2 - ما يُضاء لا يُطفأ بالإرادة.

المشاعل لم تكن تحترق بنار عادية.

يوسف أدرك ذلك حين اقترب من أقربها. اللهب كان أبيض اللون — أبيض الثلج حين يعكس ضوء القمر — وكان يرتجف بإيقاع منتظم، كنبضة قلب بطيئة لكائن ضخم ومستيقظ. الحرارة الصادرة عنه دفء حجري عميق، كالدفء المخزون في صخور تقع تحت الأرض منذ قرون.

مدّ يده نحوها ببطء.

اللهب مال نحوه.

مال نحوه كما تميل الزهرة نحو الضوء، لكن بوعي ثقيل ومتأخر، كوعي شيء أُيقظ من نوم طويل ولم يستوعب بعد أنه صحا.

سحب يده.

اللهب عاد إلى مكانه.

"لا تلمس شيئاً لم تفهمه بعد."

مروان قال ذلك دون أن ينظر. كان يمسح الجدار الغربي بأطراف أصابعه بحركات بطيئة ومتعمدة، كقارئ يتحسس كتاباً في الظلام.

"لم أكن سألمسها."

"كنت ستفعل."

يوسف لم يعترض. أحياناً كان مروان يعرف ما سيفعله قبل أن يعرفه هو نفسه، وهذا كان من الأشياء التي اعتاد عليها ولم يفسّرها.

آمون كان جالساً على الأرض في منتصف الممر، ظهره مستقيم، يدور بعينيه على المشاعل المضاءة واحدة واحدة بتأنٍّ يشبه تأني من يعدّ شيئاً ويريد أن يتأكد من العدد.

"سبع وعشرون."

"ماذا؟" — يوسف.

"المشاعل. سبع وعشرون. عدد فردي."

"ولماذا هذا مهم؟"

آمون أسند رأسه قليلاً نحو الخلف وأغمض عينيه لحظة.

"في كل الحصون القديمة التي قرأت عنها، عدد المشاعل في الممرات الرئيسية زوجي دائماً. اثنتان عند كل باب، أربع في المنعطفات، ستة عند غرف الحراسة. الأعداد الزوجية تعني تناسقاً معمارياً وظيفياً. سبع وعشرون تعني أن واحدة أُضيفت لسبب آخر."

"أو أن واحدة أُزيلت لسبب آخر." — مروان، دون أن يتوقف عن مسح الجدار.

آمون فتح عينيه.

"هذا الاحتمال أسوأ."

"نعم."

"شكراً لك كذلك." — آمون.

الجدار الغربي كان يخفي شيئاً.

مروان وجده بعد دقائق من البحث. تجويف في الحجارة على شكل قوس أفقي، عمقه لا يتجاوز عمق الكوع، وفي قاعه، محفوظة بالحجارة من الجانبين، كانت هناك لوحة من الحجر الأسود الصقيل.

على اللوحة كان نقش.

مروان أمسك المشعل الأقرب وأدناه.

النقش كان بلغة لم يعرفها مباشرة. حروف طويلة ومتصلة، تميل نحو اليسار في منحنيات حادة كريش طائر في مهب الريح. رآها مرة في كتاب جلده أخضر عثر عليه في سوق نسي اسمه، في مدينة لم يرجع إليها.

"أعرف هذا الخط."

"تقرأه؟" — يوسف.

"بعضه."

انحنى أكثر. صمت طويل. اللهب الأبيض يرتجف فوق اللوحة.

"يقول: من دخل الثوية وسمع اسمه من الضوء، فقد وُضع عليه الخاتم الأول."

لا أحد تكلم.

يوسف حدق في اللوحة من فوق كتف مروان. الحروف عميقة النقش، بعمق عمل يد واثقة لا مترددة.

"الخاتم الأول."

"نعم." — مروان.

"وكم عدد الخواتم؟"

مروان قلّب النظر في بقية النقش.

"اللوحة لا تقول."

آمون نهض وجاء نحوهما. نظر إلى اللوحة، ثم إلى مروان، ثم إلى يوسف.

"إذن نحن لا نعرف كم خاتماً بقي."

"لا." — مروان.

"ولا نعرف ماذا يعني أن يُوضع علينا خاتم."

"لا."

"ولا نعرف من وضعه."

"لا."

آمون أخذ نفساً.

"حسناً. هذا مريح جداً."

يوسف التفت عنهما ونظر نحو الغرفة في نهاية الممر. الباب الذي دخلوا منه حين رأوا الضوء الأزرق. كان مفتوحاً الآن — مفتوحاً بالكامل. لم يكن كذلك قبل قليل.

لم يقله لهما فوراً.

انتظر ثانية ليرى إذا كان يبالغ.

الباب ظل مفتوحاً.

"الباب."

مروان رفع رأسه. رأى ما رآه يوسف. وضع اللوحة الحجرية في مكانها وأطفأ ذلك الفكر من وجهه كمن يطفئ شمعة لم تكمل وقودها.

"نمضي."

الغرفة التي خلف الباب كانت واسعة.

واسعة بما لا يتناسب مع ما رأوه من خارج الثوية — كأن الحجم الداخلي يرفض أن يخضع للحجم الخارجي. السقف شاهق حتى حدود ما تبلغه المشاعل، وما فوق تلك الحدود ظلام ناعم كالماء الساكن في بئر عميقة. الأرضية حجر داكن مصقول، تعكس اللهب الأبيض كمرآة مكسورة بخطوط خفيفة لا تؤذي النظر.

في وسط الغرفة كان هناك عمود.

عمود واحد. قائم. من نفس الحجر الأسود. وعلى قمته — في ارتفاع ثلاثة أمثال قامة الرجل — كان هناك شيء يضيء.

أزرق.

ساكن.

يوسف خطا نحوه.

آمون أمسك بذراعه.

"انتظر."

"لماذا؟"

"لأن هذا هو الشيء الذي طلبه بلاش، أو ما يقود إليه. والأشياء التي يطلبها من يعرف ما ستجده قبل أن تجده — تستحق ثانية من التفكير."

يوسف توقف.

آمون كان محقاً. نادراً ما كان يُعطي رأياً مباشراً بهذه الجدية. وحين يفعل، كان يستحق الانتباه.

مروان جاء من جانب آخر وراح يدور حول العمود من بُعد يدرس قاعدته. ثم توقف.

"الأرضية مختلفة هنا."

"بأي معنى؟"

"الحجارة المصفوفة حول العمود في إطار دائري قطره أربعة أمتار تقريباً — أحدث من بقية الأرضية. نوع آخر. لون مختلف. كأنها أُبدلت لاحقاً."

"ماذا كان مكانها؟" — يوسف.

"شيء كُسر. ثم سُدّ الكسر."

مروان رفع عينيه إلى العمود.

"ومن سدّ الكسر — لم يكن يُرمّم. كان يحبس."

الهواء في هذه الغرفة له وزن.

وزن مادي حقيقي يُحسّ به على الصدر عند التنفس العميق.

كأن كل نفَس يجب أن يُكسَب، لا أن يُؤخذ.

يوسف درس العمود من مكانه.

الضوء الأزرق على قمته لم يكن ثابتاً. كان يتموج بحركة دائرية بطيئة، تبدأ من مركز غير مرئي ثم تنتشر نحو الأطراف ثم تعود. حركة الماء حين تُلقي فيه حجراً، لكن في الاتجاه المعكوس تماماً. من الأطراف نحو المركز. شيء يتجمع، لا شيء ينتشر.

"أريد أن أصعد."

"العمود أملس." — مروان.

"أعرف."

"لا مقابض ولا درجات."

"أعرف."

"كيف ستصعد إذن؟"

يوسف نظر حول الغرفة، نظر إلى المسافة بين الجدار والعمود، ثم نظر إلى آمون.

"أحتاج حبلاً."

"لا يوجد حبل." — آمون.

"الحزام الجلدي الذي تحمل به حقيبتك."

آمون نظر إلى حقيبته. ثم إلى يوسف. ثم إلى العمود.

"هذا الحزام فيه ذكريات."

"وسيكون فيه ذكريات جديدة."

آمون خلع الحزام ببطء وبتعبير وجه من يودّع صديقاً قديماً. مدّه ليوسف.

"إذا انقطع فأنا لا أعرف شيئاً عن هذه الفكرة."

الصعود أخذ وقتاً أطول مما ظنّ يوسف.

العمود مصقول بعناية فائقة حتى غدا سطحه أقرب إلى الزجاج المسحوق منه إلى الحجر العادي. يوسف ربط الحزام الجلدي حوله من الأسفل ووضع ظهره في الاتجاه المعاكس وصعد بأسلوب تسلق الجبال الشاقة، يعمل بساقيه أكثر مما يعمل بذراعيه، ينزلق أحياناً نصف خطوة قبل أن يثبت من جديد.

مروان وآمون ظلا في الأسفل. مروان يراقب. آمون يراقب مروان وهو يراقب.

"هو يفعل هذا كثيراً؟" — آمون، بصوت منخفض.

"يفعل أشياء لا ينبغي أن تُفعل بطرق لا ينبغي أن تُفكَّر فيها. نعم." — مروان.

"وأنت تتبعه في كل مرة؟"

"الاحتمال الوحيد الأسوأ من اتباعه هو عدم اتباعه."

آمون أخذ لحظة مع هذا.

"هذا منطق مُعقَّد."

"هو نتيجة تجربة."

فوقهما كان يوسف يقترب من قمة العمود. الضوء الأزرق كان الآن على مستوى وجهه — يموج ببطء، يدور نحو الداخل. دفؤه معتدل، دافئ كدفء يد إنسان حي لا كدفء نار.

توقف.

نظر إلى الضوء عن قرب لأول مرة.

في مركزه — في نقطة الضوء الأكثر كثافة — كان الرمز. خطان متقاطعان بداخل دائرة. لكن من هذه المسافة القريبة رأى ما لم يره في الأسفل: الخطان لم يكونا خطين فحسب — فوقهما أجنحة. صغيرة. مطوية. أجنحة حجرية طيّ الغياب لا طيّ الراحة.

ومن حول الرمز في الدائرة الخارجية كانت هناك حروف. نفس خط اللوحة في الممر، لكن أصغر وأكثر وأكثف.

مدّ يده.

الضوء لم يمل نحوه هذه المرة.

بل انسحب خطوة.

يوسف أبقى يده ممدودة.

لم يتقدم نحوه.

انتظر.

ثانية. ثانيتان. خمس ثوانٍ.

ثم الضوء عاد — ببطء، بحذر كائن يشمّ يداً غريبة ويقرر إذا كانت تحمل طعاماً أو خطراً — حتى لمس أطراف أصابع يوسف.

وفي اللحظة التي لمسها، سمع يوسف صوتاً.

داخل رأسه.

صوت واحد. كلمة واحدة. بلغة لم يعرفها، غير أنه فهمها.

وعند فهمها، أغمض عينيه.

في الأسفل، رأى مروان يد يوسف تلمس الضوء.

ورأى الضوء يتغير.

لم يتغير لونه ولا حجمه. لكن إيقاعه انقلب — الحركة الدائرية التي كانت تسير نحو الداخل صارت تسير نحو الخارج. من المركز إلى الأطراف. نبضة تتمدد.

نبضة واحدة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

وعند النبضة الثالثة، شعر مروان بشيء لم يجد له اسماً في اللحظة، غير أنه أقرب ما يكون إلى شعور من كان ينام ثم صحا فجأة وأدرك أنه لم يكن نائماً في الواقع، بل كان في مكان آخر ولم يعرف ذلك إلا حين عاد.

مسح وجهه.

نظر إلى آمون.

آمون كان يحدق في العمود بوجه فقد تعبيره الاعتيادي الخفيف تماماً. وجه جادّ. وجه من يرى شيئاً يفهمه ولا يريد أن يفهمه.

"أنت شعرت بذلك أيضاً."

لم يكن سؤالاً.

"نعم." — آمون.

"ماذا كان؟"

آمون فكّر.

"كأن شيئاً بدأ يتذكرني."

يوسف نزل.

نزل ببطء أكثر من صعوده، وحين وصل إلى الأرض جلس لحظة قبل أن يقف — وهو فعل لم يعتده مروان منه.

"ما الذي رأيته؟" — مروان.

يوسف أخذ وقته.

"لم أرَ. سمعت."

"ماذا سمعت؟"

يوسف نظر إلى كفّيه.

"كلمة في لغة لا أعرفها، غير أنني فهمت معناها."

"وما معناها؟"

توقف.

"المحطة الأولى."

صمت الثلاثة.

ثم قال آمون:

"محطة أولى تعني أن ثمة محطات تلي."

"نعم." — يوسف.

"وهذا يعني أننا لم ننتهِ هنا."

"لا."

"وبلاش يعرف هذا."

"بلاش يعرف أكثر من هذا."

مروان نظر إلى يوسف بتمعّن.

"يدك."

يوسف رفع كفّه اليمنى. على باطنها — فوق خط الراحة مباشرة — أثر. خطان متقاطعان بداخل دائرة. ترقق في الجلد، كأن الجلد في تلك المنطقة أصبح أكثر شفافية بقليل. حين أمسكته نحو الضوء ظهر. وحين أبعدته اختفى.

الخاتم.

مروان أمسك بيد يوسف ودرسها بلا تعليق. بلا تغيير في تعبير وجهه. لكن أصابعه أمسكت بذراع يوسف لحظة إضافية قبل أن تتركها.

"نغادر الآن."

"الباب مغلق." — آمون.

"نجد طريقة."

الطريقة وجدها آمون.

جلس أمام الباب المغلق ثلاث دقائق بالتمام ونظر إليه بهدوء تام. ثم قام ووضع يده على منتصف الباب بالضبط وضغط بأربعة أصابع لا بالكف كله، وانفتح الباب.

"كيف عرفت ذلك؟" — يوسف.

"الأبواب الحجرية الثقيلة ذات الآليات الداخلية تحتاج إلى ضغط في نقطة التوازن لا في نقطة القوة. الكفّ يوزع القوة على مساحة واسعة. الأصابع تمركزها في نقطة."

"ومن أين تعرف موضع نقطة التوازن؟"

"الباب يميل طفيفاً نحو الجانب الأيسر. هذا يعني أن المفصل في الجهة اليمنى أثقل. ونقطة التوازن دائماً في الجانب المقابل للثقل."

مروان نظر إلى آمون بعيون دقيقة.

"هذا تفكير هندسي."

"أحياناً أفكر." — آمون، وأعاد حزامه إلى حقيبته وأكمل ربطه.

خرجوا من الثوية حين كانت الشمس قد مالت نحو الغرب وأرسلت ضوءها الذهبي الأول المائل — ضوء يجعل كل شيء يبدو أقدم مما هو عليه.

الباب الرئيسي كان مفتوحاً كما تركوه.

غير أن عند عتبته الخارجية كان هناك شيء لم يكن موجوداً حين دخلوا.

حجر صغير.

أسود اللون.

موضوع في منتصف العتبة بدقة لا تشبه دقة الصدفة.

يوسف ركع. رفعه. كان خفيف الوزن بشكل مدهش — أخف من أي حجر بهذا الحجم. وحين رفعه رأى أن جانبه السفلي كان مرسوماً عليه بخط رفيع جداً.

رقم.

سبعة.

"سبعة." — قرأه مروان من فوق كتفه.

"ماذا يعني؟" — آمون.

لم يُجب أحد.

الأشياء الواضحة في الأماكن الغامضة لا تضعها الصدفة.

يوسف أمسك الحجر وأكمل المشي.

طريق العودة إلى كيرانت كان أسرع من طريق الذهاب.

الوادي الذي أخذ منهم وقتاً في النزول والصعود كان يُعبَر الآن في نصف ذلك الوقت. الأشجار المنحنية نحو الأرض كانت لا تزال منحنية، غير أنها لم تتتبعهم بنفس الطريقة حين أقبلوا. العالم كان يودّعهم.

في منتصف الطريق جلسوا عند حافة الوادي. لم يتكلموا كثيراً. آمون أخرج من حقيبته رغيفاً صغيراً وكسره ثلاثة أجزاء وأعطى كل واحد جزءه دون أن يسأل.

أكلوا.

الشمس واصلت ميلها.

مروان كان يحدق في الأفق بعيون تفكر لا تنظر.

"الخاتم الأول." — قالها لنفسه.

"نعم." — يوسف.

"وبلاش يريد شيئاً مما وجدناه."

"نعم."

"لكننا لم نحمل شيئاً من الثوية. سوى هذا الحجر."

يوسف نظر إلى الحجر الأسود. ثم نظر إلى باطن كفّه الأخرى.

الأثر الشفاف. الرمز.

"ربما ما يريده ليس شيئاً محمولاً."

مروان التقط المعنى.

"يريد معرفة أنك حملته."

"أو أننا حملناه."

آمون كان يأكل ببطء.

"إذن بلاش يريد تأكيداً. وليس شيئاً مادياً."

"تأكيداً على ماذا؟" — يوسف.

"على أننا وصلنا."

صمت.

"وإذا كان هذا صحيحاً، فهذا يعني أنه لم يرسلنا لنحضر شيئاً." — مروان.

"بل أرسلنا لنصبح شيئاً." — يوسف.

آمون أغلق قطعة الرغيف في يده.

"أتمنى أن يكون الخبز في كيرانت لا يزال طازجاً."

وصلوا إلى كيرانت حين كان الليل يبني نفسه من الأطراف — من زوايا الأزقة ومن تحت أبواب الحوانيت المغلقة، كلون يُسكب في إناء من الأسفل لا من الأعلى.

السوق شبه فارغ. الباعة الآخرون رحلوا. بقيت فوانيس فوق طاولات خالية.

طاولة بلاش كانت في مكانها.

وبلاش كان في مكانه.

كأن الوقت في هذه البقعة يسير بقواعد مختلفة.

رآهم حين اقتربوا. نظر إلى يوسف، ثم إلى يد يوسف، ثم أغمض عينيه لحظة وفتحهما بتعبير رجل أجاب على سؤال كان يؤجّل إجابته.

"وصلتم."

"وصلنا." — يوسف.

"وحملتم الخاتم."

"هل كان لدينا خيار؟"

بلاش فكّر بصدق.

"كان. لكنكم لم تعلموا به."

"وما كان الخيار الآخر؟" — مروان.

"أن لا تلمس الضوء."

"وحين لا يلمسه أحد؟"

"يختار من يلمسه بنفسه."

"أي أنه كان سيختار شخصاً باللزوم، لا بالاختيار." — مروان.

"الخاتم الأول يجب أن يُحمَل. هذا ليس قانوناً فرضه أحد. هذا طبيعة الختم نفسه."

"وأنت من أرسلنا إليه." — يوسف.

"أنا من علم أنكم ستصلون."

"الفرق بين الاثنين دقيق جداً."

بلاش وضع يديه على الطاولة وشبّك أصابعه.

"أنتم أصحاء. وصلتم وعدتم. والخاتم على الجلد لا داخله — هذا مهم. ما دام على الجلد فقط، فأنتم أحرار في اختياركم."

"وإذا دخل الجلد؟" — آمون.

بلاش نظر إليه.

"حين يدخل الجلد، يصبح الاختيار أثقل."

"أثقل أم معدوماً؟"

بلاش لم يُجب.

وهذا كان إجابة.

يوسف وضع الحجر الأسود على الطاولة.

"هذا وجدناه عند عتبة الثوية."

بلاش نظر إلى الحجر. أصابعه الطويلة تحرّكت نحوه ثم توقفت.

"من وضعه هناك؟"

"لا نعرف." — يوسف.

"كم رقماً عليه؟"

"سبعة." — مروان.

بلاش تراجع في مقعده. حركة صغيرة لكنها ذات وزن.

"سبعة."

كررها كمن يتحقق من سماعه.

"هل تعرف ما يعنيه؟" — يوسف.

بلاش نظر إليه بعيون الأقفال والأبواب.

"يعني أنكم لستم أول من وصل."

"ومن سبقونا — أين هم الآن؟" — مروان.

صمت.

طويل.

بعدها قال بلاش بنبرة من يضع وزناً على كلمة لا تتحمل وزناً أكبر:

"هذا ما يجب أن تجدوه في المحطة الثانية."

يوسف نظر إلى مروان.

مروان نظر إلى الحجر الأسود على الطاولة.

آمون نظر إلى بلاش.

"الخبز في كيرانت — عند أي كشك يُباع؟"

بلاش رمشت عيناه.

"عند الكشك الشمالي."

"شكراً. هذه معلومة ثمينة." — آمون.

ناموا تلك الليلة في نفس الغرفة الضيقة التي خرجوا منها في الصباح.

الشمعة التي كانت انطفأت منذ ساعات كانت مضاءة الآن — أشعلها آمون بجمرة من موقد الحانة القريبة. ضوؤها الأصفر الدافئ مختلف عن اللهب الأبيض في الثوية. ضوء مألوف. ضوء الأشياء التي تفنى.

مروان كان يكتب.

لم يكتب في كتاب، بل على قطعة من الجلد الرقيق أخرجها من طيّات حقيبته. خط صغير ومضغوط، يملأ السطر حتى حافته ثم يبدأ سطراً آخر. يوسف رأى ذلك لكنه لم يسأل.

آمون خلع حذاءه وأسند ظهره إلى الحائط ونظر إلى الشمعة.

"يوسف."

"نعم."

"حين لمست الضوء — هل خفت؟"

يوسف فكّر بصدق.

"لا."

"لماذا؟"

"لأنني كنت فضولياً أكثر."

"والفضول يُخرج الخوف؟"

"الفضول يجعل الخوف يقف في الخلف وينتظر."

آمون فكّر في هذا.

"وحين ينتهي الفضول يعود الخوف؟"

"بفائدة مضاعفة."

آمون أغمض عينيه.

"هذا مزعج."

"نعم."

مروان لم يتوقف عن الكتابة.

الشمعة ترتجف.

يوسف نظر إلى باطن كفّه في الظلام — رفعها نحو الشمعة — وظهر الرمز. شفاف. هادئ.

وعلى قمة العمود في الثوية، في تلك الغرفة الواسعة التي لا يتناسب حجمها مع حجم القلعة من الخارج، كان الضوء الأزرق لا يزال يتموج.

من المركز نحو الأطراف.

نبضة.

ونبضة.

ونبضة.

والثوية كانت تنتظر الرقم السابع أن يعود.

— نهاية الفصل الثاني —

2026/04/23 · 3 مشاهدة · 2388 كلمة
YOU23EF
نادي الروايات - 2026