الفصل السبعمئة وثلاثة وتسعون: حلمٌ متقدم
____________________________________________
لم يكن ما يُعرف بالحلم المتقدم يمتلك أي قوة خارقة للطبيعة، بل كان مجرد حلمٍ أشد اكتمالًا من حلم تشو شينغ تونغ. وبعد أن اجتاز غو شانغ سلسلة من الإجراءات المعقدة، فتح أخيرًا بوابة الحلم وولج إلى داخله.
وجد نفسه وسط غابة جبلية محدودة المساحة، تكسوها أشجار الصنوبر الباسقة. كانت الأرض جافة بعض الشيء، مغطاة بطبقة من إبر الصنوبر الندية، بينما كانت حيوانات شتى تجوب الأرجاء وتتخذ من الغابة مأوى لها.
تفحّص غو شانغ محيطه، لكنه لم يعثر على صاحب الحلم، وهو ما أثار في نفسه شيئًا من الحيرة. فمن المتعارف عليه أن الحالم هو بطل حلمه، يختبره بذاته ومن منظوره الخاص.
تساءل في قرارة نفسه: 'من ذا الذي يرى حلمًا لا وجود له فيه؟' ورغم حيرته، لم يتردد، بل شرع على الفور في البحث عن موقع روح الحلم في هذا العالم الغريب. وسرعان ما استقر بصره على شجرة ضخمة تعتلي قمة الجبل.
كانت شجرة صنوبر هي الأخرى، يبلغ نصف قطر جذعها مترين أو ثلاثة، وتُعد أضخم شجرة في الجبل بأسره. لم يتقدم غو شانغ نحوها بتهور، بل آثر أن يتجول في المكان أولًا ليتأكد من حدود أرض الأحلام هذه.
فحلم تشو شينغ تونغ لم يتجاوز الطابق الأول من المكتبة، أما هذه الغابة الجبلية فكانت تفوقه حجمًا بمرتين أو ثلاث على الأقل. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت تأوي أعدادًا كبيرة من الحيوانات التي بدت ذات طبيعة فريدة وغير عادية.
بدأ غو شانغ رحلة صعوده، وبعد عشر دقائق بلغ أخيرًا قمة الجبل. وقف أمام الشجرة الضخمة، ووضع يده على جذعها، متحسسًا إياه بعناية في محاولة لتحديد موقع روح الحلم بدقة.
وللأسف، كان قد استنفد كل قوة أحلامه في سبيل العثور على هذا الحلم، وإلا لكان استهلاك القليل منها كافيًا لكشف موقع الروح. وبعد أن تحسس الجذع طويلًا دون جدوى، تنهد بيأس.
خاطب نفسه قائلًا: 'هل عليّ الآن أن ألتهم الشجرة بأكملها؟ لا بد أن ارتفاعها يتجاوز المئة متر، فكم من الوقت سأستغرق لأقضمها لقمة تلو الأخرى؟' لكنه أدرك أنه لا سبيل آخر أمامه.
هز رأسه بابتسامة مريرة، ثم اقتلع قطعة من اللحاء ودسها في فمه ومضغها. كان طعمها كريهًا بالطبع، لكنها لم تكن غير قابلة للأكل. فهو في النهاية وحش أحلام، يمتلك جسدًا خالدًا غريبًا لا يتأثر بما يأكله مهما كان.
جلس غو شانغ على الأرض مباشرة، وشرع يقضم شجرة الصنوبر التي أمامه. وبعد مضي نصف ساعة، لم يكن قد التهم سوى جزء ضئيل منها، لكن أعدادًا غفيرة من الحيوانات تجمهرت حوله فجأة محاولة منعه.
كان معظمها من السناجب، كلها سوداء بحجم الأرانب، وقد كشرت عن أنيابها في وجهه. وقف بعضها على الأغصان، والتقطت أكواز الصنوبر ورشقته بها بقوة.
هز غو شانغ رأسه وتفادى هجماتها بخفة، ثم استغل الفرصة وأمسك بأحدها وألقاه في فمه مباشرة. "مخلوقات عادية جدًا، لا تختلف عن تلك الموجودة في العالم الخارجي."
"هذا الحلم واقعيٌّ إلى حد بعيد، لكنني أتساءل من الذي يراه." فكر غو شانغ بأسى، ثم بصق دفقة من الدماء.
تناثر الدم من فمه وسقط على السناجب والحيوانات الأخرى المحيطة به، فبدأت العدوى على الفور. وبفضل قوته البشرية وخبرته القتالية الغنية، تمكن غو شانغ من سحق هذه الحيوانات الصغيرة تمامًا، وحولها في لحظة إلى أتباع مخلصين له.
"اجمعوا لي كل الحطام." أصدر غو شانغ أمره الجديد لأفراد عائلته هؤلاء، ثم فتح فمه على مصراعيه ليسرّع من وتيرة التهام الشجرة. كان من المرجح أن روح الحلم تسكن كل ركن من أركانها، ولكي يحصل عليها كاملة، لم يكن بوسعه ترك أي جزء منها.
مر الوقت وهو لا يتوقف عن المضغ، فأكل من الصباح حتى المساء دون أن يلمح أي أثر لبشر آخرين. وفي الليل، ظهر نمر حاول إعاقته، لكنه تصدى له بسهولة بحركة انزلاقية بارعة.
"لقد حاولت هذه الحيوانات منعي. يبدو أن روح الحلم تقبع بالفعل داخل هذه الشجرة." ثم تساءل وهو يبتلع كتلة من أغصان الصنوبر بصعوبة: "لكن لمَ حاولوا إيقافي؟ هل كان ذلك بفعل روح الحلم نفسها، أم أن سيد الحلم هو من يتدخل في تصرفاتهم؟"
راودته أفكار غريبة الواحدة تلو الأخرى، بينما كان نمرٌ ذو فراء أحمر يربض بجانبه، يراقبه بحذر شديد. لاحظ غو شانغ أن ذكاء هذا النمر كان عاليًا، أعلى من معظم الحيوانات على الأقل.
والأمر الأكثر غرابة هو أنه لم يتمكن من إصابته بالعدوى. فرغم تفوق قوته عليه، ورغم كل الدماء التي بصقها، ظل النمر صامدًا ومحتفظًا بعقله، ولم يتحول إلى تابع له كما أراد.
'ياللعجب.' استخلص من هذا الموقف معلومات كثيرة، وراودته تخمينات عدة، لكنه لم يتصرف على الفور، بل واصل التهام شجرة الصنوبر.
مر يوم، ويومان، وعشرة أيام، وعشرون. انقضى شهران ونصف الشهر بالكامل على هذا المنوال، لم يتوقف غو شانغ خلالها لحظة واحدة، لكن الشجرة كانت من الضخامة بحيث لم يستطع إنهاءها بمفرده في وقت قصير.
لقد استغرق شهرين ونصف الشهر ليلتهم نصفها فقط، مما يعني أنه سيحتاج إلى خمسة أشهر على الأقل للقضاء عليها تمامًا. وخلال هذه المدة، أتت حيوانات كثيرة باستمرار لتعيق عمله، تهاجمه، أو تبول عليه، أو تقوم بحركات غريبة. وبطبيعة الحال، أصبحت هذه الحيوانات جميعها من أتباعه، تحرس سلامته ليل نهار، وحده النمر ذو الفراء الأحمر بقي منيعًا.
"ما أنت بحق الجحيم؟" مد غو شانغ يده ومسح على رأس النمر، وهو لا يزال عاجزًا عن فهم حقيقته. ما إن رأى النمر يده تقترب حتى دب فيه الخوف وتراجع لا إراديًا، لكنه لم يتفادَ اللمسة بالكامل.
كان هذا المخلوق أمامه هو أفظع ما رآه النمر في حياته. فغيره من الكائنات إما يأكل العشب أو اللحم، أما هو فيأكل الأشجار مباشرة! لم يكتفِ باللحاء والأغصان، بل حتى التراب المحيط بالشجرة لم يسلم منه، فكان يجرفه إلى فمه. إن نظامه الغذائي هذا يتحدى كل منطق!
لاحظ غو شانغ البريق في عيني النمر وأدرك أنه يفكر. "إذًا، هل أنت صاحب هذا الحلم؟" نظر إليه بفضول، لكن النمر لم يكن بوسعه الإجابة. تنهد غو شانغ، واستدار مواصلًا قضم شجرة الصنوبر في حر منتصف الصيف.
استمر الزمن في المرور، وفي طرفة عين، انقضى شهران ونصف الشهر أخرى. أخيرًا، أتى غو شانغ على الشجرة بأكملها، ولم يتبق منها سوى كوز صنوبر واحد! كانت بضع حشرات سوداء تزحف على الثمرة البيضاوية بين شقوقها، تمتص ما بداخلها من عناصر غذائية وفيرة.