عندما تنهارُ الاحتياجات الأساسيّة للإنسان ، قد يصبح عرضةً للتصرّفات الاندفاعيّة في أيّ وقت.
لذا، كان يجبُ على الأقل مساعدته على النوم جيدًا.
لكن لتحقيقِ ذلك ...
'لا يمكنني أن أتبعه إلى غرفة نومه وأقول إنّني سأساعده على النوم.'
إذن، يجبُ الاقتراب بطريقة أخرى.
'الطعام، على الأقل يجبُ أن أعتني بوجباته.'
النوم و الطعام مترابطان ارتباطًا وثيقًا.
تذكّرت أوديلي محادثةً سمعتها قبل أيّام بالقرب من المطبخ، حيث كان خدم لودفيل المباشرون يتحدّثون بجديّة.
قالوا إنّه في الآونة الأخيرة لا يلمس الطعام، ويكتفي بإفراغ كؤوس الخمر.
شخصٌ بضعفيّ حجم الآخرين ، إذا تناول الطعام بهذه الطريقة البسيطة ، سيفقد قوّته ، وعندما يفقد قوّته، لن يتمكّن من النّوم جيدًا.
بعد أن أنهت ليونا تجهيزَ أوديلي الصباحيّ، نهضت أوديلي دونَ تردّد واتّجهت مباشرة إلى المطبخ.
* * *
عندما دخلت المطبخ، تفجّرت رائحة قويّة لمرق اللحم ممزوجة برائحة التوابل.
على الرّغمِ من الوقت المبكّر، كان مساعدو المطبخ يتحرّكون بين الأواني وألواح التقطيع دون توقّف.
وقفت أوديلي في زاوية لتجنّب إزعاجهم، وانتظرت قليلاً.
في تلكَ اللحظة، لاحظها رئيس الطهاة، الذي كان يقطّع المكوّنات بعناية، فتوقّف مصدومًا.
"...الدوقة الصغيرة؟"
وضعَ السّكين جانبًا، وعدّل مئزره بسرعة، ثم انحنى بعمق.
"ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكّر؟ هل هناك طعام معيّن تريدينه؟"
على الرّغمِ من أدبه الظاهريّ، كان هناك توجّس في عينيه.
حتّى لو كانت أميرة كارديل، فهي في النهاية غريبة.
ليس من السّهلِ التغاضي عن دخول غريب إلى المطبخ.
ماذا لو حاولت وضع سمّ في الطعام؟ سيكونُ هو المسؤول بالكامل.
"أعتذر، لكن لا يُسمح بدخول المطبخ دون إذن. إذا كنتِ بحاجةٍ إلى شيء، أخبريني و سأجّهزه لك."
كان وجه رئيس الطهاة مليئًا بالتوتر والقلق، خوفًا من أن تتسبّب الدوقة الصغيرة، التي يُقال إنّها نُشئت برفاهية، في مشكلة.
لكن كلمات أوديلي خرجت بعيدة تمامًا عن توقّعاته.
"آه، حسنًا، أعتذر عن ذلك."
أقرّت أوديلي بخطئها بهدوء و تراجعتْ خطوة إلى الوراء.
ابتعدت لتوضّح أنّها لا تنوي لمس طعام المطبخ، ثم أخيرًا طرحت الموضوع الرئيسيّ:
"ما قائمة الإفطار التي ستُقدّم لسيدي اليوم؟"
لم يستطع رئيس الطهاة إخفاء دهشته.
تلاشى التوجّس في عينيه تدريجيًا.
تردّدَ للحظة، ثم قال:
"نحضّر مرقًا من لحم العجل المطهو ببطء مع العصير، و بعض الهريسة. بما أنّ كميّة طعامه قلّت كثيرًا، اخترنا قائمة خفيفة لتكون لطيفة على معدته. الخضروات المصاحبة ستُطهى على البخار."
نظرت أوديلي إلى طاولة الطهي وهي غارقة في التفكير.
كانَ الطعام عبارة عن دقيق الشوفان، العدس، والبازلاء المهروسة مع قليل من العسل والحليب، وهو ما يُعرف بـ"هريسة الحبوب".
قد يكون طعامًا صحيًا، لكنّه لا يبدو مفيدًا للودفيل الآن.
'إثارة شهيّته هي الأولويّة.'
غاصت أوديلي في ذكريات لودفيل.
في أيّام العبوديّة.
عندما كانَ يرمي بنفسه بتهوّر إلى ساحة المعركة، ممسكًا بسيف واحد ليحقّق القوّة.
مات، و مات، و مات مرّةً أخرى.
بعد تكرار لا نهائيّ للرجعة، جاء اليوم الذي "عاش" فيه أخيرًا.
لم يَعُد بأطراف سليمة.
كانتْ أضلاعه متصدّعة، وذراعه مثقوبة بسهم، ولم يكن قادرًا على المشي بسهولة.
لكنّه كانَ حيًا.
كانَ يتنفّس.
في ذلك اليوم، قدّم له المسؤول عن توزيع الطعام هريسة شعير دافئة مع بعض قطع اللحم المدخّن فوقها.
كانَ ذلك مخصّصًا للجنود الناجين فقط.
كانت لزجة لكنّها لذيذة، مالحة لكنّها غنيّة بالنكهة.
أدركَ لودفيل حينها.
لقد تحرّرَ أخيرًا من سلسلة الموت اللعينة تلك.
'لقد عشت.'
ذلك الطعم، تلك الذكرى، أعادت إليه رغبته في الحياة.
في زاوية المخيّم، فركَ خاتمًا مرصّعًا بجوهرة الرجوع بأصابعه، و تمتمَ لنفسه:
"قال قائد الفرقة إنّه لاحظني، يا سيّدتي. بفضل هذا، قد أتمكّن من الصمود قليلاً في هذه الحياة."
"سأنجو في المعركة القادمة أيضًا. حتّى تبلغي الثلاثين بسلام، لن أسمحَ لأيِّ موتٍ بأن يأخذني."
"آه، في هذه الحياة، لستِ زوجتي بعد، أليس كذلك؟ ...لا يهمّ. حتّى بدون إجراءات رسميّة، أنتِ دائمًا زوجتي."
في اليوم التّالي، ألقى بنفسهِ إلى ساحة المعركة مرّةً أخرى.
يكرّر الموت و الرجعة بلا نهاية.
أغمضت أوديلي عينيها، كما لو كانت تدفع ذكريات لودفيل بعيدًا.
'قد لا تكون تلكَ الذكرى موجودة الآن، لكن ذلك الطعم قد يثير شهيّته مجدّدًا.'
ثم فتحت فمها أخيرًا:
"لقد أحسنتَ اختيار طعام سهل الهضم. لكن الآن، إثارة الشهيّة أهمّ من التغذية."
"هذا صحيح... لكن حتّى الأطعمة التي كان يحبّها، يتركها كلّها هذه الأيّام..."
خفض رئيس الطهاة رأسه، كما لو كان يشعر بالخجل.
كمسؤول عن طعام الدوق الأكبر، بدا أنّه يشعر بالضيق من مجرّد قول هذا.
"هذا ليس خطأك."
قاطعتْ أوديلي شعوره بالذنب بحزم.
"من الأفضل تحضير هريسة الشعير."
رمش رئيس الطهاة بعينيه بدهشة.
"هريسة الشعير؟"
كانت هريسة الشعير تُعتبر طعام الفلاحين الفقراء، لذا كانَ التردّد واضحًا على وجه رئيس الطهاة.
لم يقل شيئًا، لكن بدا واضحًا أنّه يفكّر: "هل سيحبّ سيدي مثل هذا الطعام؟"
لكن أوديلي لم تهتمّ و تابعت:
"قطّع اللحم المدخّن إلى شرائح رقيقة وضعه فوق الهريسة. اجعل القوام خفيفًا، انقعه في الماء لفترة طويلة، ثم اطهه على نار هادئة لوقت كافٍ. يجب أن يبدو طريًا من الخارج، لكن دون أن يتفكّك."
كانت أوديلي زوجة لودفيل في حياتها السابقة.
لم تكن تلكَ حياة عاشتها بنفسها.
لكن من خلال ذكرياته، رأت أيامًا لا تُحصى تحتوي على وجبات مشتركة و مشاهد من المائدة.
لذا، كانت تعرف ذوقه أفضل من أيّ شخص آخر.
تابعتْ ببطء ،
"أضف بعض الفواكه البريّة، مثل التوت البريّ أو التوت الأسود."
من خلال ذكريات الوجبات التي أعدّتها أوديلي على المائدة، بدا أنّ لودفيل كان يحبّ الطعام المالح الذي يحتوي على قطع لحم مشبعة بالعصارة، مع لمحة خفيفة من الحلاوة.
لكن ربّما بسبب ذكر مكوّنات تبدو متواضعة إلى درجة الفقر، لم يكن تعبير رئيس الطهاة جيّدًا.
"التوت البريّ؟ وليس التوت العاديّ؟"
"نعم. الفواكه البريّة أقلّ حلاوة، لذا قد يكون من الجيّد إضافة القليل من العسل."
"...لا أعتقد أنّ سيدي سيأكل مثل هذا الطعام."
كانَ هناك شكّ حذرٌ في صوت رئيس الطهاة.
حتّى لو كانت كلمات الدوقة الصغيرة، كان قلقًا من أن يُلام لاحقًا إذا قدّم مثل هذا الطعام للدوق الأكبر.
"ألم تقل إنّه لا يأكل شيئًا على أيّ حال؟"
كانت تعني أنّه لا خسارة في المحاولة.
نظرت إليه بابتسامة هادئةٍ مطمئنة.
"لنفعل هذا. في وقت الإفطار، قدّم الطعام الذي أعددته كالمعتاد. لكن إذا لم يلمسه وشرع في شرب الخمر فقط، عندها قدّم هذه الهريسة."
"....."
"إذا ساءت الأمور، سأتحمّلُ المسؤوليّة."