"منذ متى بدأ يدخّن تلك السيجارة؟"
"منذ شهرين... لا، اقترب الأمر من ثلاثة أشهر الآن. كانَ يعاني من أعراض الأرق من قبل، لكن لم تكن بهذه الشدّة."
ثلاثة أشهر.
كانَ ذلك بعد عودة أوديلي مباشرة إلى الماضي "العودة بالزمن".
'السبب واضح جدًا'
نظرتْ أوديلي بحزنٍ إلى السيجار التي رُتّبت بعناية داخل العلبة.
هل يمكن حقًا تسمية هذا بدواء للنوم؟
إذا لم يستطع الإنسان النوم على الإطلاق، فلن يتمكّن من العيش، لذا كان هذا إجراءً لا مفرّ منه.
لكنه كانَ أقرب إلى الوسيلة الأخيرة لإرغام شخصٍ ينهار دون وعي على النوم في الفراش.
"ألم يكن هناكَ حلّ آخر؟"
"للأسف، لا. يعلمُ سيّدي ذلك جيدًا أن هذا ليس حلاً جذريًا. لكن بدونَ هذا ... كانَ يعاني كثيرًا."
تردّد كبير الخدم للحظة قبل أن ينطق بكلمة "كثيرًا".
بدا و كأنه تعبيرٌ مُلطّف عن قول "يفقد عقله و يثور".
"سيّدي لا يهتمُّ بنفسهِ على الإطلاق."
كانَ كبير الخدم يهتم حتّى بصحّة أوديلي بعناية فائقة.
فكمْ عانى ذلك الرّجل من الألم حتّى اضطر ليس فقط لتجاهل تدمير سيّده لنفسه، بل لمساعدته بنفسه؟
راقبت أوديلي كبير الخدم وهو يضع السيجارة الأخيرة بحذرٍ داخل العلبة، وفكّرت:
'مهما كلّفَ الأمر، يجب أن أجعله يوقّع على وثائق الزواج أولاً.'
بأيّ وسيلةٍ كانت.
فبهذه الطريقة فقط يمكنها أن تتدخّل في حياة لودفيل اليوميّة، و أن تملك الحقّ في التعامل مع الأشياء التي تدمّره.
* * *
في تلكَ الليلة-
بدأت الأعلام تظهر من أقصى السهل الثلجيّ الغربيّ.
تقدّمَ سرب من الفرسان يرتدون أردية سوداء، يخترقون الثلج المتساقط، وفي المقدّمة كان رجل يبدو كسولاً يمتطي جوادًا.
لودفيل إكسيبسيون.
عاد هذه المرّة أيضًا، كعادته، متشبّعًا برائحة الموت.
كان درعه ملطّخًا بدماء قرمزيّة جافّة، و من غمد سيفه كانت تقطر عصارة الوحوش.
خلع لودفيل خوذته بيد واحدة، ثمّ قفزَ من على جواده بجرأة.
رمى قفّازاته الملطّخة بالدماء، و أومأ برأسه فقط دون كلمة للجنديّ الذي رحّب به بتحيّة عسكريّة.
"هل حدثَ شيء غير عاديّ في القلعة؟"
"لا، لا شيء يُذكر، سيدي."
رفع قائد الحرس تحيّة رسميّة لسيّده، ثم فجأة أطلق صوتًا مندهشًا: "آه."
"لقد دخل لصّ."
"لصّ؟"
"نعم، كانَ يختلس الأموال منذ عشر سنوات، و اكتُشف أمره هذه المرّة عندما أُمسك وهو يسرق أغراضًا ثمينة."
توقّف لودفيل للحظة.
"لماذا تُبلغني عن مجرمٍ تافه كهذا؟"
سألَ بدهشة.
كانَ من المفترض أن يتعامل قائد الحرس مع مثل هذه القضايا بصمت وفقًا لقوانين الدوقيّة الكبرى دون الحاجة إلى إبلاغه.
"لأنّ من أمسكَ باللصّ هي الدوقة الصغيرة"
"...ماذا؟"
في تلك اللحظة، تذكّر لودفيل المرأة التي اقترحت عليه زواجًا تعاقديًا.
"المشاكل الدّاخليّة العديدة التي تواجهها الدوقيّة الكبرى حاليًا، و الاهتمامات الخارجيّة غير الضروريّة، و مكانتكَ في المجتمع الأرستقراطيّ ... يمكنني مساعدتكَ في مجالات كثيرة. كثيرة جدًا"
تذكّر شفتيها الباهتتين و هما تتحرّكان، وصوتها الهادئ و النقيّ لا يزال يتردّد في أذنيه.
"أمسكتْ باللصِّ بمفردها..."
بعد أن استمع لودفيل إلى التفاصيل من قائد الحرس، شعر بالذهول للحظة.
الشمال أرض المحاربين.
معظم الناس في هذه القلعة، رجالاً و نساءً، يجيدون استخدام السيف.
جندي مدرّب، أو حتّى حارس بوّابة مبتدئ، أو خادمة عابرة، سيكونون أقوى بكثير من دوقة صغيرة يُقال إنّها ضعيفة البنية.
ومع ذلك، لم تكتفِ بكشف اللصّ وحدها، بل أمسكت به أيضًا؟
بل إنّه لصّ تمكّن من الاختلاس لمدّة عشر سنوات دون أن يُكتشف؟
ثم أضاف قائد الحرس بحذر:
"...لكن ذلك اللصّ حاولَ قتل الدوقة الصغيرة بشكلٍ عفويّ"
في تلكَ اللحظة، بدا العالم كلّه هادئًا بشكل غريب.
صوت التنفّس، وجه قائد الحرس أمامه، كلّ شيء تلاشى كما لو كان خلف زجاج ضبابيّ، بعيدًا عن إدراك لودفيل.
لم يبقَ سوى تلك الجملة.
الدوقة الصّغيرة كادتْ أن تُقتل ...
تلكَ الكلمات ظلّت تدور في ذهنه.
رفعَ يده التي توقّفت للحظة ببطء، وأمسك بالقفّازات الملطّخة بالدماء التي رماها.
بينما كانَ يرتدي القفّازات، التي لم يعد بالإمكان تمييز لونها الأصليّ بسبب بقع الدم القرمزيّة، قال:
"ذلك اللصّ، سأستجوبه بنفسي"
ابتلعَ الجنود أنفاسهم غريزيًا.
الرّجل الذي كانَ يحتفظ بهدوئه حتّى عندما يقترب الوحش منه مباشرة، كان الآن لا يخفي نواياه القاتلة.
محى تعابير وجهه ببرود، ثم اتّجه مباشرة نحو السّجن تحت الأرض.
ثم خطر فجأةً سؤال في ذهنه:
'لماذا يزعجني هذا الأمر إلى هذا الحدّ؟'
إنّها مجرّد خيانة من خادمٍ بسيط.
لم يكن قاتلاً مأجورًا يستهدف الدوقة الصغيرة تحديدًا.
مجرّد شخصٍ مدّ يده بشكلٍ عفويّ لأنّ المرأة أمامه كانت أضعف منه.
جبانٌ يتغلب على الضعفاء.
لماذا أشعر بهذا الغضب الشّديد تجاه هذا الكائن التّافه؟
'لا، حتّى لو كانَ قاتلاً مأجورًا يستهدف الدوقة الصغيرة، ما علاقتي بذلك؟'
لقد وعدَ بحمايتها لمدّة أسبوعين.
إذا حدثَ لها شيء، سيكون ذلك مزعجًا.
لو كانَ هذا هو السبب، لكان من الكافي تشديد العقوبة.
لكن لماذا يشعر بهذا الغضبِ الذي يجعل دمه يغلي؟
أغمض عينيه بقوة.
شعورٌ لا يمكنُ تفسيره عقليًا يستمرّ في الظهور رغم محاولاته لكبحه.
ثم عادَ ذلك الصداع المزعج.
"....."
فتحَ لودفيل عينيه بهدوء.
لم يعد هناكَ أيّ تردّد في عينيه.
واستأنف خطواته، متّجهًا نحو السلّم المؤدّي إلى السجن تحت الأرض.
'هل السبب مهمّ حقًا؟'
لم يعد لهذا أيّ معنى منذ زمن.
إذا أرادَ فعل شيء، فسيفعله.
في منتصف الليل المظلم، لم تُسمع من السجن تحت الأرض صرخات الاستغاثة أو الصراخ.
فقط أصوات التكسّر.
صوت العظام و هي تنكسر، واللحم وهو يتمزّق.
ثم السكون الشبيه بالقبر.
* * *
سمعتْ أوديلي خبر عودة لودفيل في الصباح التالي ، عند شروق الشمس.
"يبدو أنّه فعلَ شيئًا كبيرًا فور وصوله"
تجنّبت ليونا الخوض في التفاصيل.
كانت متردّدة في الحديثِ عن الحالة التي أصبح عليها زيك ، المسجون في القبو.
بعد تردّدٍ قصير، اختارت ليونا كلماتها بعناية:
"إذا تدخّل سيدي بنفسه ... حسنًا ، على أيّ حال ، لا تقتربي من السجن تحت الأرض."
ثم هزّت رأسها بنفور.
'يبدو أنّه قامَ بتعذيبه.'
لم تسأل أوديلي المزيد.
كانتْ تعتقد أنّها تعرف جيدًا دون الحاجة إلى السؤال.
لكن ما أثارَ انتباهها هو أنّ لودفيل تدخّل بنفسه في قضيّة مجرم تافه.
في حياته السابقة، كانَ لودفيل يرى الناس كمجرّد موارد، ويتّخذ قراراته بحسابات باردة ومثاليّة.
لم يكن ذلك تصرّفًا مثاليًا، لكنّه كان يملكُ هدفًا واضحًا آنذاك.
هدفه كانَ إنقاذ أوديلي.
أمّا الآن، فهو يتصرّف بعاطفيّة، يعاني من الشعور بالخسارة دون هدف واضح، و يثور بشكلٍ عشوائيّ.
يبدو وكأنّه قد ينهار في أيّ لحظة.
كانت أوديلي تخشى أن يعيش لودفيل يومًا عاديًا، ثم ينهي حياته فجأةً دون سابق إنذار.
كان ذلك يرعبها.
'يجب أن أجدَ طريقةً لعلاج الأرق أولاً.'