“...لماذا؟ ”

أمسكَ جبينه و همهمَ بنبرة منخفضة:

“لماذا، بحقّ الجحيم، شيء كهذا...”

عقله يرفض قبوله، لكنّ غريزته تقول إنّه مألوف وآمن.

كونهُ عبدًا سابقًا، لا وطن له.

فلماذا يشعر بالحنين؟

في النّهاية، لم يدفع الوعاء بعيدًا.

استمرّ في الأكل كما لو أنّ شيئًا يجذبه.

حتّى الملعقة الأخيرة.

عندما رنّ صوت الملعقة وهي تصطدم بقاع الوعاء، توقّفَ أخيرًا.

“......”

عمّ الصمت الغرفة.

حدّق لودفيل في الوعاء الفارغ للحظة.

حتّى بعد أن أفرغه، بقيت نكهته في فمه.

وذلك الشيء الدافئ، لم يقتصر على ملء معدته، بل تسلّلَ إلى قلبه بطريقةٍ غريبة.

بشكلٍ مزعج.

“...لعلّها وضعت سمًا.”

أن يناسب ذوقه، قد يكون ذلك ممكنًا.

لكن أن يؤثّر على مزاجه أيضًا، أليس ذلك غريبًا؟

“السيّدة هي من أمرَ بذلك، لكنّ رئيس الطهاة هو من أعدّه.”

“.....”

هل ربّما رشَه رئيس الطهاة؟

حتّى لودفيل عرفَ أنّ هذا افتراض مبالغ فيه، فلم يُكمل حديثه.

نظر إليه إدوين من زاوية عينيه و قال بحذر:

“هل آمر بتحضيرِ طبق آخر مثله؟”

لم يجب لودفيل، لكنّ مساعده الذكيّ لم ينتظر، بل اندفع خارجًا فورًا.

بعد أن أغلق الباب، جلس لودفيل صامتًا لفترة، ثمّ عبس بشدّة.

‘هل جننت؟’

شعرَ بغثيان، ليس بسبب معدته، بل بسبب مزاجه.

بالتأكيد بسبب هذا الّطعام الغريب الذي قدّمته السيّدة.

وضعَ الملعقة بنظرة منزعجة.

* * *

منذ ذلك اليوم، بدأت أوديلي ترسلُ الطعام يوميًا.

بدأت بالعصيدة لتهدئة معدته، ثمّ تحوّلت مائدته تدريجيًا إلى وجبات أكثر تغذية وتنوّعًا.

من الطّعام إلى الحلويات والشاي، لم تترك شيئًا.

حساء مع مرق السمك و أعشاب، دجاج مشويّ مع التين المجفّف والمشمش، كعكة الليمون بالروزماري، خبز السكون مغطّى بالعسل وجبن الكريمة، وشاي الكاموميل الممزوج بالزنجبيل...

رئيس الطهاة هو مَن أعدّ الطعام، لكن من الواضح من أين جاءتْ هذه القوائم المميّزة.

‘مجرّد خبز سكون عاديّ.’

فلماذا أيقظَ شهيّته التي ظنّها ميتة؟

حتّى عندما كانَ جائعًا، لم يكن يرغب في الأكل.

كانَ يمضغ و يبتلع بالقوّة ليعيش، لكنّ الطعام كان يعلق في حلقه كالرمل.

فلماذا كلّ ما تقدّمه السيّدة لذيذ؟

نظر لودفيل إلى خبز السكون الذي لا يزال دافئًا بنظرة مرتابة.

“...ما الذي وضعوه في هذا بحقّ الجحيم؟”

أجابَ رئيس الطهاة:

“زبدة من مزرعة مورنينغبيل، عسل من بوتيك هونيريان، و جبن كريمي من هايمبير.”

“هل حدّدتْ كلّ هذهِ التّفاصيل بنفسها؟”

“نعم، أليس مذهلاً؟ إذا كانت تحفظ الوصفات بهذا الشكل، فهذا يعني أنّها ليست مجرّد محاولة أو اثنتين.”

نكهة غريبة لكنّها مريحة.

وأطباق تناسبُ ذوقه بشكلٍ غريب.

كانَ لودفيل يتردّد أمامَ المائدة في كلّ مرّة.

لكنّه في النهاية يفرغ الطبق، يشعر بالشبع، ويتبعه هدوء غريب.

كلّ يوم، كانَ الفراغ والغضب اللذان يجتاحانه يهدآن خلالَ تلك اللحظات.

كأنّ تلك الوجبة القصيرة تغطّي شيئًا فارغًا مؤقتًا.

‘اللعنة.’

لم يستطع إنكار أنّه يعتاد على أطباقها.

‘هل تحاول زيادةَ نفوذها بهذه الطريقة؟ ماكرة جدًا...’

أليس محاولة أسْرِ ذوقه نوعٌ من الغشّ؟

شعر لودفيل وكأنّ أوديلي قد خدعته.

سأل إدوين، الذي كان يراقب بهدوء، بفضول:

“يبدو أنّ هذه أوّل مرّة أراكَ تستمتع بالطعام هكذا، سموّك.”

“كنتُ آكل جيّدًا من قبل. لم أكن أرفض شيئًا.”

أجابَ لودفيل.

لم يكن يكذب.

قبل ثلاثة أشهر، كانَ يأكل كلّ شيء بسبب حجمه الكبير و نشاطه.

لم يكن يميّز في الطعام، و كانت وجباته منتظمة إلا إذا كان مشغولًا.

هزّ إدوين رأسه وقال: “بالطبع، كنتَ تأكل جيّدًا، لكنّك كنتَ تملأ معدتك فقط. أمّا الآن...”

توقّفَ للحظة، راقب تعابير لودفيل، ثمّ أضاف وهو يكتم ضحكته: “...ألستَ تنتظر الوجبةَ القادمة سرًا؟”

أرادَ لودفيل الاعتراض، لكنّه لأوّل مرّة لم يجد ما يقوله.

لم يستطع النفي.

نظر إدوين إلى الخبز وسأل: “هل هو لذيذ إلى هذا الحدّ؟”

كانَ صوته مليئًا بالفضول.

توقّفَ لودفيل، غارقًا في التفكير، ثمّ ناول إدوين قطعة سكون وقال: “جربها.”

“حقًا؟ هل يمكنني؟”

لم يرفض إدوين.

أخذَ خبز السكون بفرح وامتنان.

كان فضوليًا سرًا.

ما الذي يجعل هذه الأطعمة، التي يقبلها سيّده بلامبالاة، لذيذةً إلى حدّ إفراغ الطبق؟

كيف أعادتْ إيقاظ شهيّة رجل كان يعيش على الخمر؟

عض قطعة.

لكن ...

“هم ... لذيذ؟”

كان لذيذًا بالفعل.

خبز السكون ناعم و دافئ، طازج من الفرن...

“...لذيذ، لكن هل هو مميّز إلى هذا الحدّ؟”

لم يكن بالروعة التي توقّعها، فمال رأسه بدهشة.

صراحة، الأطباق التي يحضّرها رئيس الطهاة من مكوّنات فاخرة كانت أكثر أناقة وتأنقًا.

“يبدو أنّني الوحيد الذي يجده لذيذًا.”

“لا، لا أقصد أنّه ليس لذيذًا!”

لوّحَ إدوين بيده بسرعة.

لكنّ لودفيل لم يناوله الخبز ليجد عيبًا.

أرادَ فقط التأكّد.

هل هو الوحيد الذي يشعر بهذا؟

“ليسَ طعمًا يعجب الجميع.”

“...حسنًا، هذا صحيح.”

“إذًا، السيّدة أصابت ذوقي بدقّة.”

كيفَ يمكن لكلّ طبقٍ تقدّمه أن يكون لذيذًا دون استثناء؟

‘هل قامت بتحليل عنّي؟’

توقّفت أفكاره هنا.

‘على أيّ أساس؟’

ما الذي رأته لتصيب ذوقه بهذه الدقّة؟

حتّى رئيس الطهاة، بل و حتّى هو نفسه، لم يكن يعرف ذلك.

لم يستطع التّخمين.

كانَ من الأفضل لو تباهت بنفسها علانية.

لو حاولتْ السيطرة على ضعفه بقولها إنّه لن يأكل جيّدًا بدونها، لكانَ ذلك أكثر منطقيّة.

‘لكنّها كشفت عن الوصفات.’

رئيس الطهاة هو مَن يطبخ.

عندما سأل، كانَ يعرف كلّ التفاصيل: المكوّنات، الكميّات، طريقة التحضير.

بمهارته، سيتمكّن قريبًا من إعداد أطباق تناسب ذوقه دون الحاجة إلى السيّدة كارديل.

لذا، كانَ الأمر أكثر غموضًا.

كانت السيّدة كارديل تتصرّف و كأنّ كلّ ما يهمّها هو أن يأكل جيّدًا.

2026/01/08 · 44 مشاهدة · 809 كلمة
نادي الروايات - 2026