذلك، بل أخذت تلك الأنهر الثلاثة تتوسع وتتمدد باستمرار نحو ما يجاورها، وبدا أنها لن تحتاج وقتًا طويلًا حتى تندمج وتتوحد كليًا.
وبمجرد خاطرة، استخدم غو شانغ تلك القوة ليشكل طائرًا صغيرًا في راحة يده، ثم نفخ فيه برفق، فما كان من الطائر إلا أن رفرف بجناحيه وحلّق عاليًا في السماء. كان هذا هو المخلوق الثاني الذي يراه في هذا العالم، والأهم أنه كان من صنع يديه. لم يكد يصدق أنه على الرغم من ضعفه الحالي، يمتلك مثل هذه القدرة على الخلق.
والأكثر من ذلك، أن هذا المخلوق كان قادرًا على الاندماج كليًا مع قوانين هذا العالم دون أي تنافر. كما أنه امتلك قدرًا ضئيلًا من الذكاء، ورغم أنه لا يقارن بالوحوش في الخارج، إلا أنه كان قادرًا على النمو والتطور باستمرار.
'إن قوة الخلق هذه تبعث على البهجة حقًا'. هز غو شانغ رأسه وانصرف إلى عمله الجاد. تدفقت القوة الكامنة في عقله بجنون أمامه، وتجسدت في هيئة خنجر حاد امتد برفق نحو الأسفل، ليشق الهواء أمامه في لحظة.
دوى صوت حاد نافذ، واتسع الشق بسرعة هائلة، وانبعثت منه رياح كئيبة. وما إن هبت تلك الرياح حتى بدا العالم أمامه وكأنه يُطلى باللون الأبيض، فصار كل شيء يتحول إلى البياض شيئًا فشيئًا تحت هبوبها، ولم يبقَ سوى غو شانغ بثيابه الأصلية، فكان منظره لافتًا للنظر وسط ذلك البياض الناصع.
مد غو شانغ يديه ببطء، وركّز إرادته مستخدمًا القوة الكامنة في روحه ليوسع الشق بعنف. 'جيد جدًا، هذه القوة هي بالفعل سبيل الخروج من هذا المكان'. واصل تمزيق الفضاء أمامه، وسرعان ما تحول الشق إلى باب خشبي أسود شاهق يضاهي طول قامته.
لم يبقَ في هذا العالم سوى ذلك الباب وهو، فكل ما عداهما قد تحول إلى بياض نقي لا تشوبه شائبة، يبدو ساميًا ومهيبًا. لم يتردد غو شانغ، وخطا عبر الباب الأسود ليخرج. لكن في تلك اللحظة، قطّب حاجبيه بقلق، فقد داهمه ظلام حالك لا حدود له، وسرعان ما غاب عن الوعي.
ورغم أنه استنفر كل القوة الكامنة في روحه، لم يستطع أن يحافظ على ذرة من وعيه. كان ذلك الظلام طاغيًا، وبقوته الحالية، لم يملك أي وسيلة لمقاومته. "خش... خش...". "شوش...". حين فتح عينيه مجددًا، وصلت إلى مسامعه سلسلة من الأصوات الغريبة.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل شعر برطوبة لزجة تغطي وجنتيه، وأحس بألم حارق في جلده، وكأن شيئًا ما يتآكله. كان الظلام لا يزال يلف كل شيء من حوله، وتملأ المكان رائحة كريهة مقززة. تجمد غو شانغ في مكانه لبرهة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح حيرة واستغراب.
وفي اللحظة التالية، استدعى القوة الكامنة في عقله مجسدًا إياها في هيئة نصل ضخم. أمسك بمقبضه وطعن به إلى الأمام بكل قوته. دوى زئير عنيف، وبدأ الفضاء المحيط به يهتز بعنف. استغل غو شانغ الفرصة وواصل التلويح بالنصل، ومزق وسط الصرخات كل العوائق التي تعترض طريقه، ثم قفز خارجًا.
وبعد أن ثبت قدميه على الأرض، نظر إلى ضوء القمر الساطع فوقه وأومأ برأسه بارتياح. وفي اللحظة التالية، استدار ببطء وجالت عيناه على المخلوق الهائل الذي يقف أمامه. كان الأمر كما خمّن تمامًا، لقد كان قبل قليل في جوف أحد المخلوقات.
لحسن حظه أنه استيقظ في الوقت المناسب، وإلا لكان قد هُضِم بالكامل لو بقي هناك لوقت أطول. لم يكن بحثه في تلك الطاقة متعمقًا بعد، فكل ما يستطيعه هو تجسيد المواد في هيئتها البسيطة، دون أن يتمكن من إضافة خصائص متنوعة لنفسه. لو أنه مات هنا حقًا، لكان كل ما يسعى إليه قد انتهى في لحظة.
'ما كُنه ذلك الظلام...'. طوال حياته، كانت تلك هي اللحظة التي شعر فيها بالعجز المطلق. أمام ذلك الظلام، وقف غو شانغ عاجزًا تمامًا عن المقاومة. بالطبع، كانت المشكلة الرئيسية تكمن في ضعفه الشديد في الوقت الحالي.
'لقد أفقدني عقلي وروحي ووعيي، وأجبرني على نوم عميق، سلبني إدراكي بالكامل'. كان من الواضح أن ذلك الخصم، أيًا كان، ليس شيئًا يمكنه مجابهته الآن. هز غو شانغ رأسه، وبدأ يتفحص البيئة من حوله. لم يبدُ هذا الفضاء كالعالم الذي كان فيه عندما وصل أول مرة، بل كان أشبه بفضاء خاص آخر، تمامًا مثل القرية السابقة.