الشمس لم تكن قد وصلت بعد إلى المكان الصحيح في السماء حين انتهى يوسف من ربط حذائه للمرة الثالثة.
لم يكن الحذاء مقطوعًا، ولم يكن الربط صعبًا.
لكنه كان يربطه للمرة الثالثة لأن يده لم تتوقف عن الحركة منذ استيقظ، وهذا كان أقرب ما وجده ليصنع به شيئًا.
الغرفة كانت ضيقة بما يكفي لأن تشعر بحرارة الجدار الآخر إذا مددت ذراعيك، وكانت رائحتها مزيجًا من الحجر المبلل والقماش القديم ودخان شمعة انطفأت منذ ساعات. النافذة الوحيدة — شق ضيق في الحائط الشمالي — كانت تسمح بشريط من الضوء الرمادي الفاتر أن يسقط على البلاط المكسور بزاوية تشبه خط اتهام.
على الجانب الآخر من الغرفة كان مروان قاعدًا بلا حركة.
ظهره إلى الحائط، ركبتاه مرفوعتان، وعلى ركبتيه كتاب مفتوح على صفحة لم يقرأها منذ ربع ساعة على الأقل.
عيناه كانتا مفتوحتين. لكنهما لم تكونا تقرآن.
كانتا تفكران في شيء آخر وتستخدمان الكتاب كغطاء.
يوسف لاحظ ذلك.
لاحظه منذ عشر دقائق لكنه لم يقل شيئًا لأنه لم يكن يريد أن يبدأ حوارًا يؤكد فيه مروان أن كل شيء على ما يرام بنبرة هادئة جدًا تجعله يشعر أنه هو من يبالغ.
"الربط صح هذه المرة."
الصوت جاء من الركن.
آمون كان ممددًا على ظهره فوق حصيرة رثة، ذراعاه خلف رأسه، يحدق في السقف بنفس الجدية التي يحدق بها الناس في أشياء مهمة جدًا — مع فارق أنه كان يحدق في شق في الجص يشبه ضبعًا يضحك.
"ما أحد طلب رأيك يا أمونة."
"وما أحد طلب منك تربطه ثلاث مرات. بس كل واحد فينا عنده هواياته."
مروان أغلق الكتاب بصوت خافت ووضعه بجانبه على البلاط.
"الرحلة اليوم."
لم يكن سؤالًا.
آمون رفع إصبعًا واحدًا في الهواء كأنه يؤكد حضوره في الاجتماع.
"الرحلة اليوم."
يوسف وقف.
أحس بالبلاط البارد تحت قدميه لثانية قبل أن يلتقط حذاءه المربوط بعناية ثلاث مرات.
الهواء في الخارج كان مختلفًا.
ليس باردًا أكثر.
ليس دافئًا أكثر.
بل كان هادئًا بطريقة تبدو مقصودة.
كهدوء شخص يمسك أنفاسه.
سوق الفجر في كيرانت لم يكن يشبه أسواق المدن الكبيرة.
لم يكن فيه صراخ ولا ألوان زاهية ولا بائعون يمدون أذرعهم لاستيقاف المارة.
كان أكثر شبهًا بمحطة يلتقي فيها الناس قبل أن يذهبوا إلى أماكن لا يريدون أن يُسأَلوا عنها.
الأكشاك كانت خشبية وداكنة من بخار الأيام الكثيرة، والفوانيس المعلقة فوقها لم تنطفئ منذ وقت طويل — ليس لأن أحدًا كان حريصًا على إبقائها مضاءة، بل لأن أحدًا لم يتذكر أن يطفئها.
يوسف مشى بين الطاولات بخطى عادية، يداه في جيبيه، عيناه تمسحان المكان بطريقة تبدو عابرة تمامًا وليست عابرة أبدًا.
مروان كان بجانبه على بُعد نصف خطوة — لا أكثر ولا أقل — في الموضع الذي يعطيه أفضل زاوية نظر لأكبر عدد من المخارج.
كل من ينظر إليهما يرى صديقين يمشيان في السوق.
لم يكن أحد من الاثنين يفكر في ذلك.
كان الأمر طبيعيًا كما يكون التنفس طبيعيًا.
آمون كان يمشي خلفهما بنصف متر وكان يحمل رغيفًا أكل نصفه بالفعل.
"أنتم واثقين أن المكان اللي إحنا ذاهبين له موجود؟"
"نعم." — يوسف.
"وواثقين أنه موجود لينا ومش لأحد ثاني؟"
يوسف لم يرد هذه المرة.
مروان قال بنبرة منخفضة جدًا:
"هذا هو السؤال الصحيح."
آمون أكمل الرغيف.
المهمة — إذا أردنا تسميتها بهذا الاسم — كانت بسيطة بما يكفي لتبدو مريبة.
رجل في الطرف الجنوبي من السوق، يجلس دائمًا خلف طاولة مليئة بالمفاتيح القديمة، اسمه بلاش — لا أحد يعرف ما إذا كان هذا اسمه الحقيقي أم لقبًا أم خطأً لغويًا تحول مع الوقت إلى هوية.
بلاش كان يملك خريطة.
ليست خريطة عادية — كل شيء في هذا النوع من التعاملات يأتي مع جملة "ليس عاديًا" — بل خريطة لطريق يصل إلى قلعة تسمى الثوية، وهي القلعة التي يقول من سمع عنها إنها فارغة منذ ثلاثة أجيال، ويقول من رأى آثارها إن "فارغة" كلمة تحتاج إلى إعادة تعريف.
يوسف كان يعرف هذا.
مروان كان يعرف هذا وأكثر.
آمون كان يعرف هذا لكنه اختار أن يركز على الرغيف.
الطاولة كانت في المكان المتوقع.
بلاش كان جالسًا خلفها.
كان رجلًا في العقد السادس من عمره، قصيرًا، بأصابع طويلة ومفاصل بارزة كمفاصل رجل أمضى حياته يرفع أشياء ثقيلة وأخيرًا قرر أن يجلس.
شعره كان أبيض ومضغوطًا إلى الخلف بطريقة بدت متعمدة، وعيناه — عيناه كانتا مشكلة.
لم تكونا عيني رجل يبيع مفاتيح.
كانتا عيني رجل يحفظ الأقفال ويتذكر كل باب فتحه ومن دخل منه ومن لم يخرج.
"الحزامي." — قالها بلاش بدون أن يرفع رأسه.
يوسف وقف أمام الطاولة.
"الثوية."
بلاش رفع رأسه أخيرًا.
نظر إلى يوسف. ثم إلى مروان. ثم إلى آمون الذي كان لا يزال يأكل.
"ثلاثة."
"نعم." — يوسف.
"كنت أتوقع اثنين."
"الثالث مفيد بطرق غير مباشرة." — مروان.
آمون ابتلع ما في فمه ورفع يده بإيماءة خفيفة.
"أهلين."
بلاش نظر إليه طويلًا.
ثم نظر إلى يوسف ثانية.
ثم وضع يده تحت الطاولة.
مروان لاحظ الحركة قبل أن تكتمل.
يده لم تتحرك. لكن جسده استوى بطريقة لا تراها إذا لم تكن تبحث عنها.
بلاش أخرج قطعة قماش ملفوفة ووضعها فوق الطاولة بحذر رجل يضع شيئًا ثمينًا أو شيئًا خطيرًا — أحيانًا يكون الفرق بين الاثنين فقط في زاوية النظر.
"الخريطة هنا."
"الثمن؟" — يوسف.
"ما عندي حاجة لمال."
صمت قصير.
"إذن؟" — مروان.
بلاش وضع يده فوق قطعة القماش الملفوفة.
نظر إليهم بعيون تلك الأقفال والأبواب والأشخاص الذين لم يخرجوا.
"أريد أن تعطوني شيئًا تجدونه داخل الثوية."
"ما نعرف ما الذي سنجده." — يوسف.
"أنا أعرف."
مروان وآمون تبادلا نظرة.
كانت نظرة لا يتكلمان فيها لكن يقول كل منهما شيئًا.
"وإذا ما وجدناه؟" — مروان.
"ستجدونه."
"وإذا اخترنا ما نعطيك إياه؟" — يوسف.
بلاش ابتسم لأول مرة.
لم تكن ابتسامة مريحة.
"هذا حقكم. لكن لن تختاروا ذلك."
"ليش؟" — آمون.
"لأنكم ستفهمون ما هو عندما تريانه."
قال "تريانه" وليس "تروانه".
يوسف لاحظ ذلك.
لم يعلق.
أخذ قطعة القماش من فوق الطاولة.
فتحوا الخريطة في زقاق ضيق خلف كشك يبيع التوابل.
رائحة الكمون والفلفل المطحون كانت كافية لتغطية أي كلام يخرج منهم.
الخريطة لم تكن مرسومة بمداد.
كانت مخدوشة — بأداة حادة أو ظفر أو ربما سن — في جلد بني داكن مشدود على إطار خشبي رفيع. الخطوط كانت دقيقة ومتأنية، كخطوط رجل يرسم شيئًا يعرفه عن ظهر قلب لكنه يريد التأكد من أنه لا يخطئ هذه المرة.
مروان مسك الإطار بيد واحدة وأمسك الطرف الآخر باليد الثانية وقرأ الخريطة بصمت.
يوسف نظر إليها من فوق كتفه.
آمون نظر إليها من زاوية أخرى ثم قلبها.
"مقلوبة؟" — يوسف.
"لا. صحيحة." — مروان.
"لكنه رسم الشمال في الأسفل." — آمون.
"لأن الطريق يبدأ بالنزول." — مروان.
يوسف أخذ الخريطة ونظر إليها مرة أخرى.
في الزاوية السفلى اليمنى — التي كانت في الحقيقة الزاوية الشمالية الغربية — كان هناك رمز صغير جدًا.
خطان متقاطعان بداخل دائرة.
ليس صليبًا.
شيء آخر.
شيء لم يره من قبل.
أغمض عينيه لثانية.
فكر في بلاش وكيف قال "تريانه" وليس "تروانه".
فتح عينيه.
"نمشي."
الطريق خارج كيرانت كان يمر عبر حقل طويل من العشب الأصفر الجاف.
لم يكن جافًا بسبب الجفاف.
كان جافًا بسبب وقت السنة.
لكن هناك فرق بين الأصفر الطبيعي والأصفر الذي تجد فيه شيئًا غريبًا.
العشب هنا كان أصفر الأول.
لكن يوسف مشى خلال الحقل وهو يحس بشيء لا علاقة له بالعشب.
إحساس أن المنطقة تعرفه.
ليس بمعنى أنه مر هنا من قبل — لم يمر.
بل بمعنى أن المكان يتصرف كأنه كان ينتظر شخصًا يشبهه.
هز رأسه وأكمل المشي.
مروان كان يقرأ الخريطة وهو يمشي — مهارة تعلمها في وقت مبكر من حياته ولم يشرح لأحد كيف.
"ثلاث ساعات مشي. ثم نقطة تحول غربية. ثم وادٍ."
"وادي ماذا؟" — آمون.
"الخريطة ما تقول اسمه."
"الأماكن التي ما إلها اسم في الخرائط عادةً إلها سبب." — آمون.
"نعم." — مروان.
"هذا مش مطمئن."
"لا." — مروان.
آمون لحظة.
"ما كنت تعترض؟"
"على ماذا؟" — مروان.
"على اللي أنا قلته."
"اتفقت معك."
"أوه." — آمون. — "هذا أسوأ."
يوسف لم يتكلم.
كان يمشي ويحس بذلك الإحساس.
المكان ينتظر.
الساعة الأولى مرت بشكل عادي.
عشب. حجارة صغيرة. صوت طائر بعيد أو ما يشبه طائرًا.
في الساعة الثانية بدأ المشهد يتغير.
الأشجار — وقد لاحظها يوسف دون أن يتكلم عنها — بدت أقصر وأكثر كثافة كلما مضوا إلى الأمام.
ليس لأنها كانت تنمو بشكل أكثف.
بل لأنها كانت تنحني.
ليس بسبب الريح.
الريح لم تكن قوية.
كانت تنحني نحو الأرض كأنها تنظر إلى شيء تحتها.
مروان نظر إليها.
نظر إلى الخريطة.
نظر إليها مرة أخرى.
"لم يرسم هذا."
"بلاش؟" — يوسف.
"نعم."
"ربما ما انتبه." — آمون.
"رسم الحجارة الثلاث عند منحنى الطريق قبل عشرين دقيقة. يعني انتبه لكل شيء." — مروان.
يوسف توقف.
نظر إلى الأشجار.
وضع يده على جذع أقربها.
اللحاء كان باردًا.
ليس ببرودة الطبيعة.
ببرودة أخرى.
كبرودة شيء لم تسقه شمس كافية منذ وقت طويل.
لكن الشمس كانت واضحة في السماء.
رفع يده وأكمل المشي.
في الوادي الذي لا اسم له على الخريطة، كانت الأرض أكثر رطوبة مما يجب.
كان الصوت مختلفًا هناك.
كأن الهواء أثقل.
كأن الصوت يسافر بشكل مختلف.
أو كأنه لا يسافر بعيدًا.
وقفوا عند الحافة.
الوادي لم يكن عميقًا.
عشرون مترًا ربما.
لكن قاعه كان مليئًا بضباب خفيف لا يتحرك.
في الصباح.
مع وجود ريح.
"الضباب اللي ما يتحرك ده مشكلة." — آمون.
"لماذا؟" — يوسف.
"لأن الضباب الطبيعي يتحرك. حتى لو بطيء. الضباب اللي ما يتحرك ده إما ظاهرة غريبة وإما مش ضباب."
مروان نظر إلى آمون.
"من أين عرفت هذا؟"
"قرأت."
"قرأت أين؟"
"في كتاب."
"أي كتاب؟"
آمون فكر.
"ما أتذكر الاسم. بس كان أحمر اللون."
مروان نظر إلى يوسف.
يوسف كان ينظر إلى الوادي.
الطريق في الخريطة كان يمر من خلاله.
ليس من حوله.
من خلاله.
"ننزل." — يوسف.
النزول كان سهلًا أكثر مما ينبغي.
ليس لأن الأرض كانت مستوية.
بل لأن القدمين كانتا تجدان مكانًا مناسبًا لكل خطوة بشكل يبدو طبيعيًا لكنه ليس عشوائيًا.
يوسف لاحظ ذلك ولم يقله.
مروان لاحظه وابتلع.
آمون نزل وقال:
"الأرض هنا تساعدنا."
"أو تجرنا." — مروان.
"الفرق بين الاثنين؟"
"المصير."
آمون هضم هذا لحظة.
"طيب. شكرًا على التوضيح."
في قاع الوادي الضباب كان أكثر كثافة.
ليس كثيفًا بما يمنع الرؤية.
كثيفًا بما يجعل الأشياء تبدو أبعد مما هي.
أو أقرب.
الرائحة كانت رائحة طين وشيء آخر لا اسم له.
ليس سيئة.
ليست جيدة.
رائحة أشياء قديمة بقيت في مكان مغلق طويلًا ثم فُتح الباب.
يوسف مشى.
الضباب يتفرق أمامه بشكل طبيعي.
ثم توقف.
في منتصف الوادي كان هناك حجر.
لم يكن حجرًا عاديًا — رغم أنه كان يشبه ذلك.
كبير بما يكفي ليجلس عليه شخص، مسطح الأعلى، ورمادي بنفس رمادية الأشياء التي مضى عليها وقت طويل جدًا.
لكن على وجهه الشمالي — المواجه لهم تمامًا — كان هناك نقش.
نفس الرمز الذي رآه في الزاوية السفلى من الخريطة.
خطان متقاطعان بداخل دائرة.
فقط أكبر.
وأعمق.
وأحدث.
يوسف اقترب.
مروان وقف خلفه بمتر.
آمون وقف خلف مروان وقال بصوت منخفض جدًا:
"هذا منقوش من قريب."
"نعم." — مروان.
"يعني شخص نقشه."
"نعم."
"ويعني هذا الشخص كان هنا."
"نعم."
"وربما لا يزال."
مروان لم يرد هذه المرة.
يوسف لمس الرمز بطرف أصبعه.
الحجر كان دافئًا.
ليس بدفء الشمس — الشمس لم تصل إلى قاع الوادي.
بل بدفء آخر.
كدفء شيء يتنفس.
سحب أصبعه.
نظر إلى الرمز.
الرمز لم يتغير.
لكن الوادي تغير.
ليس بشكل درامي.
ليس بصوت أو حركة أو ضوء مفاجئ.
فقط الضباب — الذي قلنا أنه لم يكن يتحرك — تحرك.
ببطء.
وتجمع حول الحجر.
يوسف رجع خطوة واحدة.
مروان قال بهدوء تام:
"لا تركض."
"ما كنت ناوي." — يوسف.
"أنا أعرف. قلتها لأمونة."
آمون ابتلع بصوت مسموع.
"ما كنت ناوي أنا كمان."
"أعرف." — مروان.
الضباب تجمع وتكثف.
ليس كتلة. ليس شكلًا.
فقط كثافة.
كأن الهواء قرر أن يصبح أقل شفافية في تلك المنطقة تحديدًا.
ثم خرج من الكثافة صوت.
ليس كلامًا.
ليس حيوانًا.
نَفَس.
نَفَس واحد طويل جدًا.
كنفَس شخص استيقظ بعد نوم طويل جدًا وحاول أن يتذكر أين هو.
لم يركض أحد.
ليس لأنهم لم يخافوا.
بل لأن الخوف — الخوف الحقيقي، الذي يأتي من شيء لا تفهمه — أحيانًا لا يحرك القدمين.
يجمدها في مكانها وينتظر.
الكثافة انتشرت ثم تفرقت.
وفي المكان الذي كانت فيه — أمام الحجر مباشرة — لم يكن هناك شيء.
لكن كانت هناك علامة.
على الأرض.
أثر.
ليس أثر قدم إنسان.
ليس أثر حيوان.
أثر شيء ضغط على الأرض من الداخل.
كأن الأرض نفسها انضغطت نحو الأسفل ثم عادت.
مروان ركع وفحصه بلا كلام.
يوسف نظر إلى الحجر.
النقش لم يتغير.
لكنه كان الآن يبدو مختلفًا.
ليس لأن الرمز نفسه تغير.
بل لأنه الآن كان يبدو وكأنه لم يُنقش من الخارج.
بل من الداخل.
كأن شيئًا تحت الحجر أو داخله دفع نحو السطح وترك هذا الشكل.
قال يوسف:
"ما هذا؟"
لم يكن يسأل أحدًا بالتحديد.
مروان أجاب مع ذلك:
"لا أعلم. وهذا هو المشكلة."
آمون كان لا يزال واقفًا في مكانه.
نظر إلى الأثر على الأرض.
نظر إلى الحجر.
نظر إلى يوسف.
"بلاش قال إننا سنعطيه شيئًا نجده هنا."
"نعم." — يوسف.
"وقال إننا سنفهم ما هو عندما نريانه."
"نعم."
"هل رأيتم شيئًا تفهمونه؟"
صمت.
"أنا لأ." — آمون.
مروان وقف ومسح يده على ثوبه.
"الشيء الذي طلبه بلاش ليس هنا."
"كيف تعرف؟" — يوسف.
"لأن هذا ليس المكان. هذا مؤشر. دليل للمكان."
"الثوية."
"نعم."
يوسف نظر إلى الحجر مرة أخيرة.
الرمز. الخطان والدائرة.
شيء يشبه ختمًا.
تنهد.
"نكمل إذن."
خرجوا من الوادي من الطرف الآخر.
النصف الثاني من الطريق كان أكثر صعوبة.
الأرض ارتفعت تدريجيًا.
الأشجار صارت أطول لكن أقل كثافة.
وبين كل شجرة وأخرى كان هناك مساحة طويلة من الصخر العاري.
الصخر كان رماديًا غامقًا.
ليس اللون الرمادي الطبيعي.
بل رمادي الأشياء التي حُرقت ثم تركت.
"هذه المنطقة مرت بها نار قديمة." — مروان.
"قديمة كم؟" — يوسف.
"ليس في جيلنا. ولا في جيل قبلنا على الأرجح."
"وما نما شيء بعدها؟" — آمون.
"نمت الأشجار."
"لكن الصخر ما تغير."
"الصخر لا يتغير بالنار العادية." — مروان.
آمون:
"وبالنار غير العادية؟"
مروان لم يرد.
يوسف مشى على الصخر وأحس بصوت خطواته.
مختلف.
أجوف قليلًا.
كأن تحته فراغًا.
لم يقف.
أكمل المشي.
ثم رآها.
الثوية لم تكن ما توقعه.
لم تكن أطلالًا منهارة.
كانت قائمة.
ليست سليمة تمامًا — بعض الأبراج كانت ناقصة القمة، وجانب من الجدار الشرقي كان مائلًا بزاوية تجعلك تتساءل منذ متى وهو هكذا ولماذا لم يسقط بعد.
لكنها كانت قائمة.
وكبيرة.
أكبر مما توقع يوسف.
بوابتها الرئيسية كانت من حجارة سوداء — ليس سوداء من الحرق، سوداء اللون أصلًا — ومزودة بأبواب خشبية ضخمة كانت مفتوحة بزاوية محددة.
ليست مفتوحة تمامًا. ليست مغلقة تمامًا.
مفتوحة بزاوية تكفي لدخول شخص مستعجل أو جريء.
آمون نظر إلى الباب ثم إلى يوسف ثم إلى مروان.
"أتعلمون أن الباب المفتوح بنص كثيرًا ما يكون أخطر من الباب المغلق؟"
"لماذا؟" — مروان.
"لأن المغلق يعني احتياط. والنص مفتوح يعني دعوة."
يوسف:
"أو يعني أن من فتحه مشغول بشيء آخر."
"أو يعني أن من فتحه ليس داخلها." — مروان.
"أو يعني أنه لا يوجد من فتحه أصلًا." — آمون.
توقف.
"يعني فتح وحده."
صمت.
"طيب. هذا هو الاحتمال الأسوأ. شكرًا لي." — آمون.
يوسف خطا نحو الباب.
الهواء الخارج من الفتحة كان باردًا.
ليس باردًا طبيعيًا.
باردًا كهواء أماكن مغلقة منذ وقت طويل.
لكن فيه شيء آخر.
رائحة؟
ليست رائحة.
أقرب إلى إحساس.
إحساس أن الهواء الخارج من هناك مر بأشياء قبل أن يصل إليك.
أشياء لم تزل.
دفع الباب بيده الكاملة.
صوت المفصلات كان بطيئًا وعميقًا.
صوت شيء لم يتحرك منذ وقت طويل ثم قرر أن يتحرك.
دخل.
مروان خلفه.
آمون نظر إلى الباب مرة أخيرة من الخارج.
نظر إلى السماء.
نظر إلى الطريق الذي جاؤوا منه.
ثم نظر إلى ظهري يوسف ومروان وهما يختفيان في الداخل.
تنهد.
"كيرانت كانت فيها أفضل خبز."
ودخل.
الداخل كان مختلفًا عما يخيله الإنسان لقلعة مهجورة.
لم تكن مليئة بالغبار والعظام وأشياء انهارت عبر السنين.
كانت نظيفة.
نظيفة بطريقة تكاد تكون أكثر إزعاجًا من أي فوضى.
الممر الرئيسي كان طويلًا ومرصوفًا بحجارة بيضاء — أو كانت بيضاء في يوم ما — وعلى جانبيه كانت تقف مشاعل في حوامل معدنية. المشاعل كانت مطفأة. لكن الحوامل كانت نظيفة. بدون صدأ. بدون طبقة الزمن التي تتراكم على المعدن المتروك.
مروان لاحظ ذلك.
"هذا المكان ليس مهجورًا كما قيل."
"أو هجره شخص لم يترك الزمن يدخله." — يوسف.
"هذا جملة جميلة جدًا بالنسبة لمكان مخيف." — آمون.
مشوا.
خطواتهم كانت تصنع صدى.
والصدى كان يعود من الجهات الصحيحة.
لكن كان هناك صدى إضافي.
خفيف جدًا.
كأن صوتًا ثالثًا يتتبع خطواتهم بمسافة.
آمون قال بصوت منخفض جدًا جدًا:
"أنا أسمع شيئًا."
"نعم." — مروان.
"منذ متى؟"
"منذ دخلنا."
"ولم تقل شيئًا؟"
"كنت أنتظر أن أتأكد."
"وتأكدت؟"
"نعم."
"ما هو؟"
مروان توقف.
وقف يوسف معه.
استمعا.
الصدى الإضافي ما زال موجودًا.
لكنه الآن واضح بما يكفي.
خطوة.
واحدة فقط.
متكررة.
كأن شخصًا يقف في مكان ما ويضع ثقله من قدم إلى أخرى بشكل منتظم.
يوسف تحرك يده نحو السيف على خصره.
مروان لم يتحرك.
آمون كان يحاول أن يحدد الاتجاه.
"من الأمام." — آمون.
من الأمام.
في نهاية الممر كان هناك باب آخر.
أكبر من باب الدخول.
مصنوع من نفس الحجارة السوداء.
مغلق.
لكن تحت الباب.
من الشق الرفيع بين الباب والأرض.
كان هناك ضوء.
ليس ضوء شمس.
ضوء له لون.
أزرق خفيف جدًا.
بارد.
وصوت الخطوة — الخطوة الواحدة المتكررة — كان يأتي من خلفه.
مشوا نحو الباب.
لم يتكلموا.
كانت هناك لحظات تكون فيها الكلمات ثقلًا إضافيًا.
وهذه كانت واحدة منها.
يوسف وقف أمام الباب.
الضوء الأزرق من تحته كان يلمس أطراف حذائه.
وضع يده على الباب.
لم يفتحه بعد.
فقط أحس بالحجر.
كان دافئًا.
مثل الحجر في الوادي.
لكن هنا — هنا كان الدفء أقوى.
بكثير.
كأن شيئًا على الجانب الآخر كان قريبًا جدًا من الباب.
قريبًا جدًا.
ويتنفس.
نظر إلى مروان.
مروان أومأ برأسه — إيماءة صغيرة، لا تقول نعم أو لا، تقول فقط: أنا هنا.
نظر إلى آمون.
آمون كان ينظر إلى الضوء الأزرق بتعبير وجه رجل يحاول أن يقرر إذا كان ما يراه جميلًا أم مخيفًا ولم يحسم بعد.
يوسف دفع الباب.
الضوء الأزرق ملأ الممر فجأة.
ليس نورًا ساطعًا.
بل امتلاء.
كأن الهواء نفسه صار ذا لون.
كأن كل جزيء في المكان قرر أن يصبح مرئيًا للحظة.
وفي المكان الذي خلف الباب —
في قلب الضوء —
كان هناك شيء.
ليس شخصًا.
ليس حيوانًا.
شيء.
على شكل كتلة ضوء أزرق بارد.
لكن في مركزها — في مركزها — كان هناك شكل.
شكل الرمز.
خطان متقاطعان بداخل دائرة.
يتحرك.
ببطء.
يدور.
ويصدر صوتًا.
ليس كلامًا.
ليس موسيقى.
صوتًا كصوت شيء يُفك.
كصوت شيء كان مربوطًا منذ زمن طويل جدًا.
وبدأ الآن — بالتحديد الآن — في الانفكاك.
لم يتحرك أحد منهم.
لثانية.
ثم ثانيتين.
ثم الصوت — صوت الانفكاك — توقف فجأة.
والضوء الأزرق خفت.
لم يختفِ.
فقط خفت.
وفي الخفوت — في اللحظة التي بين الضوء والظلام — تشكّل شيء.
ليس كيانًا.
ليس صوتًا.
كلمة.
واحدة.
في الهواء.
لا يكتبها أحد.
لا يقولها أحد.
لكن كل واحد منهم — يوسف ومروان وآمون — قرأها في نفس اللحظة.
في نف
س الثانية.
ليس بعيونهم.
بل بشيء أعمق من ذلك.
شيء لا اسم له.
والكلمة كانت:
MORTH
ثم الضوء اختفى تمامًا.
والغرفة صارت مظلمة كأنها لم تضئ قط.
والصوت عاد.
خطوة واحدة.
لكن هذه المرة — هذه المرة — من خلفهم.
من داخل الممر.
من حيث جاؤوا.
يوسف التفت.
مروان التفت.
آمون كان يريد أن يلتفت لكنه قال أولًا — وبهدوء لا يناسب اللحظة:
"هل أحد منكم ينصح بشكل عام بدخول قلاع مهجورة فيها أضواء غريبة؟"
لا أحد أجاب.
لأن الممر كان فارغًا.
ولم تكن هناك خطوة.
لم تعد هناك خطوة.
لم يكن هناك شيء.
فقط المشاعل على الجانبين.
التي كانت مطفأة.
كلها مضاءة الآن.
واحدة تلو الأخرى.
حتى الأخيرة.
حتى الأقرب إلى الباب الخارجي الذي جاؤوا منه.
مضاءة.
وباب الخروج —
باب الخروج كان مغلقًا.
يوسف نظر إلى مروان.
مروان نظر إلى يوسف.
وبين الاثنين — قبل أن يقول أحد شيئًا — قال آمون بنبرة شخص يسجل ملاحظة في دفتر:
"طيب. الرحلة صارت أطول مما خططنا."
— نهاية الفصل الأول —