17 - الفصل 17: الفصل الرابع عشر

تكبّري وإشمخي.. حُقّ لك..

تغنجي وتباهي بجمالك..

حُقّ لك..

فإذا القمر يُعدّ وسادة لنومك عليه..

واذا النجوم تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من مُعجبيك..

واذا الأسماك تجازف بالخروج الى اليابسة لأجلك..

فلما لا تختالي وتتبختري؟

ولما لا تتدللي وتتألقي؟

حُقّ لك..

وانت هي غجرية من العصور الوسطى..

واميرة قادمة من زمن الملكات المُرفهات المغنجات..

وحورية تتربع على افئدة ناصعة من لؤلؤٍ صُنع لاجلها..

تأنقي واسدلي لي شعرك..

فحُقّ لك وهو بحر بين امواجه اعيش..

ضعي عطور الياسمين والزنجبيل..

فهي لأجلك تكون كالسلبيل..

حُقّ لك..

ان تُعشقي..

حُقّ لك..

ان يركض وراءك الالاف..

حُقّ لك..

----------------------------

وجع قاصي وعبرات مكدومة ينغزان روحها بمسننات لا تعرف الرحمة.. ظلم وقهر قاسيان مختالان.. وآهات يصرخ بها وجدانها مستغيثًا القوة.. ونار مضطرمة تكويها ببطء مؤلم جدا.. هل صدقوها؟! لا تعرف ولا تود ان تعرف، خشيةً ان تستفحل وطأة الالم الذي يكاد ان يكسر لها ظهرها ويوقعها ارضا امامهم جميعا..

اغمضت عينيها بشدة، مستمعة التي تلك الكلمات السامة التي تبثقها المرأة في وجهها.. كذب.. كل ما تقوله هذه المرأة عنها كذب.. هي بريئة..

احست فجأة بجسد صغير حنون يجذبها اليه.. صدر تعرفه جيدًا.. صدر دافئ رؤوف يخبرها انه لم يصدّق ما تقوله هذه المرأة.. ولكن ماذا عن البقية؟ وماذا عن الشك اذا راود زوجها؟

اشتد قوة هذا الحضن الداعم الذي يسندها.. واشتد صراخ زوجها الذي نادى على الحراس ليطردوا زوجة سيف من منزلهم..

"عندما تعرفون حقيقتها ستندمون.. تلك الحقيرة يجب ان تموت لا ان تُسجَن فقط"

كلمات.. كلمات.. كلمات.. كلها موجعة تهين كرامتها.. وتهين كبريائها.. ولكنها غير قادرة على الدفاع عن نفسها.. ضعف شديد لم تعانيه يوما.. رغم كل المشاكل التي في حياتها..

وفجأة هدأ كل شيء عدا شهقاتها المكبوتة ودمعاتها التي تتدحرج مدرار على صفحتي وجنتيها الملوثة بحبر المسكارا الاسود.. وعدا هدير انفاس زوجها المتعالي الغاضب، والذي يبدو انه يود الفتك بأي احد.. وكم تخاف من المواجهة..

- افتحي عينيك ابنتي.. انا معك.

همست لين بشجن وهي تربت على ظهرها بحنو شديد.. لتتردد حواسها كلها بالاستجابة الى ما تقوله.. ولكن همسة اخرى دافئة منها جعلتها تفتح عينيها وترفع وجهها لتطالع العبرات المتجمهرة بمآقي لين الحزينة عليها..

ثم سرعان ما شعرت بقبضة زوجها التي سحبتها من مرفقها بخشونة، متوجها بها الى شقتهما، غير عابئا بنداء والدته او بصدمة اسرته.. وهي لم تمانع.. ليس لديها القدرة لفعل ذلك..

وما ان ولجا الى المنزل حتى افلت يدها لتنظر اليه بترقب.. بصدر يعلو وينخفض.. ومقلتين رقراقتين عذبتين.. وانامل تعتصر بعضها..

- انت قلتِ لي سابقا كل الحقيقة.. صحيح؟! لم تخفي عني شيئا؟

تساءل، لاهثا انفاس مستعرة ببريق غضب هائج لترمقه بنظرات مصدومة مرهقة وتتمتم بذهول:

- اتشك بما قلته لك مسبقا يا ليث؟

- لا تحللي كلامي كما تودين.. اجيبي على سؤالي فقط.

هتف بخشونة مؤلمة لتردف من بين شفتين مزمومتين بسخرية مريرة:

- اذا كان لديك اي شك فدعنا نتطلق قبل ان نشهر زواجنا.. لا ارغب في تكرار تجربة طلاقي في يوم زفافي مرة اخرى صدّقني.

الا يكفيه الدماء المضطرمة والمتنافرة في ثناياه، مسببة له صداع اليم وغضب يُصعب عليه التحكم به لتفاقم بكلامها الابله هذا من جنونه وانفعاله؟.. الا تدري انه حين يكون عصبيًا يجب عليها الحذر والتكلم معه بتروٍ والا سيخرج كل ما بداخله عليها؟ ولكنها لا زالت لا تفهمه.. ولا يبدو انها ستعرف كيف تتعامل مع عقليته وعصبيته اللامحدودة وخاصة تحت وطأة هذه الظروف التي تكاد ان تُفجر كل ذرة هدوء متبقية في اوصاله..

وبلمح البصر كانت يده تجذبها من مؤخرة عنقها ويكز على اسنانه، هامسًا بوحشية امام وجهها:

- المك لا يضاهي ذرة من عصبيتي وغضبي.. فلا تثيري جنوني اكثر مما انا مجنون.. اما بالنسبة للنذل ذاك وزوجته، لن يكون اسمي ليث الجايد اذا لم ادمر لهما حياتهما.. وليس ليث من ينكث بوعد او بكلمة.

- ليث انا مرهقة.. دعني رجاءًا اعود الى منزلي القديم.. لا ارغب في رؤية رد فعل عائلتك تجاهي.. ولست قادرة على حمل همًّا اخرا سيكسر لي ظهري لا شك.

غمغمت بخور وهي تدفعه من صدره بأنامل مرتجفة ليشتد ضغط اصابعه الغليظة على عنقها بينما يهدر من بين شفتين قاسيتين حانقتين:

- لا.. امرأتي لا تخرج من بيتي.. اي مشكلة واي مصيبة علاجها يكون هنا.. في منزلي.. وامام عيناي.. وبالنسبة لعائلتي انا سأتصرف معهم.. ولا تقلقي مكانتك لن تهتز امامهم.. فأبي وغيث يعرفان كل شيء.. وامي لا يوجد احن من قلبها ولن تصدّق اي مما قالته تلك المرأة التافهة.. اما ناي ورين وجدتي ابي سيتحدث معهن.. ولكن..

صمت لترفرف برموشها مرتين وتهمس:

- ولكن..؟؟

- لا شيء.. انا مغادر.. لدي الكثير من الاعمال.. وصحيح انت لن تعملي ابدا هذه الفترة الى ان اتخذ قرارًا صحيحًا بالنسبة لعملك في الشركة.

دمدم بهدوء غريب لتغمغم بحزم وهي تمسح بيديها الصغيرتين وجنتيها، مزيلة خطوط الدموع الشفافة المزخرفة باللون الاسود:

- اعدني قبلا الى منزلي القديم.. انا اريد اساسا احضار اغراضي منه.. ولدي عديد من الاشياء التي يتوجب علي فعلها.. لا يمكنني ترك المنزل هكذا.

ابتعد عنها ثم استدار وهتف بجدية وهو يسير نحو باب المنزل:

- عندما اعود سأخذك بنفسي.. لن تخرجي لوحدك.

- حسنا.

اجابت بهدوء يواري ما تفكر به ليرفع حاجبه ويقول بابتسامة تهدد بخطورة:

- لا تنسي الحراس الذين سأخبرهم الان ان خروجك ممنوع من المنزل.. والاهم انك مراقبة من قبلي.. فلا تتصرفي تصرف طائش سيجعلك تندمين.

- اذهب يا ليث.. الله معك.

تمتمت بخفوت ليلقي عليها نظرة اخيرة قبل ان تتخذ قدميه سبيلها الى منزله.. حيث افراد اسرته متجمهرين في الصالة الكبيرة.. وما ان اعلن سلامه بهدوء وفاه صوت اخته المحتار والمصدوم في آنٍ واحدٍ:

- ليث.. هل ما قالته تلك المرأة صحيحًا عن زوجتك؟

- جزء منه صحيح فقط يا رين.

اجاب بهدوء ليهتف ريس برزانة:

- اجلس يا ليث.. ولا تقف هكذا.

تطلع ليث الى والده، كامشًا عينيه الرماديتين ثم سرعان ما جثم على مقعد بجوار والدته الصامتة.. ليستطرد ريس بجدية:

- اسمعوني جميعا.. ما اقوله لا يجب ان يعرف به احدًا.. ليس لأن سيلا مخطئة بل لأنها ستتألم.. وستضطر الى تبريرات ليس لها نهاية.. ستشعر انها فتاة ليست عادية.. ستحس بالضعف بالقهر.. وبالتأكيد لن تتقبل نظرات الشفقة او نظرات الاستحقار والاتهام.

- ما بها سيلا خالي حتى تقول كل ذلك؟

تساءلت ناي بفضول متوجس ليردف ريس بتريث:

- سيلا أُغتصبت وهي في عمر السادسة عشر عامًا من زوج هذه المراة التي كانت هنا!

لم يأبة بأي من الشهقات المذهولة وهو يسترسل:

- وتم عقد قرآنهما ولكنه طلقها في يوم زفافهما مثلما قالت تلك المرأة بسببها.

- مسكينة تلك الفتاة.. حياتها تعيسة.

دمدمت ترنيم بشفقة ليهمس ريس بابتسامة خفيفة:

- فعلا.. ولكن هناك ليث ونحن.. سنقف بجانبها باذن الله.

- اذا هي لا تنام مع الرجال؟

هتفت رين بتساؤل ليزجرها ريس:

- رين.. لا اود سماع هذا الكلام ابدا.. اي مما يخصها لا احد يتدخل به غير زوجها.. او غيري وغير امك.

- ولكن رين محقة يا خالي؟ كيف تأكدتم من الحقيقة؟ انا لا اقصد الاساءة الى سيلا او اتهامها.. ولكن لا شيء يثبت ان ما قالته لكم هي صحيح على ما اعتقد.

غمغمت ناي بجدية لترد لين هذه المرة بدلا عن زوجها وابنها الذي على ما يبدو انه ينتظر كلمة اخرى فقط ليبثق كل ما بداخله في وجوههم:

- الحياة تعلّم الكثير يا ناي.. ستعرفين من يكذب ومن لا.. من مظلوم ومن الظالم.. حينما تكبرين وتصبحين قادرة على تمييز لمعة العيون ماهيتها.. الظلم شعور مؤلم.. تفكيرك وكلامك هذا لو سمعته سيلا لا تعرفين قدر الالم والقهر الذي ستشعرهما.. فحاولي ان تكوني مثل والدتك يا ناي.. ولا تتسرعي بالحكم على اي احد ما دمتِ لا تملكين اي دليل.

- انا لا اقصد خالتي لين ما فهمتيه.. انا اسفة اذا اوصلت المعنى بشكلٍ خاطئٍ.

تمتمت ناي بخجل لتردف لين بابتسامة دافئة:

- اعرف حبيبتي.. ولكن انا اشرح لك فقط.

- انا سأغادر.

دمدم ليث وهو ينهض ليقول ريس:

- وانا سأغادر ايضا.. انتظرني انا وشقيقك.

تطلعت ناي الى زوجها وهمست بصوت منخفض:

- غيث ماذا عن المقابلة التي اخبرتك عنها؟

- انهضي لأقلك بطريقي انا وابي.

اجاب غيث بتنهيدة قبل ان يقلها الى المدرسة ثم يتوجه هو ووالده وشقيقه الى مركز الشرطة..

*****************

تروّت مقلتيها الزرقاوين بالنظر الى زوجها.. بعد كل ذلك العمر لم يتغير به اي شيء.. سواء جاذبيته او رومانسيته التي يغدقها بها على غيمة حريرية مشبعة بغزله الذي يرهق فؤادها عشقًا.. او سواء بعقله الذكي الشقي.. احبته رغما عنها وهي اسعد انسانة في الكون على هذا الشغف الذي يربط بينهما..

تلاشت الابتسامة بتأني عن شفتيها العذبتين وهي تتذكر طفلتها، التي لا زالت قيد عقابه بسبب فعلتها..

تنهدت حالما سمعته يطلب منها ان تسكب له القليل من القهوة في فنجانه قبل ان تمتثل لطلبه وتغمغم برقة:

- اوس ماذا ستفعل مع حور؟ هل انت حقا لا زلتَ مصرّ على عدم ذهابها الى المدرسة وعدم حضورها حفل خطوبة شقيقها؟

اكفهرت ملامحه بشراسة غاضبة حانقة وهو يرد باصرار:

- اجل عدن.. انا لن اغيّر رأيي الا حينما تتغير حور.. لن ادعها تصبح مثل سيلين التي سأتفرغ لها في اقرب وقت ان شاء الله.

- ولكنك تعلم كم حور تحب آسر.. واذا لم تحضر حفل خطوبته ستُجن من القهر والحزن.

تمتمت بضيق وشفقة على ابنتها ليردف اوس بهدوء:

- وهذا ما اريده.. ان تحس بصعوبة العقاب.. ان تتعلم انني عندما اقول كلمة أفِي بها ولو قطعوا لي رأسي.

زفرت بشجن قبل ان تغمغم:

- البارحة بكيت عليها يا اوس.. خاصة عندما اخبر الصغير سند آسر ان يأخذه هو وحور الى حديقة الملاهي ورفض بطريقة مؤلمة.. هي ما زالت صغيرة.. حرام يا اوس.

- عدن.. طيبة قلبك هذه انت وابنة عمك يومًا ما ستؤذيكما.. الشدّة اجباري ان تتعلماها وان تكون متواجدة في بعض الاحيان.. لأن هناك مواقف لا ينفع بها طريقة تعاملكما وخاصة مع اولادك وابن ريس الكبير.

هتف اوس بجدية لتزم شفتيها متمتمة بحنق:

- هلا اعرتني سكوتك يا زوجي الحبيب.. يكفيني ابنك الذي يبدو انه سيصبح نسخة منك ومن ريس.

ضحك اوس، غامزًا لها بعينه لتبتسم رغما عنها.. تعترف انها تموت في في بحر هواه.. وما باليد حيلة وكل نبضة يخفقها فؤادها لأجله تتعبها غراما وشوقًا للهفو اليه..

مغوارها الشقي يلومها على طيبة قلبها وهي عشقته بسبب حنانه على والدته المرحومة واخته سيلين!.. بسبب احتوائه لها في كل الظروف التي عانت منها قبل سنوات..

توسعت ابتسامتها الناعمة وهي تتأمل خصلات شعره التي يتخللها بعض الشيب، مقارنة بتلك الخصلات السوداء سابقا والان.. ومع ذلك لا تقدر على الانكار انه لا يزال وسيما.. يكفيها ان يكون وسيما بنظرها.. لا رجل اخر في العالم اجمل منه في عينيها.. ابدا ابدا..

همست بابتسامة:

- سأزور معك سيلين اليوم.. اود الحديث معها.. انا اتفهمها.. لا تنسى انني ربيتها معك بعد وفاة ماما رحمها الله.

- ان شاء الله حبيبتي.

اجاب مبتسما بشوق كبير ينهش روحه الما الى حضن والدته.. ثم تساءل، مغيّرا سير الحديث:

- هل ذهب آسر الى عمله ام لا زال في المنزل؟

- ذهب باكرا الى المدرسة على ما اظن.. كم اخاف على الاولاد منه وهو خرج غاضبا.. كل عصبيته سيخرجها بهم في تمارين رياضية شاقة بسبب حواره مع حور البارحة وتكرار طلب سند منه بأخذه هو وحور الى الملاهي في الصباح.

غمغمت عدن ضاحكة ليزفر وهو يفكر بتلك المشاكل الملقية على رأسه.. مشاكل اولاده التي لا تنتهي.. ومشكلة اخته وزوجها.. والاهم مصير ابنهما وسط كل هذه المشاكل..

وهناك في مركز الشرطة هتف وقاص بجدية لريس:

- الموضوع ليس بتلك السهولة يا ريس.. يجب ان تشهد زوجة ليث مرة اخرى في المحكمة.. كما ان عدم استيقاظ اياد ليس في صالح ليث ابدا.. هو حاول قتله وهذه جريمة كبيرة بحد ذاتها.. والاهم ليس هناك ادلة تثبت صحة التهمة الموجهة الى سيف واياد.. هما فقط تحت رهن الاعتقال.. هناك امور كثيرة يجب القيام بها ليصدر القاضي قرار نهائي.

- لا يهمني كل ما تقوله يا وقاص.. لولا عدم يقيني بنجاحك في هذه القضية لما وكلتك بها.. بالنسبة لسيلا ستشهد مرة اخرى.. اما اياد وسيف يجب ان يتعفنا في السجن طوال حياتهما.

غمغم ريس بانفعال ليردف وقاص بهدوء:

- ان شاء الله.. سأحاول كل ما بمقدوري فعله.. ثق بي.. ولكن حذّر ابنك من ان يقوم بعمل قد يهدد الفوز بالقضية لصالحنا.

- لا تقلق.. انا اجيد التعامل مع ليث.

دمدم ريس وهو يتطلع الى ابنائه التوأم الواقفان مع بعضهما يتحدثان مع رجل كبير في العمر..

****************

ابتلعت ريقها بصعوبة، خشيةً من اتصال ابن خالها الذي فاجئها وهي في المحاضرة.. فرمقت رين الجالسة بجوارها والتي تتابع ما يشرحه المحاضر بنظرات خائفة قلقة لم تنتبه لها الاخرى.. ثم استأذنت للخروج الى الحمام وفور ان اغلقت باب القاعة الكبير اجابت على اتصاله ليأتيها صوته الخشن:

- اي ساعة اليوم ينتهي دوامك انت ورين؟

- الساعة واحدة ظهرا.. لماذا؟

اجابت بتخفر ليردف بتهكم قاسٍ:

- لي كلام هام مع بنات اخوالي يعيد تربايتهن من جديد.

ازدرمت تلك الغصة المهينة وهي تهمس برجاء:

- آسر ارجوك لا تخبر ابي.. اقسم بالله لم اخطأ كما انت تظن.. ارجوك انا..

وسرعان ما قاطعها هدير صوته:

- لا اريد ان اسمع كلامك الفارغ يا حياة.. بعد انتهاء دوامكما سنتكلم.. سلام.

عقدت حاجبيها بضيق شديد حينما اغلق المكالمة دون ان يسمح لها بالنبس ببنت شفة.. زفرت بضيق قبل ان تولج الى المحاضرة، غير مكترثة بالخرافات التي يقولها المحاضر بعد تلك المصيبة التي وقعت على رأسها..

رغبت ان تغيظ رين، عسى ان تبجس القهر الذي يجوف في ثناياها فغمغمت بعد ان رقدت على المقعد بجوارها تماما:

- آسر سيأخذنا بعد انتهاء محاضراتنا اليوم.

- ماذا؟ من قال لك؟

تمتمت رين متسائلة بحنق لتبتسم دون ان ترد عليها حتى تغيظها اكثر بينما الاخرى تكاد ان تنفجر من عدم ردها عليها..

فهتفت لتنتقم من آسر بها:

- استاذ اريد ان اغيّر مكاني.. رين تتكلم كثيرا.. وانا لا أُركز هكذا.

فغرت رين فاهها مصدومة مما قالته حياة بينما تستمع الى تحذير المُحاضر لها بأنه سيطردها من محاضراته اذا سمع شكوى اخرى عنها..

القت على حياة نظرة متوعدة بينما الاخرى تبتسم لها بانتصار وهي تنقل اغراضها الى مقعد اخر..

بعد انتهاء محاضراتهما كانتا تسيران بجانب بعضهما في اروقة الجامعة وسط كلمات حياة المتأسفة ورين الغاضبة من الذي فعلته بها الى ان قاطعهما صوت سمج:

- تغنجا اكثر.. منذ ربع ساعة وانا انتظركما.

إعلان

- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

تمتمت ربن بضيق ليرفع آسر حاجبيه، متشدقا بتعالي:

- هذا الشيطان الوسيم ستصبحين زوجته يوم الجمعة حبيبتي.

- للأسف الشديد..

همست بغيظ لتغمغم حياة بمكر، مستغلة موقفهما:

- مجنونة ولله.. ملايين الفتيات يتمنين آسر وانت ترفضي النعمة التي بين يديك!

قهقه آسر وهو يجيب مبتسما بغلاظة:

- صحيح.. هل ترفضين نعمة ستلقيكما انتما الاثنتين درسًا لن تنسانه.. وخاصة عزيزتي حياة.

ضحكت رين بشماتة لتكز حياة على شفتها السفلى بضيق وتوتر من تحذيره المبطن.. قبل ان تسمع صوته الذي يأمرهما بالصعود الى السيارة.. لتقول رين:

- حياة اصعدي بجانبه.. لا ارغب بالجلوس بجواره.

- اصعدي انت وحياة في الخلف.. انا الذي لا ارغب ان تجلس اي واحدة منكما في جانبي.

هتف بسخرية لترمقانه الفتاتين بنظرات مغتاظة حانقة..

ثم دمدمت رين بغيط لحياة:

- وتخبرينني ان احب هذا الرجل؟! لا احد يبغضه بقدري.

- اصمتي.. اشعر بنفسي جالسة على نار.. اشكر ربي انه ليس اخي والا كان سيفعل بي ما فعله بحور واكثر.. يا ربي انا خائفة.

تذمرت حياة بخوف شديد لتشفق عليها رين وتغمغم بخفوت، دون ان تحيد حدقتيها العسليتين عن الطريق الذي يسلكه آسر:

- اخبريه انك منذ الان ستقولين له كل شيء عنك.. واقسمي له انك لم تخطأي سوى هذه المرة.. واعتقد انه سيسامحك فأنت اكثر صديقة مقرّبة له في العائلة.. ودوما ما تسانديه بكل شيء.

- انا غبية.. لا اعرف كيف تصرفت هكذا.. الذي يطمئنني لحد الان انه لم يقل لأي احد.. ولله لو انه شقيقك ليث لكان قتلني وقتلك.. دون ان يهتم ويقول "هذه ابنة عمي"!

همست بارتعاش لتكتم رين ابتسامتها على منظرها وتردف بهدوء:

- لا تقلقي.. على الرغم من جنون هذا الرجل الا ان قلبه طيب.

توسعت مقلتي حياة البنية باندهاش، هاتفة دون تصديق بصوت عالٍ فضحهما:

- من يقول ان آسر قلبه طيب؟ رين!! هل تحبين آسر؟

ابتسم آسر وهو ينظر اليهما باستمتاع عبر مرآته الأمامية، منتظرا جواب محبوبة قلبه التي ضربت حياة على كتفها حتى تخفض صوتها.. ولكنه لم يحصل على اي جواب..

فلم يأبه بحديثهما، الذي اغلبيته رين تزجر حياة بسبب ما فعلته ليقول بهدوء ما ان ركن سيارته بجانب مقهى يجثم على اصداف شاطئ البحر الملوّنة بألوان مبهجة تتماشى مع نسيم الربيع المُقبل:

- هيا انزلا.

أجّمتا حياة ورين من السيارة لتتوسما النظر برونق امواج البحر الصافية التي تصفع الأصداف بنعومة تفك اسر الهموم من بين ثنايا القلوب.. ثم همست رين بابتسامة، منتشية عذوبة الهواء المفعم بأوكسجين الطحالب الخضراء المنبعث من طي البحر:

- هذا الآسر يجيد اختيار اجمل الاماكن للذهاب اليها.

ضحكت حياة وهي تردف بمكر:

- ولله انك معجبة به.. انا وانتِ والزمن طويل يا ابنة عمي.

- اخرسي ارجوكِ.. بدلا ان يكون الزمن بينك وبين الموت قصير.

ردت عليها رين متشدقة لتقهقه حياة بصوت عالٍ قبل ان تسمعا آسر يأمرهما ان تسيرا بجانبه..

اختار آسر طاولة على اصداف الشاطئ ليجلسوا عليها..

ثم رأوا نادلًا يتقدم ناحيتهم، مستقبلا اياهم ليخبره آسر ان يعود بعد قليل..

وبعد ان انقشع هتف آسر بهدوء:

- اولا.. انسة حياة، لنبدأ بك حتى تتمكني من طلب ما تودين كما يجب.

- اسمعني انت اولًا.

غمغمت برجاء ليشير لها بيده ان تتابع فاستأنفت بجدية:

- اعرف انني اخطأت.. واقسم لك انني لن اكرر هذا الخطأ مجددًا.. هذه اول مرة اتصرف بتهور هكذا.. وايضا يا آسر انت صديقي المقرّب وبمثابة اخي.. يجب ان تنصحني لا ان تخبر والدي لان ذلك لن يحذف ما فعلته قبلا.

رمقها آسر بنظرات طويلة مفعمة بأبجدية ما تخطيه افكاره.. ثم هتف بتريث:

- انا لن اخبر خالي جواد.. وليس لأجلك بكل تأكيد.. بل لأنني متأكد انه اذا عرف سيُجّن، كما سيحدث معي ومع والدي اذا عرفنا ان حور او ناي فعلتا فعلتك.. وكذلك انا لا اريده ان يلوّث يديه بسبب فعلة لا تستحق.. وانا واثق انه ما ان يعرف اسم الشاب الحقير سيقضي عليه.. والاهم اذا انتشر الخبر سمعتك ستتضرر وبالتالي سمعة العائلة كلها ستتضرر.. ولكن...

- ولكن..؟

تمتمت بارتباك، مبتلعة اسهم كلماته الجارحة والمريحة في آنٍ واحدٍ ليتابع بذات النبرة التي بدأت تستشرس رويدًا رويدًا:

- ولكن انتِ ستكونين مراقبة من قبلي واي خطأ اخر يا حياة شبه هذا الخطأ لن ارحمك.. وبالنسبة لذاك الحقير سأجعله يندم على الساعة الذي فكرّ بها اللهو بذيله مع احد من عائلتي.

زفرت بتهلل قبل ان تغمغم بابتسامة خفيفة:

- جيد جدا.. من ناحيتي اقتله، لا يهمني.. شكرا لك آسر.

- اخر تحذير يا حياة.. لولا مكانتك الغالية في قلبي لكنتُ منذ ان عرفت اخبرتُ والدك.. وسعيت لعقاب قاسٍ لك.

دمدم بتحذير لتومئ بانصياع، رادفة بصدق:

- اقسم بالله لن اكرر خطأي مجددا.

- جيد.. والان ماذا مع الاميرة ديانا؟

هتف متهكما لتزمجر رين بغيظ:

- تفضل.. قل ما لديك.. انا مشغولة هذه الفترة.. وليس لدي الكثير من الوقت لك.

قهقه مدمدما باستهزاء:

- ثانية واحدة فقط امنحيني من وقتك اذا امكن فقط.

- اسخر كما تشاء يا آسر.

غمغمت رين بحنق ليهتف بغلاظة:

- سأنادي على النادل لتطلبا ما تودّا.. فأنا غيرت رأيي لن اقول للأنسة المشغولة اي شيء.. وسأدعها تتلقى الاخبار فجأة فقط.

****************

تأففت بضيق وهي تحل جديلتيها الاثنتين من شدة الملل.. لا يعقل ان تبقى فقط في المنزل، دون عمل ودون خروج!! ستخرج وليفعل ما يشاء.. من يعتقد نفسه حتى يتحكم بها؟

فكرت بحنق قبل ان تتوجه الى خزانة الملابس الكبيرة وتأخذ فستانًا ورديًا مائلًا الى البيج، وشالًا اسودًا يناسب الكعب الذي توّد ارتدائه..

تأزرت ما اختارته ببطء واستمتاع.. ثم نزلت الى الأسفل شامخة برأسها.. ولكن شاء الحظ ان يخالفها ليفتح باب المنزل ويهتف متهكما:

- هل انهيتِ ما دمرتيه بهذه السرعة؟ سريعة جدا دون حسد.

- انا لن اعيد فعل اي شيء.. اريد الذهاب الى شقيقي ورؤية طفلي.

غمغمت بعناد ليردف بقسوة وهو يسحبها بخشونة من مرفقها الى مكتبه:

- لا عزيزتي سيلين.. لا يوجد خروج من المنزل.. لم اعد ادهم ذاك الذي تحملك اكثر مما يجب.. ما اقوله يُنفذ رغما عن انفك الذي سأكسره لك في يوم من الأيام.

- قروي ولن تتغير.

هدرت بحقد ليبتسم ما ان دفعها بهمجية الى داخل المكتب ويقول بوعيد:

- وهذا القروي هو من سيعيد تربايتك المعدومة.

- احترم نفسك والا سترى فعلة لن تعجبك.

زمجرت بغضب، رافعة اصبعها في وجهه ليلويه بقوة جعلتها تطلق آهة موجوعة بينما يزمجر بعصبية لا تتحمل كلمة اخرى:

- انا انتظر اللحظة التي ستجعلني اريكِ وحشية حقيقية.. فلا تجعليها تكون الان.

- اتركني.

همست بتهديد ليدفعها عنه بعنف ويهتف باحتدام:

- الان امامي ستعملين على المشروع.. يكفيني مصائب بسببك.. وكلمة اخرى يا سيلين ستندمين كثيرا عليها.. اكثر مما تتخيلي.. والان انا جاد بكل كلمة قلتها.

- انا اود شراء جهاز اختبار الحمل.

هتفت فجأة ليتمتم بصدمة:

- هل تشكي بكونك حامل؟

- اجل.

اجابت بحنق ليمرر انامله بين خصلات شعره القصيرة، رادفا:

- لا حول ولا قوة الا بالله.. هو سند بالكاد يتحمل تلك المشاكل فكيف حينما يأتي طفلا اخرًا؟!

- انا لست متأكدة.. ومن سبب تلك المشاكل سيد ادهم؟ دعني اخبرك ان انت هو السبب.

تمتمت بغيظ ليتشدق بذهول:

- اوه.. سيلين اصبحت ملاك.. تعالي تعالي لنذهب ونتأكد من موضوع الحمل.. لا اله الا الله كيف سأتكفل بطفلين وزوجة عن مليون طفل الان؟

- هذا يكفي.. ماذا تعتقدني؟

زجرته بحنق ليزفر وهو يجيب، رافعا حاجبه:

- طفلة دون عقل.. حتى الاطفال لديها عقل اما انت لا.

- حسنا حسنا.. هيا لنذهب.. وبعد ان نعود سنتفاهم.

هتفت بضيق ليبتسم باستهزاء دون ان ينبث بحرف واحد..

وهناك بعد ان خرجا من عند الطبيبة غمغم ادهم بهدوء:

- ربما موضوع الحمل لصالحنا ولصالح سند.. لذلك لن اعارض واتمنى ان تتغيري لأجل اطفالك.. الان المسؤولية اكبر وتأثير المشاكل ليس على شخص واحد فقط، انما على شخصين.. على طفلين يا سيلين.

- سيحدث كل ما فيه الخير يا ادهم.. اود زيارة اخي ورؤية ابني.. وسأكون هادئة هذه الفترة وذلك يتعلق بك ايضا.

همست بنبرة اذهلته بهدوئها ورزانتها ليرد موافقا:

- حسنا.. وعندما نعود سأكون متسامحا معك بسبب حملك واساعدك.

رفعت حاجبها ودمدمت بشكر ساخر:

- آه شكرا.

*****************

خطت قدميها خطوة الى ساحة منزلها القديم، وذكريات ماضي اليم تنسج خطوطها المتعوجة في عقلها لتتكردس العبرات الواهية المتألمة في مقلتيها الخضروتين..

كل لحظة في هذا المنزل رغم صعوبتها ووجعها تذكرها بامرأة عاملتها وكأنها ابنتها.. امرأة فقدتها وما عادت موجودة لتطبطب لها على جراحها التي دامت لسنوات طويلة.. وما زالت تعاني منها..

شهقت بدمعة تنزلق من بين رموش كثيفة لتتبعها اخرى واخرى.. والم ما عادت الروح قادرة على تحمله.. ولجت الى غرفتها القديمة بسرعة متفادية اي من ذكريات ذاك المشهد الذي اطلق به ليث رصاصة على اياد ادّت الى وفاة امه بدلا منه..

القت بجسدها على سريرها الذي ضمّ دموعها وصرخاتها المكتومة على مدار ايام واشهر وسنوات.. ثم سحبت وسادتها البيضاء لتغرق وجهها بها وتجهش ببكاء عنيف، كبتته اكثر من قدرتها التي تسعفها للتحمل..

تذكرت دفتر المذكرات الكبير جدا والذي وهبتها اياه زوجة عمها قائلة "اكتبي فيه كل اوجاعك وحينما تنتهي تلك الاوجاع احرقيه.. لتحرقي مع كل ذكرة موجعة"

ابتسمت بمرارة وهي تفكر ان لا نهاية لوجعها ابدا.. هذا قدرها وعليها ان تتعايش به، عسى في يوم من الأيام يصيبها تلبّد من كثرة الأوجاع وتخف وطأة الالام القاسية..

نهضت بعد دقائق طويلة لتوضب كل اغراضها وتضعهم في حقيبة كبيرة.. تدري ان زوجها اذا عرف بخروجها من المنزل سيُجَن وربما سيؤذيها.. ولكنها ستعود قبل ان يكون هو في المنزل.. تشكر الله ان لا يوجد حراس في الجهة الخلفية التابعة لشقته والا لما كانت استطاعت الخروج..

وبعد ان انتهت تركت اغراضها مكانهم ثم اخرجت نقودتها التي تخفيهم تحت الخزانة التي تضع بها احذيتها المختلفة بسبب ابن عمها الذي كان يأخذهم منها غصبا.. وبعدها خرجت من المنزل متوجهة للمرة الاخيرة الى المشفى الذي به ابن عمها لتخبره ما بداخلها..

وما ان وصلت دلفت الى المشفى بتوتر، خشيةً ان يكون استيقظ او ان ليث عرف بخروجها.. وما ان سألت عن حالته في قسم الاستعلامات اخبرتها احدى الممرضات انه استيقظ وللاستفسار اكثر يجب سؤال الطبيب..

ابتلعت ريقها بارتباك شديد وهي تتقدم ناحية غرفته قبل ان تسمع اصوات سمرّت قدميها في الأرض التي تحتها.. هو هنا.. وليس هو فقط..

استدارت بسرعة لتهرب ولكن ما ان فُتح الباب وخرج غيث مغمغما بتفاجؤ استفحلت قوة عزف طبلة فؤادها بطريقة مؤلمة من الخوف والتوتر، غير قادرة على التقدم خطوة واحدة اخرى:

- سيلا! ماذا تفعلين هنا؟

- دعها تدخل.

دمدم ريس الواقف بجانب الباب بهدوء لتتلعثم هامسة:

- انا.. انا سأذهب.

- ادخلي ابنتي.

كرر ريس مرة اخرى ليوافيهم صوت ليث الثائر والذي يبدو في اوج غضبه المشتعل:

- لن تطئ قدمها خطوة واحدة الى الداخل.

ثم دون اي ادنى اهتمام بما يقوله والده استولت قبضته على رسغها، ساحبا اياها خلفه، الى خارج المشفى لتهتف برجاء وهي تقاوم قبضته:

- حقائبي في سيارة الاجرة.. سأخذهم اولا انتظر.

تركها تسير به الى حيث سيارة الاجرة التي تنتظرها لينزل حقائبها ويعطي السائق حسابه.. ثم امرها بعصبية شرسة:

- اتبعيني.. واسمعي ما اقوله؟ لأنني قد افعل ما لا يعجبك ولا يعجبني.. هنا.. في الشارع.. وامام الناس!

--------------------------

يتبع..

ارائكم حول الفصل واحداثه؟

- ليث وسيلا؟

- آسر ورين؟

- ادهم وسيلين؟

- حياة؟

والاهم انتظروني في الفصل القادم بصدمات جديدة وبخطوبة آسر ورين واخيرا😴

قراءة ممتعة..

مع حبي:

اسيل الباش


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟

💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:

🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب

نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/11/07 · 0 مشاهدة · 3973 كلمة
yare.yare
إعلان
نادي الروايات - 2026