الفصل 74: هاه... من أين تعلمت تجفيف وتدخين اللحم؟
عندما عدت إلى المخيم، فوجئت برؤية أن ديدالوس قد أنهى بالفعل بناء بيت التدخين.
كان مجرد حاوية صغيرة مصنوعة من الطوب، لها فتحة تهوية على السقف.
كانت فلورين بجانب النار، تشوي سحلية أخرى اصطادتها ووحشاً آخر لم أرغب في معرفة المزيد عنه، بينما كانت أثينا وديدالوس يعملان في منزلي.
وبينما كان منزلي لا يزال تحت الإنشاء، بدا أنني سأضطر للنوم في كوخ أثينا مؤقتاً.
لم أزعجهم وبدأت في أداء مهمتي. أولاً، نظفت الأسماك، ثم بدأت في تدخينها لحفظها.
لو كان ذلك منذ فترة، كان عليّ أن أتلمس الطريق في الظلام. لكن لحسن الحظ، كانت هناك أضواء حول مكاني الآن.
لم تكن إعلانات، بل البلورات المتوهجة جعلت منطقتي أكثر إشراقاً من مستقبلي.
كانت كل برج عند البوابات الخشبية مزوداً بأضواء، وكل متر على طول الممرات يحتوي على أعمدة إنارة. كما كانت الفوانيس التي تحوي البلورات المتوهجة معلقة على جانبي كل مبنى وأبوابه.
أصبح التنقل في الليل أكثر سهولة مما كان عليه من قبل.
* * *
خطر في بالي فكرة. الفوانيس التي تحتوي على البلورات المتوهجة يجب أن تُباع، أليس كذلك؟ في مدينة روزليك، لاحظت أنهم لا يزالون يستخدمون المشاعل والشموع كمصدر رئيسي للضوء. وربما كانت المدن الأخرى على نفس الحال.
إذا كان الأمر كذلك، فسأصبح غنياً بعد تقديم شيء جديد في السوق!
<وقريتك ستكون في خطر الحرب بسبب البلورات المتوهجة. لكن هذا يناسب النظام تماماً. استمر في خططك، أيها المضيف. النظام يقف معك بنسبة مئتين في المئة!>
"..."
فجأة غيرت رأيي.
* * *
عدت لأركز على مهمتي، فتوجهت إلى البئر لأجلب بعض الماء الذي يمكنني استخدامه في تنظيف الأسماك. بعد غسلها، أزلت عظامها وأوتارها والدهون الزائدة، وهي خطوة حاسمة قبل تجفيف أو تدخين السمك.
قطعت بعضها إلى قطع أصغر. نصفها دُهِن بالملح والتوابل، والباقي نُقع في محلول مالح أعدّه أوليسيس.
كان تركيز المحلول المالح قد تم اختباره بالفعل. قبل نقع السمك، كسرت بيضة نيئة فوقه — طفت على السطح، مما يعني أن المحلول مالح بما فيه الكفاية.
مررت الأسماك الصغيرة إلى فلورين لتشويها بينما تعاملت مع الأسماك الكبيرة بنفسي، محضراً حساء السمك.
تبقت بعض الأسماك الأخرى، فعلقتها في منطقة جيدة التهوية في الهواء الطلق، متأكداً من أن ارتفاعها لا يقل عن مترين عن الأرض. لأن الحيوانات لو وصلت إليها، ستكون نهاية الأسماك.
كان دوران الهواء ضروريـاً لضمان عدم تعفن اللحم. أما بالنسبة للحرارة، فكل شيء كان جيداً طالما لم تتجاوز أربعين درجة مئوية.
أما الباقي، فوضعتها في بيت التدخين.
<واو، أيها المضيف. أنت تعرف حقاً ما تفعل حتى بدون مساعدة أثينا.>
قلت للنظام في رأسي: كنت أساعد أجدادي عندما كنت صغيراً.
* * *
امتلأ قلبي بالحنين عندما تذكرت تلك الأوقات التي كنت فيها طفلاً.
كانت قريتنا في المحافظة نائية جداً وبعيدة عن المدينة، مكان يمكنك فيه عد الأكواخ في سفح الجبال والحقول بأصابع يديك.
كنا فقراء جداً لدرجة أننا لم نستطع حتى شراء كيلوغرام واحد من الأرز، لذا كانت جدتي تعير أرضها مقابل الأرز. كان المزارعون الآخرون يستخدمون أرضها لزراعة المحاصيل ويدفعون مقابل منتوجاتهم.
هكذا كنا نكافح للبقاء.
رغم أننا لم نمتلك المال، لم نكن جائعين أبداً لأن الطعام كان وفيراً في الغابة والأنهار. وترعرعت وأنا أتعلم كل شيء عن كيفية البقاء باستخدام الموارد المتوفرة حولنا.
لم يكن لدينا كهرباء هناك. كنا نستخدم النار كمصدر للضوء. وفي أشهر المجاعة، كنا نأكل المنتجات المجففة والمخللة والمدخنة التي نصنعها بأنفسنا.
كانت الحياة صعبة، لكنها كانت تستحق العناء في النهاية. شعرت بشعور أفضل كثيراً بعد أن نجوت من تلك الأوقات العصيبة.
كان أجدادي صارمين وصلبين جداً. كانوا يخبرونني دائماً أن الحياة جميلة وأن الأوقات الصعبة مؤقتة فقط — فقط لا تستسلم في النهاية.
... لكنهم رحلوا.
أشتاق إليهم كثيراً. لقد ماتوا منذ سنوات، لكنني ما زلت أرى وجوههم واضحة كأنها أمامي.
كانوا يقولون دائماً إنه طالما نحن على قيد الحياة، فعلينا أن نعيش حياتنا على أكمل وجه. كانوا يشجعونني على التمتع والفرح. وحتى في أسوأ أيامي، كان جدي يخرج الهارمونيكا ويعزف لي أغنية "النعمة العظيمة".
في كل مرة أسمع تلك الأغنية، أعرف أن كل شيء سيكون على ما يرام مرة أخرى. وعندما كنت أستمع إليها، كنت أشعر بالهدوء يملأني.
ابتسمت لذكرياتي معهم. مشاهدة طبخهم واللعب معهم كانت من أجمل أوقات طفولتي.
كانت جدتي تعرف كيف تجعلني أضحك. التواجد بجانبها كان يجعلني أشعر بأمان غامض. أما جدي، فكان قليل الكلام، لكن حسه الفكاهي كان رائعاً أيضاً.
لم أدرك قيمتهم الحقيقية إلا بعد رحيلهم. كان فيهم شيء خاص جعلني أرغب بأن أكون أفضل مما كنت عليه. كانوا أقوياء وشجعان، وما زالوا كذلك حتى عندما لم تسر الأمور كما يشاؤون.
علموني ألا أستسلم مهما حدث. علموني أن أواصل القتال من أجل ما أريد. علموني ألا أدع أحداً يسلب أحلامي.
... كنت أحتاج إليهم أكثر من أي وقت مضى الآن.
رمشت بعيني لتكبح دموعي وأخذت نفساً عميقاً قبل أن أستأنف عملي.
الشيخوخة أخذتهم مني.
<...>
* * *
مرت الليلة كالمعتاد. كانت فلورين تتحدث عن يومها كالعادة. ديدالوس لم يكن يزعجه عمله. أثينا كانت تلقي محاضرات عن أمور لا تهمني. وأوليسيس كان غارقاً في مختبره، غير مبالٍ بما يحدث في الخارج.
نعم، كالمعتاد.
وأثناء النظر إلى هؤلاء الكائنات الذين قابلتهم للتو، رنّت كلمات أجدادي الأخيرة في رأسي، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي.
"قد يُغلق باب، لكن باباً جديداً سيفتح."
وأملت أن يدوم هذا السلام إلى الأبد.