الفصل الخمسمائة والستون: غدرٌ
____________________________________________
لقد كان نظام التدريب في هذا العالم ذا طبيعة خاصة وفريدة، وهو أمرٌ أدركه غو شانغ حين علم أن تجاوز الأسرار يتطلب مراقبة ما يُدعى بالإحساس الباطني. إذ كانت هناك علاقة وثيقة لا تنفصم بين ارتقاء القوة وسلالة الدم التي تجري في العروق، فالانتماء إلى نسل مباشر لأحد الأقوياء يمنح المرء طبعًا مؤهلات أصلب وأقوى.
ولهذا السبب عينِه، حُرم أبناء العامة من أي فرصة لبلوغ ذروة القوة في هذا العالم، إذ كانوا يفتقرون إلى تلك السلالة الدموية الموروثة التي تفتح أبواب المجد. فإذا امتلك المرء ما يكفي من المؤهلات والفهم، فقد يحالفه الحظ لاختراق عالم الاتصال بالغموض، أما عند بلوغ مرحلة تركيز الروح، فلا يغني الفهم شيئًا، مهما بلغ من عمق وقوة.
إذ يستحيل تجاوز هذا القيد عنوة، فكل قويٍّ في عالم تركيز الروح لا بد أن تجري في عروقه دماء سلف له من نفس العالم. حتى غو شانغ نفسه وجد أنه عاجز عن الارتقاء في ظل هذه القوانين الصارمة، لكن من حُسن الطالع، لم تكن تلك معضلة مستعصية في هذا العالم، إذ يمكن إتمام هذا التحول عبر طريقة تُعرف بتبديل الدماء.
وفيها يُستبدل دم المرء بكمية وافرة من دماء أحد خبراء عالم تركيز الروح، وحينها يصبح اختراق العوالم أيسر بكثير بعد اكتساب تلك السلالة. ولكن مع هذا، فإن الاختراق الفعلي لعالم تركيز الروح يظل محفوفًا بشروط عديدة، من بينها مورد بالغ الأهمية يُدعى حجر التركيز.
بيد أنه مع مرور الزمن، واندلاع الصراعات الخفية بين الممالك الأربع، استُهلك هذا المورد الثمين بسرعة فائقة. حتى باتت أحجار التركيز في السنوات الأخيرة نادرة الوجود في العالم بأسره، وصار يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، مما أدى إلى تناقص مستمر في أعداد خبراء عالم تركيز الروح، وهو منحى يزداد خطورة يومًا بعد يوم.
ولم يكن تجاوز عقبة حجر التركيز وتحقيق الاختراق بالأمر الهين على الإطلاق، فقد كانت متطلباته من الممارسين بالغة الصرامة. ولقد كانت أفعال غو شانغ على مر السنين، مقرونة بمؤهلاته الاستثنائية، هي ما دفعت رهبان معبد أسلاف دالي العجائز إلى اتخاذ قرارهم الحاسم بجعله واحدًا منهم.
ولم يخلُ قرارهم ذاك من مجازفة، فهم لم يكونوا على يقين من قدرته على تحقيق الاختراق المنشود. وفي الوقت نفسه، واتقاءً لغدره أو تسريبه لأسرارهم، اتخذوا استعداداتهم. ففي هذه اللحظة بالذات، كان ثمة خبراء كُثر يتربصون به في الخفاء، يراقبون كل حركة من حركاته.
وما إن يبدر منه أي تصرف يوحي بتسريب الأسرار، حتى يندفعوا لقتله في الحال. بيد أن قدرة هؤلاء الأسياد على التخفي لم تكن بتلك القوة، فقد شعر غو شانغ بوجودهم حتى قبل أن يشرع في تدريبه. وبدأ يتمتم بالتعويذة في صمت، مستغرقًا في تدريبه بكل جوارحه.
لقد مكنه عقله الصلب، وفهمه العميق، وخبراته المتعددة في التدريب، من إدراك جوهر هذه التقنية في لمح البصر. ومع استمراره في تلاوة التعويذة، أخذ التنين الذهبي الذي يحوم فوق رأسه يزداد توهجًا وبريقًا، وشيئًا فشيئًا، بدأ غو شانغ يشعر بتغيرات إيجابية تحدث في جسده.
وفي تلك اللحظة بالذات، دوى صراخ مفاجئ، ثم رُكل الباب الخارجي بقوة، واندفعت عشرات الظلال إلى الداخل، مطوقة غو شانغ من كل جانب. كانوا جميعًا يرتدون أردية رهبان معبد أسلاف دوان في دالي، وقد حُلقت رؤوسهم، مما دل على أنهم من عائلة دوان.
برز من بين الحشود شاب يافع حاد الملامح، ذا عينين كأنهما نجمتان، يرتدي رداء كاسايا أزرق فاتحًا. نظر بفضول إلى التنين الذهبي فوق رأس غو شانغ ثم قال بازدراء: "لم أتوقع أن تصل إلى هذه المرحلة حقًا".
ثم تابع بصوتٍ جهوري: "لا يجوز تدنيس الدماء الملكية. لقد اختارك أولئك الشيوخ البائسون رغم رفضي، فيا له من أمر محزن لدالي! في هذا العالم، وحدهم من ينتمون إلى سلالة دوان الأصيلة في دالي من يستحقون بلوغ مرتبة الآلهة".
كانت تعابير وجهه تتغير باستمرار وهو يتحدث، وبعد أن أفرغ ما في صدره من مشاعر متضاربة، صر على أسنانه وأطلق أمره القاطع: "اقتلوه!".
وما إن انطلقت كلمته، حتى انقض الرهبان الواقفون حوله في هجوم شرس. لكن غو شانغ ظل جالسًا في مكانه، لا يتزحزح، كالجبل الشامخ، تركهم يصبون عليه هجماتهم بكل ما أوتوا من قوة. فقد علت ثيابه طبقة رقيقة من بخار الماء، شكلت درعًا منيعًا صدّ كل ضرباتهم.
وبعد مرور أكثر من عشرة أنفاس، كان غو شانغ لا يزال جالسًا متربعًا على الأرض، لا أثر للذعر على وجهه، ولا خدش واحد على جسده. عندها، لم يعد الراهب الشاب ذو الرداء الأزرق قادرًا على الاحتمال فصاح بغضب: "مهما كانت مؤهلاتك، فأنت مجرد نملة أمام قوة عالم تركيز الروح!".
وبعد أن رأى بأم عينيه القوة الحقيقية لـ تشانغ غو دان، ازدادت مشاعره هياجًا. رفع يده اليمنى ببطء، وفي اللحظة التالية، ومض ضوء في راحة يده، ثم ظهر فجأة جندي هيكل عظمي يبلغ طوله مترين، يحمل فأسين حربيين ضخمين، واندفع بجنون نحو غو شانغ.
ولكن في اللحظة الحرجة، أشرق شعاع خافت من الضوء، وعلى إثره، تحول الهيكل العظمي الذي يحمل الفأسين إلى شظايا في طرفة عين. بدا الذهول على وجه الراهب الشاب، ثم علت وقع أقدام ثقيلة، ودخلت هيئة عجوز عبر الباب المحطم، ووصلت إلى غرفة تدريب غو شانغ.
"أنا آسف للغاية يا زعيم العصبة تشانغ" قال العجوز، "لقد أسأتُ التربية، وكان تلاميذي الصغار مندفعين أكثر من اللازم. أرجوك ألا تؤاخذهم".
لم يكن هذا العجوز سوى رئيس الدير العجوز الذي عقد الصفقة مع غو شانغ. نظر إلى الراهب الشاب بوجه صارم، وفجأة، تفجرت الهالة من جسده، وتموج رداؤه قليلًا، وانبثقت منه قوة خفية. فسقط العديد من الممارسين المحيطين بالراهب الشاب على الأرض، وقد شحبت وجوههم واتسعت حدقات أعينهم، كأنهم رأوا مشهدًا مروعًا.
وبعد أن قضى رئيس الدير العجوز على هؤلاء الرجال، صفع الراهب الشاب بيده، فألقاه أرضًا. ثم أخرج مسبحة بوذية من ثيابه ودسها في جسد الراهب الشاب، ومع امتداد قوة خاصة، تبددت القوة الهائلة لديه في لحظة، وتحول مباشرة إلى شخص عادي.
نظر رئيس الدير إلى غو شانغ الذي كان يتدرب مغمض العينين، وانحنى له باحترام ثم قال: "يا زعيم تشانغ، كل هذا خطئي. لقد ألغيت تدريبه، حتى لا يتمكن من مهاجمتك مرة أخرى في حياته القادمة". ثم استدار بصمت وسار نحو الخارج.
أما الراهب الشاب الملقى على الأرض، فقد طفا في الهواء رغماً عنه وتبع رئيس الدير عن كثب. وبينما كان يغادر، استخدم قدرته لإعادة ترتيب الحطام المتناثر على الأرض. وعندما خرج من غرفة التدريب، كانت الأنقاض أمام الباب قد عادت إلى حالتها الأصلية، ووحدها الجثث الملقاة كانت تخبر بأن شيئًا جللًا قد حدث هنا.
وبينما كان رئيس الدير العجوز على وشك مغادرة الفناء الصغير، ظهرت أمامه قطرة ماء فجأة. ثم سرعان ما تضخمت القطرة، وتحولت إلى عملاق مائي له هيئة بشرية، وجاء صوت غو شانغ من العملاق: "يا رئيس الدير، إن فعلك هذا يخلو من المروءة".