لا تحبني فتجرح قلبك..
ولا تهبني روحك فتندم..
ابقى بعيدًا وتوقف مطرحك..
ولا تهمس بعشقٍ يؤذي نفسك..
انا هي الانانية التي تعشقك..
ولكنها صعب ان تكون معك..
انا هي الجاسرة التي تتحدى قيدك..
ولا تلمني فخطوة كهذه اشبه بالانتحار..
وانا هي الغبية التي تحوم حولك..
ولكنها خائفة من حقنة العشق التي تغدر..
لا اود تجربة الغرام فتتضرر..
ولأنك ستتضرر انا من ستتألم..
فكفى عشقا مثابرًا..
وكفى آهات تواري خوفًا..
وكفى صرخات تتوسل حبًا..
-------------------------
تقفقف لبها فزعا على نفسها وعلى ابنة عمها.. وجهه المتوحش الشرس لا يبدو انه سيفكر مرتين في ضربهما.. رمقت حياة بنظرات قلقة خائفة لتبادلها الاخرى دموع متجمهرة في مآقيها من شدة الرعب.. لم تفكر يوما انها ستجد حياة الواثقة بنفسها، التي لا تعير ادنى اهتمام لأي احد خائفة من آسر، الذي تعتبره بمثابة صديق وشقيق..
جاهدت في التقصي عن كذبة ما او عذر تقوله في ثنايا عقلها.. الا انها لم تقدر وسط هذا الارتباك والخوف.. فتلعثمت قائلة:
- حياة.. كان هناك من يضايقها فقط.. وهي.. وهي اوقفته عن حدّه.. هذا كل ما في الامر.
لم تدري ان بكلماتها الغبية هذه اججت من ثورانه واهتياجه الا حينما رأت احمرار حدقتيه الداكنة بنظرات شرسة فاقمت من خفقان فؤادها وارجفت اوصالها.. ولم تقدر على النبس ببنت شفة حالما نظر الى حياة بنظرات غاضبة لتهمس الاخرى برعب وهي تحس نفسها على حفة الانهيار، خوفا ان يسمعهم والدها او شقيقها:
- اسمعني آسر.. كل ما في الامر ان..
- اخرسي!
اجفلها صوته الجهوري لتزدرم ريقها بصعوبة بينما يسترسل هو بغضب شديد:
- من اين تعرفيه؟ وكيف يضايقك ولم تخبري اي احد من العائلة؟
- انا.. اقصد هو رأني مرة صدفة في الجامعة وحاول ان يتحدث معي ويتعرف علي.. وانا لم اقبل.. حتى اسمه لا اعرف.. والان قبل قليل اتصل بي من رقم سري.. وحاول ان يتكلم معي ولكنني اهنته واغلقت الخط في وجهه.
ردت بارتباك واثقة انه سيقتنع بكلامها.. فدنى منها آسر بخطوات متربصة متمهلة ثم تساءل بخطورة:
- ولما قالت لك رين انك اعطيتيه المجال لفعل ذلك، وانه يستغلك؟ اخبريني انسة حياة.
رفرفرت برموشها بتوتر شديد، مشابكة اناملها ببعضهم البعض.. وما ان همت بالتحدث قاطعها صوت رين الذي انبثق ماكن ثابت:
- انا كنت اقصدك انت.. انت من تستغل حياة لصالحك حتى تقف معك ضدي.
رفع حاجبيه الاثنين بطريقة اثارت ريبتها عندما تطلع اليها.. وكادت ان تفغر فاهها من ابتسامته الشرسة المتهكمة..
ما زالت لا تعرف انه يعلم متى تكذب ومتى لا.. انه يعرفها اكثر مما تعرف هي نفسها.. لا زالت حمقاء جاهلة لتدرك ان الحب الذي دام اكثر من خمسة عشر عامًا جعله يحفظ غيبًا كل تعبير يبجس منها وما سببه.. كما هي الان تواري ثباتها بقلقها وخوفها منه على نفسها وعلى حياة..
هتف بصوت صارم يوحي بالنار التي تلسع روحه غيرةً على شرفه اذ ما كانت ابنة خاله على علاقة بأحد.. وعلى حبه اذ كانت رين ساعدتها بطريقة ما:
- اذا لم تخبرانني كل شيء الان.. سأدع خالي ريس وخالي جواد يتكفلان بأنفسهما ببناتهما.. ولولا يقيني انك يا رين لاتجرؤي على اللهو بذيلك خوفا من ليث ووالدك لما كنت الان واقفا اتحدث معك فقط.. اما انت يا حياة.. فربما لن اراكِ الان صديقة واخت لي وسأنقلب عليك لأدع خالي يربيك من جديد اذا تأكدت من ظنوني.. فقولا الحقيقة ارحم لكما صدقانني.
تهللت اساريرهما ريثما سمعتا صوت ريما تنادي عليهما فغمغمت حياة سريعا بلهفة:
- قادمة امي.
ثم نظرت الى رين ودمدمت بابتسامة فرحة:
- هيا رين.. امي تنادي علينا.. لا بد انها تريدنا ان نسلّم على الضيوف.
اومأت رين سريعا بغبطة وما ان خطت قدمها خطوة واحدة اوقفها صوته مكانها لترشقه بنظرة مغتاظة متوجسة بادلها اياها ببرود قبل ان يأمر حياة بالذهاب ليبقيا لوحدهما..
همس بصوت اجش صارم:
- تعالي معي.. هناك ما علينا الحديث حوله على انفراد.
- لا اريد، الا ترى اين نحن؟
تمتمت بعند ليصر على اسنانه بوحشية ويكرر بحدة:
- قلت هيا.. اعصابي ليست بمكانها.. فنفذي ما قلته قبل ان اصب كل غضبي عليك.
لم يمهل نفسه لسماع ردها ويده تقبض بعنف اوجعها على مرفقها ليسحبها الى داخل قصر العائلة الذي كان واصبح لخاله جواد بعد وفاة الجد ايمن..
صعد بها السلالم دون ان يأبه بمقاومتها الى ان وصل الى غرفة والدته القديمة ليفتح بابها ويلقيها بداخلها، هادرا بثوران بعد ان حاولت الخروج:
- خطوة واحدة تتحركينها من مكانك سترين وجهًا بحياتك لم تريه.. حتى من شقيقك ليث.
- ماذا تريد مني؟
صاحت بعصبية ليزلف منها كذئب جائع يود الفتك بفريسته.. وبلمحة كان يدفعها لتقع على مقعد وثير منهما لتئن بوجع بينما يزمجر هو بضراوة:
- اخرسي فقط واسمعيني.. وحينما اخبرك ان تتكلمي فقط سأسمع صوتك.
كشرت بحاجبيها كلبؤة لا تخاف شيئا.. ثم اعتدلت بجلستها، مغمغمة بحدة:
- من انت لتأمرني ماذا افعل وماذا لا؟ ليس هناك شيئا يجمعنا بعد.. تذكر ذلك.. واخبرتك مسبقا وضع ما اقول قرطًا في اذنك.. انا.. لا.. اخافك.. ولن افعل ايضا.
ابتسم بشر حقيقي اوقع لبها في ديمومة خطرة عرفتها من نظراته المشتعلة واللامعة ببريق بربري.. وسؤال واحد انبجس غريبًا مثيرًا للقلق من بين شفتيه القاسيتين:
- ما علاقتكما انت وحياة بالشاب الذي كانت تتحدث معه تلك التي لها حسابا عظيما معي ومع والدها؟
رمشت عدة مرات وهي تتطلع على الارض حولها.. ثم ببطئ حاولت النهوض ليدفعها مرة اخرى بخشونة، مقبلا عليها بجسده الضخم، رادعًا اي محاولة منها للوقوف والفرار منه..
"جاوبي على سؤالي"
جملة اخرى منه دوى تهديدها وخطورتها في اذنيها لترتعش وتهمس:
- اذا اخبرتك ستصبح ثورًا حقيقيا.. من الافضل ان تبقى هكذا.. ما بين ثور وانسان.. لذا افهم، لن اخبرك.
شخرّ بسخرية قبل ان يهتف بتهكم:
- الا تعرفين انني بامكانني ان اعرف من هو الذي كانت تتحدث معه حياة عن طريق اخراج تفاصيل المكالمات من شركة الهواتف؟ والذي سيطلب رؤية كل المكالمات والرسائل التي قامت بهما هو والدها، بما انه هو المسؤول عنها!
انبسطت جفونها برعب حقيقي، متخيلة اسوأ ما قد يحدث لحياة المتهورة عاشقة الحرية.. وربما لها ايضا.. فتمتمت وهي تتطلع اليه بمقلتيها الدامعتين رغما عنها:
- سأخبرك كل شيء.. وعليكَ سماعي الى الاخر.. وارجوك لا تفهم اي ما اقوله بالشكل الخاطئ.
- تكلمي.
هتف ببرود قبل ان يجذب منضدة صغيرة موجودة على الجانب ليقعد عليها قبالتها تماما.. فاردفت بتوجس:
- اسمع.. طبيعي جدا ان تخطأ كل فتاة.. لا اعرف تماما من اين تعرف ذاك الشاب.. ولكن كل ما اعرفه انه حاول التعرف عليها وهي اعجبت به، ثم عرفت عنه اشياء سيئة واخبرته انها لا تود ان تسمع صوته مجددا.. الا انه مصرّ عليها ويود التحدث مع عمي جواد لطلب يدها منه رغما عنها.
صمتت وهي تتأمل تعابير وجهه التي استشرست بصورة مخيفة للغاية.. حاجبيه المعقودان.. عينيه المظلمتين.. شفته التي يقضمها بقسوة.. ويده المكوّرة.. كل ذلك يخبرها بمدى غبائها.. لانها اعترفت له بتلك السهولة، واوقعت ابنة عمها بمأزق لا تدري كيف ستخرج منه سالمة..
همست بصوت متوتر مضطرب لتستنبط منه اي ردة فعل:
- آسر لا تقل لعمي جواد ارجوك.. اقسم بالله حياة نادمة.. هي لم تخطأ قبلا.. كما انها تعتبرك صديقها ودوما ما تساندك وتقف معك ضدي.. ارجوك يا آسر حذرها انت وسترى كيف لن تكرر فعلتها هذه ابدا.
- وماذا عنك؟ هل اخطأتِ مثل كل الفتيات اللواتي يخطئن؟!
تساءل بنبرة تشع شرارات الغضب الشرس لتبتلع ريقها بتوتر من نظراته وترد بهمس واثق رغم كل ما تشاقيه في هذه اللحظات معه:
- انا لم اقصد ذلك بالمعنى الحرفي سيد آسر.. ولو كان لديك اي شك بي بامكانك فعل ما تشاء.. او الابتعاد عني وتحريري منك.. وسيكون ذلك افضل لي ايضا.
اضمحل خوفها منه حالما تمعنت بعينيها العسليتين المتكمشتين بضيق شديد بتلك الابتسامة الحثيثة الظاهرة على شفتيه والتي تخفي ورائها الكثير..
"يغضب يبتسم.. يفرح يبتسم.. يحزن يبتسم.. سبحان الله اعاقات غير طبيعية!"
تمتمت بعقلها قبل ان تسمع صدى صوته يدوي رنينه في اذنيها..
"خطبتنا مع عقد قرآننا بعد خمسة ايام!"
- الم تكن بعد اسبوع؟!
تساءلت بصدمة ليجيب ساخرًا:
- والدي من طلب من والدك ان تكون بعد خمسة ايام، اي يوم الجمعة.. وخالي لم يعارض بل رحبّ بالفكرة بصدر واسع.. اما..
صمت لتضيق عينيها هامسة:
- اما..؟
ابتسم بمكر ثم استأنف مغمغما بهدوء:
- اما بالنسبة لحياة انا سأعرف كيف اتصرف.. ولك انتِ.. كل شيء في وقته جميل.. انتظري فقط.. وابدأي في العد التنازلي لتصبحي زوجتي شرعًا وقانونًا.
انتصبت واقفة بحدة قبل ان تميل نحوه، رافعة اصبعها في وجهه، وهاتفة بعصبية:
- هل تهددني يا آسر؟! ودعني اخبرك امرًا جديًا.. ليست رين ريس الجايد من تُهدد او تخاف من اي احد.. تذكر ذلك جيدا يا ابن عمتي.
ضحك من كل قلبه لتزم شفتيها بحنق وتنظر اليه بنظرات همجية لا تناسبها ابدا ابدا.. وسرعان ما شهقت باجفال ريثما التقطت انامله السمراء اصبعها المنصوب امام وجهه وجذبه اليه..
دمدم بصوتٍ خبيثٍ وهو ينهض، لاغيًا كل المسافة بينهما:
- اكثر ما يعجبني بك ان عروق الجايد متأصلة بك، رغم رقتك ونعومتك التي ورثتها عن خالتي لين.. ولكن يا حبيبة قلبي انت تواجهين شخصًا اخطر مما تتصورين.. ابن عائلتين.. الهيب والجايد.. واعرف جيدا كيف اروّض لبؤة مثلك تظهر انيابها في بعض الاوقات فقط.
- لم اسم قبلًا عن حيوان يروّض حيوانًا.
هدرت بعنف، محاولة جذب يدها من قبضته ليضغط على يدها بقوة جعلتها تطلق صرخة موجوعة بينما يهتف بغضب متأجج في كل عرق من عروقه:
- يكفيني حاليا فعلة حياة ومشاركتك بما فعلته.. وسأتوقف عند هذا الحدّ اليوم.
- حسنا، دعني اذا.
اردفت وهي تشد يدها ليفتلها فجأة وتعود جالسة مرة اخرى بقوة جعلتها تشتمه بصوت عال من الالم..
دنى منها مبتسما بتهكم:
- تستحقين.. ولسانك يحتاج البتر.. ولكن لاحقا فقط.. لاحقا.. وهيا عزيزتي لننزل الان.
***************
انتبه ريس لابنائه التوأم اللذان يتجهان نحو رجلًا ما بخطوات اقرب الى الركض.. فغمغم لصديقيه اوس ووقاص انه سيعود حالا.. ثم استهلّت قدميه بخطو سبيلها تجاههما.. ولكن قبل ان يتمكن من الوصول رأى قبضة ولده التي نزلت بعنف على وجه ذاك الرجل ليتوقف قبل ان يزفر انفاس حانقة ويسرع بخطواته..
حاول غيث ابعاد شقيقه عن الرجل الا انه كان يعاود ضربه حتى تجمهر بعض الضيوف بسبب صرخات النساء والصخب الذي احدثه بضربه.. فصاح بتيم بسخط ان يساعده لإبعاد ليث عن الرجل الملقى على الارض قبل ان يقتله.. فلبى ما امره به سريعا قبل ان يسمعا صوت ريس الغاضب:
- ابتعدوا.. ليث هذا يكفي.
توقفت قبضة ليث قبالة وجه الرجل الذي يريق منه دماء...
من انفه وفمه.. ثم نظر الى والده الواجم ليسمعه يهتف بهدوء:
- سنتحدث على انفراد.. انا وانت وهو.. غيث ساعد الرجل.. وانت يا ليث اتبعني.
- عمي ريس.. سيف يكون صديقي الذي تعرفت عليه في امريكا.. وما حدث يهينني قبل ان يهين ضيفي.
دمدم تيم بجدية ليرفع ريس حاجبه، مغمغما بتريث:
- وهل تعارضني يا ابن اخي او تجادلني؟ والدك لم يفعلها فانتبه الى نفسك والى ما تقوله جيدا.
ثم تطلع الى ليث وغيث واردف:
- هيا ليث وغيث افعلا ما قلته.. اما انت يا تيم فنادي لي وقاص.
اومأ تيم بتردد قبل ان يختفي من امامهم.. ثم بيدين مرتعشتين من شدة الغضب والعصبية وبقدمين تهزان بوتيرة عصبية سار ليث وراء والده قبل ان يتوقفوا بجانب موقف السيارات..
تساءل ريس بحزم:
- هل تعرفه يا ليث؟
- اعتقد يا ابي انك فهمت من يكون.. فلا داعي لتلك الجولة الغير المرحب بها الان.
اجاب ليث بعصبية شديدة ليتنهد ريس، متفهما ما يشعر به ابنه.. فغمغم:
- لن ادعك تُدخل نفسك السجن بسببه.. امك ستنهار وزوجتك لم يتبقى لها غيرك.. وخاصة الان عليك الوقوف بجانبها.. حقك وحقها سيأخذه القانون لا تهورك.
- سأموت قهرا ان لم اخرج كل ما بداخلي به.. اتفهمني يا ابي؟ سأموت!
صاح ليث وهو يضرب بقبضته على صدره.. ثم لم يهب نفسه التفكير اكثر ليدنو من سيف ويبعد شقيقه الواقف امامه ليبدأ في ضربه بوحشية..
زفر ريس انفاسه بعنف، فاسحا المجال لأبنه بالتنفيث عن حرقته على ما عانته سيلا وما عاناه هو.. يكذب لو قال انه لن يفعل مثله.. فالعشق عندما يختم كلمته الوحيدة على صفحة القلب يصعب حذفها.. وهو وزوجته اكثر من عانا في السابق بسبب هذا العشق الذي جمع برباط وطيد بينه وبين امرأته الوحيدة لين.. ولو جرّب احد فقط الدنو منها لما كان سيبقيه على قيد الحياة لثانية كما يفعل ابنه تماما.. ولكنه الان راشد ليدرك ما هو الصح وما هو الخطأ.. سيلا ليس لديها احد غيره.. ولين سيموت لو فقدها.. يموت رعبا على قلبها من ان يتضرر ويفقدها..
تمعن ببكره الذي يكيل اللكمات من كل الجوانب للشخص الذي يدعو سيف.. كم بدا هذا الشخص الحقير هش ضعيف.. كلمة لا لم يقدر على قولها، ولكنه تمكن من سلب براءة طفلة لا تتجاوز الستة عشر عامًا!.. حطمّ احلامها.. حياتها.. مستقبلها.. ولله الموت قليل بحقه..
احس بصديقه وقاص الذي وقف بجانبه متسائلا بقلق:
- ماذا يحدث يا ريس؟ ابنك سيقتل هذا الرجل.
- إفهم من يكون.. هذا النذل هو من اغتصب زوجة ليث.. هو يستحق اكثر مما يفعله ليث به.. اريد منك ان تدعه يتعفن في السجن.. ان يذق المرارة به.. استخدم كل نفوذك وكل ذكائك كمحامي لتدمره يا وقاص.
هتف ريس بخشونة نابعة من اعماق قلبه المقهور على بكره وزوجته.. فهز وقاص رأسه بتفهم قبل ان يغمغم:
- سأتصل بالشرطة اذا.. وانت ابعدك ابنك.. لأن زوجة هذا الرجل - على ما يبدو - لا تزال تصرخ في الداخل وكل العائلة والضيوق تجمعوا.. الله يستر من القادم.
- انا سأتكفل بكل شيء ولكن انت افعل ما اخبرتك به.
دمدم ريس بهدوء قبل ان يتطلع الى ابنه الذي اصبح يلهث انفاسه كليث بربري هائج وهو يضرب سيف الذي لم تعد تتضح ملامحه من كثر الدماء التي تغطيه.. فصاح حتى يتغلغل صوته الى عقل ابنه:
- ليث توقف.. الشرطة قادمة.. واذا قتلته ستقتل امك وزوجتك بيدك.. تذكر ذلك.
لم يكن يسمع اي مما يقوله والده.. كان في حالة من اللا وعي.. في اجتثامة القهر والعذاب والغضب.. يتخيل صرخاتها.. دموعها.. وجعها.. وما من مغيث يغثها من ذاك الشقاء والعذاب.. وما من روح تتلفقها لتحميها تحت كنفيها من كل ما واجهته وهي طفلة.. ايسألوه عن العذاب؟! هذا هو اكبر عذاب.. انه كان عاجزا وقتها.. لم يكن يعرفها.. لم يكن يحبها.. نار تشب شراراتها في صدره.. وتكويه دون هوادة.. دون رحمة.. قبضتيه تتألم ولكن روحه تطالبه بالمزيد.. بالثأر الى تلك الطفلة.. بالثأر الى حبه.. الى الخوف التي عانته محبوبته.. والى الانتظار الذي كان يكويه..
ولكنه وعى على ابجدية كلمات والده الاخيرة.. امه وزوجته.. اذا اصابهما مكروها ما سيموت.. يكفيه ذنب تلك المرأة.. يكفيه مصائب وهموم..
ابتعد عن الجسد الملقى على الارض دون حركة وتوقف على قدميه ليتأمل وجه والده.. الحازم والحنون في آنٍ واحدٍ..
فتنهد بخور قبل يسترسل قلبه قبل قدميه الطريق الى تلك التي تركها لوحدها ترتجف كطفل صغير.. كطير يرفرف بجناحين مكسورين للهروب.. للنجاة بنفسه..
مرّ عبر الضيوف المتكردسة والمتسائلة بفضول عن الذي حدث.. ثم رأها.. تحتضتنها زهرته الحنونة الطيبة.. امه وجنته.. ونساء العائلة يحيطونهما..
- سيلا..
تمتم بأسمها ما ان اقترب منهن لترفع رأسها وتنظر اليه بذهول قبل ان تبتعد عن حضن لين المبتسمة بحنو شديد وتنهض لتضمه باكية بشدة اثارت توجس الكثيرات منهن.. ثم همست بوهن باكية:
- لنغادر ارجوك يا ليث.. انا بحاجة اليك.
اعتصرتها يداه التي تضمها وهو يغمغم بنعومة:
- سنغادر حبيبتي.. الان.
******************
تململت على السرير بضيق شديد لتفتح حدقتيها الناعستين وتتطلع حولها، وسط ذاك الظلام الذي يدس الغرفة في دوامته.. تحسست بيدها الجانب الاخر من السرير لتجده نائما وفي سابع حلم من احلامه.. فامتدت يدها لتسحب هاتفها القائم على المنضدة التي بجانبها.. وسرعان ما عبست بملامحها حالما وجدت الساعة تشاور الى الثانية ونصف ليلًا..
ماذا ستفعل وهي لا تشعر بالنعاس؟..
ابتسمت بمكر وهي تفكر انها ستكون الكابوس الثامن له.. ستنتقم منه!..
وثبت عن السرير بهدوء قبل ان تتجه الى ناحيته وتأخذ مفتاح سيارته الذي على المنضدة وتسير به ناحية سلة القمامة التي في غرفتهما لتلقيه بها.. ثم تسللت بخطوات رشيقة الى مكتبه لتمسك اهم ملف لديه.. والذي لا زال يعمل عليه.. وتمزق اوراقه بغل.. ولن تكتفي!..
ابتسمت بمرح حالما وجدت حاسوبه الشخصي مفتوح.. فتقدمت نحوه قافزة على قدم واحدة بسبب الالم الذي داهمها فجأة..
تمعنت بذاك المشروع الذي يعمل عليه.. ففكرت انه المشروع الخيري الذي يعمل به مع شركة زوج ناي.. فلم يخمد الوميض الخبيث الذي تشعه مقتيلها العسلية الا بعد ان قامت بحذفه كليا ليحل مكانه القلق والخوف..
تعرف ان في الصباح ستحتلم الحرب العالمية الثالثة بينهما ولكنها ستموت اذا لم تثأر لنفسها ولكرامتها.. لن تبالي بأيٍ مما سيفعله.. اكثر ما قد يفعله هو صفعها.. لن يتطاول اكثر وهي تعلم مدى حبه لها.. واشياء كهذه لن تؤثر كثيرا.. ولضمان سلامتها من جنونه الذي سيهب بعد ساعات معدودة ستنام بغرفة طفلها المشتاقة اليه بجنون.. ولكن ان تخرج وتجده واقفا ينتظرها.. بتلك الوقفة التي تخبرها بالكثير هو ما لم تتخيله.. جسده متكئ على جدار المكتب الخارجي، مشابكا ساقيه الطويلة والمتأزرة شورت اسود قصير.. بينما صدره عاري يغطي جزئا منه ذراعيه المعقودين.. وتلك اللمحة البارقة في عينيه تنذرها انه لن يكون ادهم اذا لم يعلمها درسًا لن تنساه طوال حياتها..
تلعثمت وهي تبجس ابجدية اسمه من بين شفتيها المزمومتين بتوتر:
- ادهم!!
ضم شفتيه بابتسامة لم تظهر اسنانه وهو يومئ لها برأسه بتريث شديد قبل ان يغمغم بنعومة خطيرة.. خطيرة جدا:
- لندخل ونرى ماذا فعلت زوجتي المصون في مكتبي بعد ان القت مفتاح سيارتي في سلة القمامة!
هزت كتفيها بلا مبالاة تخفي خوفها وهي تقول بابتسامة:
- ادخل عزيزي.. سأنتظرك هنا.
- لا حبيبتي.. سندخل معا.. حتى في حال لم اجد ما لم يعجبني يكون رد فعلي معك بشكل فوري.
هتف بهدوء لم يمت له بصلة لتعقد حاجبيها، هامسة بضيق:
- لندخل اذا.
- امامي.
دمدم بابتسامة وهو يفتح لها الباب لتدلف بصعوبة من التوجس والتوتر.. الم تجد غيره عمله؟! وهي من تدرك ان كل ما يتعلق في عمله خط احمر.. زفرت بضيق وهي تقيس المسافة بينها وبين الباب.. ولكنها لا.. لن تهرب.. وليفعل ما يشاء..
وسرعان ما انتفض جسدها من مكانه من صرخته التي زعزعزت روحها وقلبها لتنظر اليه سريعا وتزدرم لعابها من ضراوة عينيه المظلمتين والتي تطالعها تارةً وتطالع حاسوبه وبقايا الملف تارةً اخرى..
- ادهم.. اسمعني انا اردت الثأر لنفسي فقط منك.
تمتمت بارتباك حينما دنى منها بخطوات فهد غاضب لتئن بألم من قبضته التي ابتركت ذراعها بقسوة بينما يهدر بعصبية:
- وبعملي تخرجين جنونك؟! ماذا سأقول لزوج ناي الان وغدا اجتماعنا؟ وماذا سأفعل بالمشروع الذي اعمل عليه منذ ثلاثة اسابيع على الحاسوب؟ ولكن لا.. عقلك الفارغ لا يفكر قبل ان يتصرف.. وانت اكثر واحدة تعرف مدى حساسيتي لكل ما يتعلق بعملي.
- تستحق ذلك.. انا ملقية هنا في المنزل بينما انت تعمل في شركتك.. سأفعل اكثر من ذلك يا ادهم.
اردفت بعجرفة وهي تضربه بقبضتها على صدره ويده كي يتركها دون فائدة.. ولم تحس سوى بيده التي امسكتها من شعرها بعنف وهو يزمجر باحتدام:
- تهاونت معك كثيرا.. ولم يعد ينفع ذلك.. يجب تعليمك درسا لن تنسيه.. وتذكري انك سبب كل المشاكل.. وكلما طالت المشاكل كلما ابقيت سند بعيد عنك وعني.
حاولت تحرير خصلاتها الشقراء من بين انامله الموجعة التي تشدهن بقوة.. ثم صاحت به بثوران:
- افعل ما تود يا ادهم وانا سأفعل اكثر مما تتخيل.. هذا لا شيء مقابل ما سأفعله.. لست انا من يخاف من احد او يذل نفسه وكرامته لك.. وستندم صدقني.
ولم تسكتها سوى تلك الصفعة القاسية التي هوت مؤلمة لهما الاثنين على صفحة وجهها.. ولكنه هو تألم الم من نوع اخر.. الم لن تفهمه بعقلها المغرور المتبختر.. ان يضربها صعب عليه.. وان يتقبل كلماتها وافعالها اصعب بكثير عليه.. وما عاد يتحمل.. ابنه اهم منهما.. لو انه ليس خائفًا على تشتت طفله ربما كان سيطلقها.. ولكنه يعرف صعوبة الطلاق.. عاناه في صغره.. كانت تتمزق روحه من التشتت والضياع وعدم الاستقرار.. وكم كان يتوجع وهو ينام مرةً عند والده ومرةً اخرى عند والدته.. وفي الاخر الاثنان تزوجا وهو من كان يتعذب بصمت.. لوحده..
غرز اظافير يده في مرفقها وهو يجذبها ورائه الى غرفتهما وسط انفعالها وبكائها العنيفان.. وما ان رماها بخشونة على السرير كانت تهتف بصوت عال:
- طلقني يا ادهم.. انا لا اريدك.. انت وحش!
ابتسم باستهزاء وهو يقبل عليها ببنيته الضخمة، رادفا من بين اسنان تصطك ببعض من شدة الانفعال والغضب:
- فكرت بذلك كثيرا عزيزتي.. الطلاق ارحم لي من العيش مع امرأة مثلك لا تحترم نفسها قبل ان تحترم زوجها وبيتها.. ولكن ما يمنعني هو فقط سند.. انا من ناحيتي اود التخلص منك الان.. في هذه الثانية.. وسند وما عانيته انا في صغري فقط من يمنعاني يا سيلين.
ابتسمت رغم تلك الخناجر التي تضرب قلبها دون هوادة من كلماته القاسية التي قهرتها بصورة عجزت عن تحملها.. فدمدمت لترد لنفسها كرامتها:
- وليس ذلك فقط.. انت لا تقدر على العيش دوني.. انت تعشقني والجميع يعرف.
- لا حبيبتي.. المشاعر الغير قوية والتي لا تتبادل من كلا الطرفين لا تدم طويلا.. انت انانية جدا.. وانا لن اعطي اكثر بعد.. ما بيننا بعد الان فقط طفلا يجب الحفاظ عليه.. اما بالنسبة لفعلتك فأنت من ستعيدين تصليح ما دمرتيه بيديك.. وحتى الغد فقط اود كل شيء ان يعود كما كان.
همس بتروٍ قبل ان ينحني الى مستواها ويصفع وجنتها باثنين من اصابعه ببطئ وخفة احستها تسلخ روحها..
****************
في صباح اليوم التالي..
تذبذت على صدره الدافئ التي تتوسده.. قوتها وامانها وملاذها الابديين.. وببطئ شديد فتحت عينيها الخضروتين، لتبتسم بحب على هدوئه وهو نائم.. يا الله كيف احتواها الليلة الماضية بحنان ورقة لم تتخيل يوما ان يكونا به.. رغم كل غضبه عرف كيف يتعامل معها.. كيف يهبها الامان والحنان.. او ربما لانها هي من ودت ورغبت بحنانه كانت تعتبر كل فعلة منه في غاية الاعجوبة والجمال..
توسمت النظر برموشه الطويلة.. حاجبيه المزمومين حتي في نومه.. شعيرات ذقنه القصيرة والتي تمنحه جاذبية ورجولة لا يوجد مثلها..
مررت يده على وجهه برقة، هامسة بكل خلية تئن عشقا في وجدانها..
"اعشقك"
لا تدري ماذا حدث بعد مغادرتهما حفل استقبال ابن عمه.. ولا ترغب في المعرفة، لانها على يقين ان الجميع تساءل اذا ليس بلسانه سيكون تساءل في عقله.. وهي تعرف ان حماها يجيد التعامل مع كل مصيبة او مشكلة.. يا الله كم تمنت والدين مثله والديه.. اب قوي جبار يعلم متى يحن ومتى يقسو.. وام قمة في الرقة والنعومة والحنان.. والاجمل حبهما لبعضهما بعد كل تلك السنوات.. تذكر قبل يومين كيف كانت جالسة هي وليث مع لين التي تضمها قبل ان تشعر بيد غليظة تدفعها وتقول لها "احتضني زوجك بدلا من امرأتي" ثم تمدد هو على ساقين زوجته بعد ان قبلها من وجنتها امامها وامام ليث دون خجل.. كانت لا تزال في حزنها وقتها ولكنها ضحكت من كل قلبها على غيرته التي يبدو ان زوجها ورثها منه..
همت بالنهوض والابتعاد عنه قبل ان تسمع صوته الناعس الساحر يأمرها ان تبقى بين ذراعيه فانصاعت سريعا ببهجة طفلة صغيرة لا تتعدى الخمس سنوات بحضن والدها..
ابتسمت وهي تستشعر بأنامله التي يمررها بين خصلات شعرها الناعمة، هامسا بهدوء:
- صباح الخير.
- صباح النور.. هيا انهض لننزل ونفطر مع عائلتك.
غمغمت بابتسامة ليومئ قائلا:
- حسنا بعد قليل.. لان ما ان ننزل لا تعرفي من اين المصائب ستُقبل علينا.. وخاصة الان اشعر بأن كارثة ستهاجمنا.. وانا لم اعد اضمن نفسي اكثر من ذلك.
استسلمت لما قاله لدقائق طويلة رغم شعورها بعدم الاطمئنان لشعوره.. يكفيها.. ولله تعبت.. مصيبة اخرى ستقتلها لا محالة.. ولم يعد بامكانها تحمل المزيد..
بعد ساعة كاملة كانوا جميعهم قد انهوا الفطور قبل ان يسمعوا صراخ امرأة تعرف صوتها جيدا لتدرك ان شعوره المتشائم قد تحقق.. مستحيل!! كيف عرفت عنوان منزلهم الذي تقنط به؟! اغمضت عينيها بخور، راجية من الله القوة التي تسعفها لتحمل تلك المواجهة.. التي ستقام امام كل من والديه واخوته وجدته..
رأتهم جميعها ينهضون ليروا من التي تصرخ.. ولكنها لم تتجرأ على النهوض وهي تعرف صوتها.. رنين كلماتها لا زال محفورا بعمق في دفتر مذكرات عقلها منذ زمن طويل.. تكدست العبرات الشجية والواهنة في مآقيها مع كل رعشة وخفقة مؤلمة من قلبها..
لا تعلم حقا متى استطاعت ان تنهض لتجدها تصرّخ ان يخرجوا زوجها من السجن.. ولكنها فورا توقفت ما ان رأتها لتزلف منها هاتفة بحقارة:
- هذه المرأة الغير شريفة التي يجب ان تتعفن في السجن.. هي سارقة الرجال! التي تنام مع كل الرجال!
شهقت للهواء دون فائدة.. ما الذي تقوله عنها؟! استفحلت تلك الغصة المريرة في حلقها من الظلم والاهانة.. سُحقت كرامتها ومكانتها الطيبة امامهم وامام نفسها.. لم تأبه بصراخ زوجها الذي دوى عنيفا مقهورا عليها وهي ترفع راية انهزامها وعدم تحملها لألم اكبر.. ان تتشوه صورتها امامهم.. وان يعرفوا ماضيها هو ما لا تقدر على تحمله..
احسّت بزوجة سيف التي توقفت امامها رادفة بصوت عالٍ سمعه الجميع:
- هذه الحشرة التي تعتقدونها بريئة وطاهرة سرقت زوجي مني قبل بعض سنوات.. وكل حيّها يعرف من هي.. حتى انها كانت ستتزوج زوجي غصبا عني الا انني اجبرت زوجي ان يطلقها في يوم زفافهما.. اسألوا جميع السكان الحي الذي تعيش به من هي.. وسيخبروكم بمدى دنائتها!..
-----------------------
يتبع..
بتعذر حبايبي ولله نمت وانا اراجع البارت وما بعرف كيف غفيت.. اعذروني اول ما فقت كملت مراجعة البارت وبسرعة نزلتو.. اسفة كمان مرة💔
رأيكوا بالاحداث:
- ليث وسيلا
- ادهم وسيلين
- اسر ورين
قراءة ممتعة..
مع كامل حبي واعتذاري:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━