الفصل الخمسمائة وثمانية وثلاثون: تقصي الحقيقة
____________________________________________
لم ينقطع سعي غو شانغ عن تقصي حقيقة هذا العالم وهو يخوض غمار معاركه، فقد كانت الطريقة المثلى لمغادرة عالمه السابق هي استغلال طاقته الكامنة لشق بوابة عبور. وقد جرّب الأمر مجددًا، ليتأكد له أنه قادر بالفعل على الرحيل بذات الوسيلة، فأدرك حينها أن هذه الأدغال التي يتيه فيها تنتمي إلى ذات النوع من الفضاء الذي حوى القرية السابقة.
كان هذا المكان يعج بالوحوش، وبمساحته التي لا نهاية لها، بدا موطنًا مثاليًا لنمو جسده وتقوية بنيانه، لذا لم يكن في عجلة من أمره لمغادرة هذا الفضاء. ومع استمراره في القتل، تراكمت خبرته وتصاعدت قوته بيسر وسهولة، حتى وصل إلى مرحلة تجاهل فيها تمامًا تلك الوحوش الهامشية التي لا قيمة لها ليرفع من وتيرة تقدمه.
عمد إلى تحويل أعداد هائلة من الكائنات الطائرة، وأطلقها لتمشيط الأرجاء بحثًا عن أهداف مناسبة، ثم ينقض عليها هو بنفسه ليقتلها. كان هذا الأسلوب في الهجوم المحكم أسرع وأكثر فاعلية من الهجمات العشوائية واسعة النطاق، مما سمح له باصطياد الوحوش الكبرى دون إضاعة وقته الثمين.
وبعد انقضاء اليوم السابع على دخوله هذا الفضاء، وصل غو شانغ برفقة سربه الكبير من الطيور إلى جدار أزرق مهيب. لقد أسفرت سبعة أيام بلياليها من القتل المتواصل عن تحسن هائل في خبرته، حتى بلغت قوته في هذه اللحظة حد المئة ضعف، كما أن رحلته السريعة قادته إلى ما بدا أنه نهاية العالم.
خلفه، كانت لا تزال تمتد ذات الأدغال بكائناتها المألوفة، بأشجارها الباسقة وطيورها ووحوشها وحشراتها الطائرة التي تظهر بين الفينة والأخرى. غير أن قتله الدقيق قد قلّص أعداد الوحوش الضخمة بشكل ملحوظ، ولم يتبق سوى تلك الوحوش الهامشية الصغيرة التي لا حصر لأعدادها.
أما أمامه، فقد انتصب جدار أزرق غريب، مشيّد من قوالب طوب زرقاء، يمتد إلى ما لا نهاية على كلا الجانبين، حتى إن بصره لم يستطع إدراك نهايته رغم قدراته الحالية. مد يده اليمنى وتحسسه برفق، فشعر بملمس حقيقي تمامًا، لا أثر للوهم فيه، كأي جدار من الطوب العادي، لكن بلون مختلف.
بعد أن تفحصه قليلًا، فقد غو شانغ اهتمامه بهذا المكان، ولوح بيده مطلقا عددًا لا يحصى من الشفرات الحادة التي انبثقت من جسده. كانت تلك هي طاقته التي دأب على تجميعها طوال سبعة أيام بلياليها، وقد كانت كافية ويزيد. انطلقت الشفرات كالريح العاتية، وحصدت معظم الكائنات التي أمامه، لكنها لم تمنحه سوى نسبة ضئيلة جدًا من الخبرة.
مع تزايد قوته، أصبحت الوحوش القادرة على منحه دفعة حقيقية نادرة الوجود. فتأمل في نفسه وهو يستشعر القوى المختلفة التي تسري في جسده، 'يبدو أن حد المئة ضعف هذا يمثل مستوى عظيمًا بحد ذاته'. ما زال التحسن يقتصر على قوته الجسدية وحدها، دون أن يمتزج بأي طاقة خاصة.
كان مظهر الطاقة الوحيد الذي يملكه هو ما يخزنه في جسده، ولم يزد المخزون إلا بفضل قتله المتواصل لسبعة أيام. ورغم أن قدراته لا تزال محدودة، ولا يمكنه تجسيد أشياء غريبة ومعقدة، إلا أنه كان قادرًا، بالاعتماد على خبرته، على توظيف هذه الطاقات لإنجاز بعض الأمور المدهشة، إذ يمكنه تحويلها إلى أي مادة يتخيلها ما دامت في حدود المستويات العادية.
'لقد حان وقت الرحيل من هنا'. كانت قوة المئة ضعف هي القوة الأعظم في جيش البشر، وإذا لم تطرأ أي مفاجآت، فإن الخروج بهذه القوة سيعزز من سلامته في العالم الخارجي بشكل كبير. لكنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان سيصل إلى العالم الحقيقي بعد مغادرة هذا الفضاء.
وبحركة من عقله، استعاد كل المواد التي جسدها بطاقته، وفي الوقت ذاته، شرع في استخدامها بصمت لفتح تلك البوابة التي اعتادها. وما إن عادت كل الطاقة إلى جسده، حتى انشقت البوابة أمامه بالكامل. وكما حدث في القرية السابقة، في اللحظة التي ظهرت فيها البوابة، غطى بياض ناصع العالم بأسره، أو ربما أعيد رسمه من جديد.
دون أي تردد، خطى غو شانغ بقدميه وعبر إلى العالم الذي يكمن خلف البوابة. وفي اللحظة التالية، اجتاحته ظلمة لا نهاية لها، وسرعان ما فقد وعيه بالكامل. لكنه في غمرة تلك الغيبوبة، لمح عينًا ضخمة، كانت عينًا عمودية تشبه عينًا ثالثة تتوسط الجبين، يغلب عليها اللون الأزرق الداكن، عدا بؤبؤها الذي كان أبيض ناصعًا.
"استيقظ، استيقظ!"
"لقد أفاق!"
عندما عاد إليه وعيه مرة أخرى، اخترقت أذنيه صيحات فرح وبهجة. فتح عينيه ببطء ليرى العالم من حوله بوضوح، فكان أول ما قابله وجه بريء الملامح، أدرك من تفاصيله الدقيقة أنه يعود لفتاة. كانت الفتاة تنظر إليه بحماس شديد، تردد كلمات مثل "استيقظ" و "أفاق" دون توقف.
أدار غو شانغ رأسه، ليجد نفسه في كوخ من القش، بدا أثاثه قديمًا وباليًا. دل هذا المشهد على أن مستوى الإنتاج هنا متخلف للغاية، بل وأقل تقدمًا من العالم الذي عبر إليه سابقًا، حتى إن ملابس الفتاة كانت مصنوعة من جلود الحيوانات، وقد فاحت منها رائحة سمك خفيفة.
قطب حاجبيه قليلًا، ثم استند على كومة القش خلفه وجلس ببطء. وفي تلك اللحظة، علت أصوات خطوات متسارعة، ثم هرع إلى جانبه عدة رجال طوال القامة، مفتولو العضلات، يرتدون جلود الحيوانات، وينظرون إليه بلهفة وشوق.
قال الرجل في منتصف العمر الذي كان يتصدرهم بنبرة متأثرة: "لقد استيقظت أخيرًا، انتظرناك طويلًا!". كان يرتدي جلد حيوان أبيض، وعلى رأسه تاج مصنوع من أغصان الشجر، مما منحه مكانة رفيعة. أما الفتاة، فكانت تتشبث بذراعه بكلتا يديها، ويبدو من هيئتهما أنهما إما أخ وأخت، أو أب وابنته.
'لقد انتظرتموني طويلًا...' ردد غو شانغ الكلمات في صمت. وبعد أن استشعر الفارق الهائل في القوة بينه وبينهم، لم يعد هناك داعٍ لإخفاء أي شيء. سأل مباشرة: "آمل أن أحصل على كل المعلومات التي أريدها، وأعتقد أنكم تعرفون ما أود معرفته".
كانت كلماته مبهمة، لكن كل من في الكوخ فهم مقصده. انحنى الرجل في منتصف العمر بصمت، ثم جثا على ركبتيه وقال بخشوع: "أيها الرسول المبجل، يا سيدي، أنت المبعوث الإلهي الذي أُرسل لإنقاذنا!".
"لقد انتظر عرقنا قدومك هنا لثلاثة آلاف عام".
"نحييك يا سيدي الرسول!".
وما إن تحرك الرجل، حتى جثا كل من حوله على ركبتيهم في ذلك الكوخ الصغير، وبدأوا يتلون على مسامع غو شانغ كلمات إيمانية بنبرة متعصبة للغاية. وبعد أن استمع لبضع كلمات، هز غو شانغ رأسه برفق وقال: "لا أحب الاستماع إلى الهراء". ثم نهض بصمت وهو يتحدث، واستهلك بعض طاقته لتتحول إلى مجموعة جديدة من الثياب كسته على الفور.