سادَ الصمت للحظة، وكأنّ رئيس الطهاة قد أُسكِتَ تمامًا.

لكنّه سرعانَ ما قرأ في عينيّ أوديلي الزرقاوين ثقةً لا تتزعزع.

‘هل هي واثقة حقًا إلى هذا الحدّ؟’

عندما أبدت أوديلي استعدادها لتحمّل كامل المسؤولية، تردّد للحظة ثمّ فتح فمه بنبرةٍ حاسمة وكأنّه قد عقد العزم أخيرًا:

“...حسنًا. سأحضّر الطعام كما طلبتِ يا سيّدتي.”

أمر رئيس الطهاة مساعديه في المطبخ:

“جهّزوا التوت الأسود والتوت البريّ والشعير.”

أمّا اللحم المدخّن فلم يكن مشكلة، لكنّ مكوّنات مثل الشعير أو التوت البريّ لم تكن مخزّنة عادةً، فهرعوا لتأمينها من الخارج على عجل.

غادرتْ أوديلي المطبخ بهدوء لئلا تعيق عملهم.

كونها مجرّد غريبة، كان هذا هو الحدّ الأقصى الذي تستطيع فعله الآن.

لم يبقَ سوى شيءٍ واحد.

هل سيأكل من تلكَ العصيدة ولو ملعقة واحدة؟

كلّ ما يمكنها فعله هو المراقبة من بعيد.

* * *

طُق، طُق.

رنّ صوت طرقٍ خفيف على الباب.

“قلتُ إنّني لا أريد شيئًا.”

تحدّث لودفيل بنبرةٍ غير مبالية، وكأنّه يعرف هويّة الطارق مسبقًا.

لم يُخفِ انزعاجه أبدًا.

“...سموّك.”

فتح الباب، وكما كان متوقّعًا، دخل رئيس الطهاة حاملًا صينيّة فضيّة بكلتا يديه بحذر. لكنّه توقّف عند العتبة بعد أن قوبل بالرفض.

لم يرفعْ لودفيل رأسه، وبقيت عيناه مثبتتين على الأوراق أمامه، و هو يلوّح بيده بلا مبالاة و قال:

“خذها و غادر.”

ما إن نطقَ بذلك حتّى برقت عينا إدوين، مساعد الدّوق الأكبر، بنظرة حادّة.

“ألم تتناول فطوركَ بعد؟ إذًا يجب أن تأكل الآن! كيف تطرد رئيس الطهاة كما لو كنتَ تطرد حشرة؟”

وقعتْ عيناه على زجاجة الخمر وكأسها الممتلئ نصفه على المكتب.

حتّى اليوم، يستبدل الطعام بالخمر!

هناك حدودٌ لعدمِ الاهتمام بالصحّة!

كادَ إدوين أن ينفجر بتوبيخه الذي بلغ حنجرته، لكنّ رئيس الطهاة، وبعد تردّدٍ لحظيّ، فتح فمه بحذر:

“إذا رفضتَ الطعام مجدّدًا، فقد أمرتني السيّدة أن أقدّم لكَ هذا.”

عندما ذكرَ اسمًا غير متوقّع، تغيّرت تعابير الرجلين في الوقت ذاته.

اتّسعتْ عينا المساعد بدهشة، بينما رفع لودفيل رأسه قليلًا، عابسًا بصورة طفيفة.

“...السيّدة كارديل؟”

خرجَ صوته المنخفض كمن يحدّث نفسه.

أعطاها فرصةً لمدّة نصف شهر لتسليته، فهل هي تلك الفتاة التي أغلقت على نفسها في الجناح الجانبيّ و لم تخرج؟

أطلق لودفيل ضحكة ساخرة: “ها!”

كانَ يظنّ أنّها اختبأت خوفًا، لكنّها في هذه الأثناء ألقت القبض على لصّ، أليس كذلك؟

تبدو كمن يتجوّل هنا وهناك بنشاط، لكنّه لا يعرف ما الذي تفعله بالضبط.

“نعم، يبدو... أنّها قلقة بشأن سموّك.”

أضافَ رئيس الطهاة رأيًا شخصيًا نادرًا.

في البداية، شعر بالحيرة.

عندما ظهرت السيّدة فجأةً في المطبخ وأصدرت تعليمات بشأن قائمة الطعام، لم يستطع استيعاب الأمر.

لكنّ كلماتها عن تحمّل المسؤولية كانت تحمل ثقة واضحة.

مهما كانت نواياها، فهذا أمر منفصل.

بصراحة، لم يهتمّ رئيسُ الطهاة إن كانت السيّدة جاسوسة أو غير ذلك.

كلّ ما يهمه هو أن ينهي الدّوق الأكبر طعامه.

‘هه.’

شعر لودفيل بالذهول عندما بدا أنّ رئيس الطهاة ينحاز إلى أوديلي.

ألا يملكُ كبرياء؟

كيف يقبل بسهولةٍ تدخّل غريبة وصلت لتوّها إلى القصر في شؤون المطبخ؟

‘حتّى كبير الخدم بدا في حالة غريبة، والآن تم تهييء رئيس الطهاة أيضًا.’

كانَ الأمر مضحكًا.

أعطاها فرصة نصف شهر فقط، فلماذا تهتمّ بالآخرين؟

إذا كانتْ تريدُ السّلطة، فهل تخطّط لكسب وِدّ من حوله أوّلًا؟

لكنّه فكّر بعد ذلك

‘حتّى لو فعلتْ ذلك، ألن تدرك أنّ القرار النهائيّ بيدي؟ هي ليست غبيّة لهذه الدرجة.’

مثل النساء الأخريات، ألم يكن عليها أن تتبعه في كلّ مكان وتزعجه لتخلق فرصة؟

‘ألم يكن عليها أن تقدّمَ هذا بنفسها وتدّعي أنّها أعدّته لأجلي لتتباهى؟’

حدّقَ لودفيل في الطّبق المغطّى بغطاء فضيّ بنظرة غير راضية.

صمت لفترةٍ طويلة.

أخيرًا، أشار برأسه وقال:

“...ضعه و غادر.”

انحنى رئيس الطهاة بهدوء و غادر، وعادَ الصمت إلى الغرفة.

بقي وعاء عصيدة الشعير وحيدًا على الطاولة.

رفعَ لودفيل الغطاء.

تصاعد البخار، و انتشرت رائحة شهيّة ببطء في الغرفة.

عصيدة شعير نقيّة.

على حبات الشعير المشبعة بالماء، وُضعت بضع شرائح من اللحم المدخّن بشكل أنيق.

زيّن التوت الأسود والتوت البريّ الأطراف، وتدفّق خيط من العسل ليضفي لمعانًا خفيفًا.

“...هذا، طعام الكلا.. كح.”

من الخلف، سعل إدوين الذي كان يراقب بهدوء.

كاد يقول إنّ هذا يشبه “طعام الكلاب”.

كانَ الطبق متواضعًا جدًا ليكون طعامًا يُقدّم لدوقٍ أكبر.

لم يكن حتّى لائقًا بقائمة طعام النبلاء، بل أقرب إلى وجبة إفطار يتناولها العبيد.

من الأساس، كيفَ يمكن لسيّدة من عائلة كارديل الدوقيّة أن تبتكر مثل هذه القائمة بنفسها؟

كان هناكَ بالتّأكيد نية خبيثة...

“كح، سموّك. هل أغضبتَ السيّدة بشيء؟”

“......”

“يبدو أنّها تكرهكَ بشدّة...”

لم يُجب لودفيل، لكنّ شعورًا مألوفًا ومزعجًا كان يربك أفكاره.

بعد أن حدّقَ في الطبق لفترة طويلة دون كلام، رفع الملعقة بهدوء.

مع أوّل ملعقة، غمرت النكهة المالحة للحم المدخّن لسانه أوّلًا.

تبعها طعم الشعير الطريّ، ينتشر برفق في فمه.

لم يكد يستمتع بالانسجام حتّى برزت الحموضة الخفيفة للتوت الأسود والتوت البريّ.

أضافت نكهة الفاكهة النابضة انتعاشًا مرحًا، ثمّ استقرّت حلاوة العسل الخفيفة على طرف لسانه.

امتزجت النكهات المالحة والشهيّة والحامضة والحلوة دون تنافر، متدفّقة كالماء.

‘لماذا...’

لماذا هَذا لذيذ؟

عبسَ لودفيل وهو يأخذ ملعقة أخرى.

عصيدة الشعير كانت طعامًا شائعًا في أيّام العبوديّة.

لكنّ هذا المزيج جديد.

مألوف لكنّه غريب، غريب لكنّه جذاب بطريقة غريبة.

لم يتذكّر أنّه أكلَ شيئًا كهذا من قبل، لكنّه لم يشعر بأيّ نفور.

طعام يثير الحنين إلى وطن غير موجود.

رفعَ لودفيل الملعقة مجدّدًا بهدوء.

ملعقة أخرى، ثمّ أخرى.

القوام الناعم ينتشر.

الدفء ينزل عبر حلقه.

ثمّ توقّفَ فجأة.

كما لو كان جائعًا منذ زمن طويل، استجاب جسده أوّلًا.

لم يكن جوعًا.

كانت شظايا مشاعر تائهة، تتخبّط دون أن تعرف إلى أين تتّجه.

2026/01/08 · 37 مشاهدة · 859 كلمة
نادي الروايات - 2026