الفصل السبعمئة والخمسة والخمسون: وصولٌ أول (الجزء الرابع)
____________________________________________
في تلك اللحظة، لم يكن غو شانغ ليدرك بعد كنه العالم الذي وجد نفسه فيه، عالم المستوى الرابع، فكان كل همه منصبًا على امتصاص الطاقة لتقوية ذاته. بدا له في قرارة نفسه أن هذا العالم يشبه إلى حد بعيد ذلك العالم السري الذي ولجه قديمًا، إذ استشعر ضيق فضائه وصغر مساحته.
مرّت عشر سنوات كلمح البصر، وخلالها، ومع تدريبه المتواصل، امتلأت نواة الظلام في عقله عن آخرها. كانت كل الطاقة التي اختزنتها مستمدة من جوهر القمر وحده. ورغم أنه كان يستشعر وجود جوهر الشمس، إلا أنه لم يكن يمتلك بعد القدرة على امتصاصه أو صقله.
في بادئ الأمر، كان يخطط لمزج جوهر القمر مع الطاقة العادية، لكن مع مواصلته للتدريب، أخذت غريزة جسده تنبئه بأن امتصاص جوهر القمر بالكامل سيجلب له منافع عظيمة لا تُحصى. 'اكتملت طاقتي، وقد حان أوان تطور جديد.' هكذا حدّث نفسه وهو يشعر بمزيج من الترقب والحماس.
لم يكن التطور سوى سبيلٍ لفتح أبواب الذكريات الموروثة واكتساب مهارات السلالة الدموية. ومع امتلاء نواة الظلام واستمرار نبضها، تدفقت إلى عقله دفعة من المعلومات الجديدة على نحوٍ غامض. 'إذن، هكذا هي مراتب عالم التدريب في هذا المكان.' ثم أضاف في نفسه بدهشة خفيفة، 'وما يثير الاهتمام أن مهارات سلالتي الدموية تعتمد على الاستدعاء.'
وفي غضون ثوانٍ معدودة، ورغم جهله بتفاصيل العالم الذي يقبع فيه، فقد أضحى على دراية تامة بنظام التدريب المتبع. ينقسم هذا النظام من الأضعف إلى الأقوى إلى تسع مراحل، وهو الآن قد بلغ لتوه الطور الأول منها. ومع كل اختراق لمرحلة جديدة، تنفتح أمامه المزيد من المهارات الموروثة وتُكشف له مهارات جديدة خاصة بسلالته الدموية.
وبعد أن اخترق الطور الأول، طرأت على جسده تحولاتٌ ملحوظة، فقد نما طوله ليبلغ خمسة أمتار، ونبت في فمه صفٌ آخر من الأسنان الحادة، كما ازدادت حراشفه صلابةً، مما عزز قدرته القتالية بشكلٍ عام.
لكن الأهم من ذلك كله هو تضخم نواة الظلام في عقله لأكثر من عشرة أضعاف، وكأنها ينبوع طاقة لا ينضب يمكنه التوسع باستمرار. علاوة على ذلك، أصبح بإمكانه بعد بلوغه هذا الطور استخدام جوهر القمر لتنفيذ بعض الوسائل المساعدة الشائعة، كالتركيز في الهجوم، أو الطيران، أو حتى التخفي تحت الأرض.
كانت مهارته الجديدة هي استدعاء الهياكل العظمية، وهي القدرة التي اكتسبها بعد اختراق الطور الأول. وبموجبها، يستطيع استدعاء الجثث الهامدة لتقاتل من أجله كهياكل عظمية تحتفظ بأفكارها الأصلية، بل وتتضاعف قدرتها القتالية بعد تحولها.
لم يكن هناك أي قيود على عدد من يمكنه استدعاؤهم، فما دامت الجثث متوفرة، كان بوسعه مواصلة الاستدعاء بلا توقف. صحيح أن كل عملية استدعاء تتطلب قدرًا ثابتًا من جوهر القمر، لكن بالنسبة لغو شانغ الذي يمتلك مصدر طاقة لا ينضب، لم يكن هذا الأمر ليشكل أي عائق على الإطلاق.
لطالما توفرت الجثث، كان بإمكانه في أي لحظة أن يشكل جيشًا جرارًا من الهياكل العظمية ليقاتلوا نيابة عنه.
تحرك غو شانغ حتى وصل إلى شجرة بعينها، ففي هذا المكان بالذات كان قد لقي شقيقاه حتفهما. ورغم أنه التهم جسديهما، إلا أنه دفن عظامهما التي لم يستطع هضمها تحت هذه الشجرة.
أغمض عينيه وهمس بكلمة واحدة، فانتفض قلبه معها. وعلى حين غرة، ظهر أمامه هيكلان عظميان ضخمان لأفعيين بأربعة قرون، بنفس هيئته تمامًا. كانت ألسنة اللهب الخضراء تتقد في محاجر أعينهما، مما أضفى على المشهد غرابة تفوق الوصف.
صاحا في انسجام تام: "يا سيدنا!" ثم نظرا إليه وكأنهما قد تلقيا معلومات جديدة في تلك اللحظة، فقد كانا قادرين على التواصل معه بفاعلية!
شعر غو شانغ بارتياح كبير، فوجود أتباع يمكنه التواصل معهم بوضوح سيجعل مهمته القادمة أكثر سلاسة. أصدر إليهما أمره قائلًا: "اذهبا واستكشفا هذا العالم بأسره، وابحثا عن أي كائنات حية أخرى." ثم عاد إلى موضعه الأصلي، وجلس مواصلًا امتصاص جوهر القمر.
مر الزمن دون توقف، ومضى مئتا عام منذ أن بُعث غو شانغ في هذا العالم. قضى مئة وتسعين عامًا منها في تدريب متواصل، فلم يجد في ذكرياته الموروثة ما يشير إلى عمر محدد أو مؤهلات معينة، لذا تجاهل الأمر برمته وواصل تدريبه بلا كلل. وبعد انقضاء تلك المدة، تمكن أخيرًا من اختراق الطور الثاني.
تدفقت في جسده قوة أعظم من ذي قبل، وتضاعف حجمه من خمسة أمتار إلى عشرة، كما توسعت نواة الخوف في عقله عشرة أضعاف. وفوق كل ذلك، استيقظت لديه مهارة سلالة دموية ثانية، ألا وهي "التحفيز".
كانت هذه القدرة شبيهة بتلك التي امتلكها سابقًا والتي تحول النباتات إلى أسلحة، إذ يمكنه من خلالها تحويل أي نبات إلى كائن حي يمتلك وعيًا خاصًا به. قوة تلك النباتات المحفزة تتناسب طرديًا مع مدة وجودها، وبعد تحولها، تتخذ أشكالًا متنوعة لا تقتصر على الهيئة البشرية، وتؤمن به إيمانًا مطلقًا، وتعتبره محور وجودها.
'مثير للاهتمام، طوران وقدرتان، وكلتاهما تزيدان من عدد أتباعي.' فكر غو شانغ بعد أن استوعب كل شيء، وشرع على الفور في اختبار قدرته الجديدة بجنون. مستغلًا ما يملكه من جوهر القمر الذي لا ينضب، بدأ بتحفيز كل ما وقعت عليه عيناه من زهور ونباتات وأشجار تملأ الجبال والسهول.
بعد عشر دقائق، ظهر أمامه مئات الكائنات الغريبة ذات الأشكال المتباينة. فتحولت شجرة صفصاف إلى أفعى خضراء صغيرة، ونمت من عشبة برية نسر أسود، ومن مجموعة فطر بطريق صغير. كان تحول كل جنس من النباتات ثابتًا، إذ لا يمكنه التحول إلا إلى جنس واحد فقط من الكائنات.
أصابته الدهشة وهو يراقب هذا المشهد، حتى اكتشف أخيرًا أن نبات اللبلاب هو الوحيد الذي يمكنه التحول إلى هيئة بشرية. والأمر الأكثر إثارة للدهشة، أن فترة وجود هذه الكائنات كانت قصيرة جدًا، بل مطابقة تمامًا لعمره هو، فقد وُجدت منذ مئتي عام كاملة، وكأنها قد وُلدت معه في هذا العالم في اللحظة ذاتها.
على مدار مئتي عام، تأكد غو شانغ تمامًا من خلال هيكليه العظميين أن الفضاء الذي يعيش فيه محدود بالفعل، فمساحته الإجمالية لا تتجاوز المليون متر مربع. لقد استغرق عامين كاملين وهو يحفز الكائنات باستمرار، حتى حوّل معظم النباتات في هذا الفضاء إلى مجموعات سكانية مختلفة.
كانت الحيوانات العاشبة هي الأكثر عددًا، تليها الحيوانات آكلة اللحوم، أما البشر فكانوا الأقل عددًا على الإطلاق، إذ لم يتمكن من تحفيز سوى خمسة آلاف منهم خلال عامين. بعد أن انتهى من تحفيز مختلف الحيوانات التي يألفها، توقف عن ذلك وتركها تتطور من تلقاء نفسها، دون أن يتدخل في السلسلة الغذائية مطلقًا.
لاحظ غو شانغ أمرًا مثيرًا للاهتمام، فمع زيادة عدد الكائنات في هذا الفضاء، بدأت مساحته الكلية تتوسع أيضًا. لم يستطع فهم منطق هذه الظاهرة، فهل يحدد عدد الكائنات الحية حجم الفضاء؟ لم يجد في الأرض التي وُلد فيها أي فائدة له، فقد كانت قاحلة تمامًا. 'فلتتطور بنفسها إذن.'
بعد أن فقد اهتمامه بهذه الكائنات، عاد غو شانغ إلى موضعه الأصلي، واستخدم قدراته ليحفر لنفسه قصرًا فسيحًا داخل كهف ضخم. جلس أمام مدخل الكهف، مواصلًا امتصاص جوهر القمر كل يوم ليزيد من قوته.