رُدّ اليّ نبضًا ما عاد يتسارع دونك..
رُدّ اليّ روحًا لا ترفرف في السماوات الا معك..
ما هو هذا العشق الذي غزا اسوار اهوائي؟
وما هو هذا التوق الذي رسم ايقونة عذبة في اغواري؟
هل انا في البرّ ام في البحر دون سبيل؟
وهل انا مطموس في اغلال دون مفاتيح؟
رُدّ عليّ مع جواب مُرصّع من اناشيد..
مع رياح غرام تجرف الاحاسيس..
مع اوتار تعزف انه العشق النضير..
ومع قلب يعترف انني الحب الوحيد..
رُدّ عليّ دون ان تواري المكنون..
وإسرح في دفاتر كتبتها ايدي محبوب..
رُدّ عليّ يا قلبًا في محرابك أسير..
ويا املاً يبهج عمرَ عشيق..
-------------------
زفرت انفاسًا متأججة بقبس الغضب والثوران ريثما اولجها الى شقته والتي من المفترض ان يعيشا بها ما ان يتم الاشهار عن زواجهما.. ثم زمجرت بانفعال ما ان دفعها الى باب المنزل الخشبي الفخمي، مانعا حدقتيها من رؤية المنزل واثاثه:
- هل جننت يا ليث؟!
استشرت ملامحه الوسيمة واحتد انفعاله وهو يضغط اكثر على كتفيها، دافعا بجسده على جسدها لتئن من عنفه المفاجئ بينما يهدر بوحشية ارعبتها:
- ارتكبتِ عدة اخطاء.. وليس من طبعي التغاضي عن الاخطاء والسماح بهم.. وخاصة حينما تتجرأ زوجتي ان تخرج من بيتي دون اذني وتذهب الى ذاك النذل دون ان اكون معها.
تطلعت اليه بتوتر شديد من اضمحلال فضية عينيه المبهرة وظهور ذاك السواد والاحمرار المخيف.. ثم غمغمت بقوة مع انها مدركة ان لا فائدة من خوض جدال مع شخص كمثل ليث:
- انا لم افعل اي شيء خطأ.. ولو تكرر الامر كنت سأفعله مرة اخرى.. انا كنت بحاجة لفعل ذلك.. وانت يا ليث.. لا يحق لك لومي ابدا.. فانت اكثر شخص متهور رأيته في حياتي.
شهقت بوجع ما ان قبضت اصابعه الخشنة على فكها بينما يصيح بنفاذ صبر لا وجود له في ثناياه ابدا.. يكفيه كل تلك المصائب وذاك اللوم والذنب الذي يلقيه على روحه.. يكفيه وتلك الحمقاء التي امامه لا تفهم خوفه عليها:
- لا تدعيني اريكِ التهور الحقيقي كيف حقا يكون.. فجميعكم لم تخطأووا بقولكم انني مجنون.. متعقد.. متعصب.. هذا انا.. وغصبًا ستتقبلون ذلك.. والاهم رغمًا عن انفكم الارعن.
- اتركني.. انت تؤلمني.
همست، كامشة عينيها من شدة الالم ليأمرها بصرامة ارعبتها:
- افتحي عينيك حتى لا ادعهما يبصرا سواي فقط.
رمشت وهي تفتح عينيها، مزدردة ريقها بصعوبة.. لا تدري سبب جنونه الان.. ربما هي اخطأت ريثما خرجت دون اذنه وذهبت الى اياد مُعرّضة نفسها لخطر كبير..
تمتمت بصوت واهٍ، وخلاياها تصرخ حاجةً الى ملاذ يحتويها:
- اتركني.. اود الذهاب الى خالتي لين.
- لا!
هتف بصوت جامدٍ قاسٍ لتعبس من وحشيته هذه وتدمدم بثوران ما عادت تقدر على كبته:
- هل ستمنعني من كل شيء يا ليث لانني خرجت دون اذنك؟!
حررتها قبضتيه ليدنو بوجهه اكثر من وجهها ويرسخ ذهبتيه في ورقتيها الخضروتين.. ثم اردف بخشونة:
- اجل.. انا لم اعد اضمن تصرفاتك.. انتِ في حالة من اللا وعي لتدركي فداحة تصرفك.. منذ اليوم سننام انا وانتِ في شقتنا وستجددينها بنفسك.. انتِ من سيختار الاثاث ومن سيصمم الديكورات.. وبعد شهر تماما ستكونين اعتدت على كل الوضع.. وحزنك على فراق زوجة عمك سيكون قد قلّ.. وعندها سنعلن زواجنا.
ودون ان يجبر نفسه على سماع اي رد منها كان يلثم شفتيها بقبلة تائقة مشتاقة للابحار في رهافة ثغرها، مُعلنًا صك ملكيته لوحده به بتجاوبها معه..
يحبها بجنون وعليها ان تتعامل مع جنونه بما انها ايضا تحبه.. وخاصة الان.. مع كل الضغوطات التي تستنزف روحه والتشتتات التي بعثرت ثباته واتزانه، غير قادرا على التصرف كما يجب.. والاهم اخماد ذعره عليها من ان قد يصيبها مكروها ولا يقدر على انقاذها كما فعل قبلا..
لا يدري ربما العشق والجنون وراثة في اسرته.. فوالده عاشق مجنون متملك، وابن عمته كذلك الامر، اما توأمه فلا بد ان يكون به تلك الشعرة التي تميز رجال الجايد.. ولكن هو.. عشقه مختلف.. اكثر جنونًا.. واكثر وحشية.. واكثر هوسًا ربما..
ابتعد عنها بعد ثوانٍ طويلة.. طويلة جدا.. ثم صبّ ثقل جبيته على جبينها، مستمتعا بهدير انفاسها المُستجد ذرات الاوكسجين وبنعومة بشرتها التي يهوى..
امتدت يده بتمهل لتفك اسر شعرها من حجابها دون اي ادنى اهتمام بتشتتها وارتباكها.. ثم همس بصوت رقيق صعبا ان يسمعه احد منه عدا والدته:
- معي اريدك متحررة.. كما كنتِ قبلا واكثر.. ولكن فقط معي.. لا احد غيري.. حسنا؟
اومأت دون ان تعي ما يقوله ثم غمغمت بصعوبة:
- حسنا ابتعد عني.. اريد ان اتحدث مع خالتي لين.
نأى بنفسه عنها ثم هتف بصلابة:
- اخبرتك قبل قليل لن تخرجي من المنزل.. انا لا اثق بتصرفاتك الان.
صمت لوهلة قبل ان يسترسل بشراسة:
- اتظني انني لا اعلم انك كنتِ تودي الابتعاد عني.. بل اذا صح التعبير الهروب!
ارتبكت من معرفته فيما كانت تخطط ثم دمدمت بثقة كاذبة:
- من قال لك انني اردت الهروب؟ انا كنت سأزور صديقتي.
رفع حاجبا ثخينا متهكما قبل ان يقول متشدقًا:
- عيناك الخضراء لامعة بالكذب التي تبجسه شفتيك.. عموما انا مضطر للمغادرة الان.. بعد قليل لدي اجتماع هام.. وسأخبر امي ان تأتي وتجلس معك لتتشاورا انتما الاثنتان حول منزلنا.. فأمي ذوقها راقي وجميل مثلها تماما.
هزت رأسها موافقة تواري ابتسامة مبتهجة من حبه وتعلقه بوالدته.. باتت تعتبر والدته وكأنها امها.. بها طيبة وحنان يسعدان العالم بأسره.. نادرة هي امه لا تنكر.. تحسده عليها.. كم تتمنى لو كان لها امًا على قيد الحياة لتعاملها مثلما يعامل زوجها والدته واكثر ربما..
تنهدت قبل ان تفغر جفونها متفاجئة من شفتيه التي عاودت مداهمة شفتيها كغرثان لم يذق طعم الشهد يومًا.. كمغوار يحرس ما هو ملكه بفؤاده قبل جسده..
انسحبت معه الى غيمة عالية.. عالية جدا وجناحيها يتلتلان بحبور وقلبها يُرتل عشق هادر دون اكتفاء..
وبعد دقائق احستها دهور عتق شفتيها من اكبال ثغره ولثم جبينها برقة.. ثم خرج من المنزل بأكمله، تاركا خلفه فتاة تلهث جنون غرامه..
****************
ابتسمت بحنو شديد وهي تمرر اناملها الرهيفة بين طيات شعر الصغير المتمدد على ساقيها.. كم تحبه! وكأنه ابنها من بين ثنايا روحها.. وكم تشفق وتخاف عليه! ما هو ذنبه ليكبر وسط جو اسري مضطرب مفعم بالمشاكل والجدالات؟.. لا زال طفلا لا يعرف ما هي الدنيا وما هي صعوباتها ومشقاتها.. فلما عليه ان يتذوقها منذ صغره؟
تنهدت ورويدا رويدا تختفي ابتسامتها وهي تفكر بزوجها.. الذي لأول مرة تجرب غضبه وحزنه منها.. دام طويلا.. لا يتكلم معها الا عند الضرورة.. وهذا يؤلمها جدا.. تعرف انها مخطئة ولكنها اعتذرت منه.. لم تكن تعرف ان غضبه يطول ابدا.. فهو شخص متفهم.. ولكن يبدو ان لديه لكل شيء حدود ويكون بارد لحد معين.. وحينما ينفجر كل ما بداخله تطول مدة عودته كما كان.. وهذه صفة لم تكن تعرفها به سوى بعد زواجهما..
انتبهت فجأة لرنين هاتفها الذي دوى هادئا ناعما بمعزوفته الشجية.. فمدت يدها لتجذب هاتفها عن السرير المتوسدة عليه.. ثم ابتسمت رغما عنها وهي لأول مرة تشاهد اسمه ينير هاتفها بعد ثلاثة ايام متواصلة.. فردت بنعومة تناسب صوتها العذب:
- السلام عليكم غيث.
- وعليكم السلام ناي.. كيف حالك وحال سند؟
غمغم بهدوء لتبتسم بمرارة.. يسألها عن حالها وكأنه لا يعلم! وكأنه لا يعرف انها تموت كمدا دون ان يغرقها بحبه وحنانه..
تنهدت بارهاق عاطفي ثم اجابت بوقار:
- الحمد لله.. هل هناك ما تود ان تحدثني به؟
- انتِ تعرفين ان اليوم سيعود ابن عمي تيم من السفر.. فأردت ان اذكرك فقط.
دمدم بجدية لتهز رأسها هامسة:
- من الجيد انك ذكرتني.. سأضع سند عند حور بما انها الوحيدة التي لن تحضر بسبب قرار ابي النهائي.
جالت حدقتيه حول الملفات الكثيرة التي امامه ونياط لبه يلسعه من الحزن الواضح بصوتها.. يدرك ان عقابه لها كان قاسيا نوعا ما.. فهي متشبثة به بجنون.. تعشقه حد النخاع.. وهو يعرف.. حب طفولي ما يجمعهما.. وصعب عليها ان تتلقى الجفاف منه.. ربما حالما يعود من العمل سيصالحها.. لم يعد يقدر اكثر على الابتعاد عنها وهي الروح لجسده.. والخفقات لقلبه..
اجاب بثبات يخفي ورائه مشاعره التائقة اليها:
- عندما اعود من العمل سنوصله معا.. لا تخرجي من المنزل ناي.
- لا تقلق يا غيث.. لن اخرج مرة اخرى دون اذنك.. فاطمئن قليلا.
اردفت بضيق من عدم ثقته بها كما ظنت.. ليغمغم دون مبالاة ظاهرية فقط:
- جيد جدا.. كوني جاهزة في تمام الساعة السابعة مساءا.
وما ان همّ بانهاء المكالمة نادت عليه ليرد عليها فهمست بجدية:
- ماذا مع عملي يا غيث؟ صديقتي اخبرتني ان هناك مقابلة عمل في المدرسة التي تعلّم بها.
- متى؟
تساءل بتركيز لتجيب بابتسامة فرِحة:
- غدا الساعة عاشرة ونصف صباحا.
- حسنا.. ولكن انتِ تعلمين ان بامكانك العمل ايضا في المستشفيات او المؤسسات الحكومية غير المدارس.. فمهنة العامل الاجتماعي مطلوبة بعدة مجالات.
هتف بهدوء لتغمغم سريعا بلهفة:
- اعلم.. ولكنني اخب العمل مع الاطفال اكثر.. والمدرسة مناسبة لي اكثر.. كما ان لدي صديقتين بها تعملان وسوف اتأقلم بسهولة في هذا الاطار.
- ان شاء الله.. عندما اعود سنتحدث اكثر.
رد بابتسامة متهللة بالفرحة التي يشعها صوتها قبل ان يستأنف بما لم يعد يقدر عليه:
- وانا احبك يا غبية.. هيا في امان الله.
- في امان الله.
اغلقت الهاتف وهي تكاد تصرخ فرحة من هذا الرجل الذي يستحيل ان يكون مثله في هذه الحياة.. حبيبها الاول والاخير.. عشقها الابدي..
وضعت قبلة مغتبطة على خد سند قبل ان تحمل رأسه برفق وتضعه على الوسادة الزرقاء وتنهض لتتصل بصديقتها حتى تتكلم معها حول ما اخبرها به زوجها..
***************
زمت حاجبيها بحنق حينما ركن سيارته بجانب مطعم في قرية لم تدخلها مسبقا.. مطعم رغم بساطته يبدو انيقا فاخرا يجذب العيون.. مصنوع من حجارة قديمة.. يبدو من زمن الحروبات.. لا تكذب انها متشوقة للولوج اليه لتتذوق طعامه.. ففقط مظهره الخارجي اسرَها.. فكيف من الداخل؟
انتبهت له ريثما فتح لها الباب لتخرج فترجلت سريعا بلهفة اخفتها بصعوبة.. ولكنها كانت غافلة انه يعرف كل خجلة تقوم بها..
ابتسم باستمتاع وهو يتأمل العسل في مقلتيها يلمع بنقاء وصفاء يجعله يتمنى ان يغرق به.. وتوسعت ابتسامته اكثر عندما استقامت بوقفتها امامه بتلك القامة المتوسطة التي بالكاد تصل الى صدره.. وهذا الجسد النحيف الذي يخفيه ببنيته الضخمة..
سمع صوتها يتغلغل الى اذنيها ساخطا رغم الفضول واللهفة التي تنطقهما عيناها البارقتان:
- لماذا نحن هنا سيد آسر؟ اخبرتك انني اريد ان اعود.
جذبها من يدها بخشونة قصد فعلها لتلقي عليه نظرة حارقة بينما يغمغم دون اكتراث:
- انا جائع.. واعرف انك جائعة.. عيناك التي تكاد تقع من مكانها من شدة فرحتها تخبرني ذلك.
- ثور ارعن.
هدرت في وجهه بينما يسحبها خلفه على ناصية الطريق التي يعتمد عليها المطعم بوقفته.. فابتسم بسخرية دون ان يرد ما ان دخلا من الباب الواسع جدا المفتوح على الجانبين..
ثم ثبثّ قدميها بجانبه وهو يقربها اكثر منه فور ما انتبه الى شاب طويل يقبل تجاههما ليستقبلهما.. وما ان رحبّ بهما بلباقة مشاورا لهما بيديه ليتفضلا سارا ورائه بهدوء..
تأملت ما ان جلست جميع العمال والنُدُل الذين يضعون على رأسهم الكوفية الفلسطينية بطريقة تسلب الانفاس من جمال المنظر.. بدا المطعم ذو جوّ فلسطيني اصيل.. كم احست بالراحة به والشكر تجاه هذا الذي يتأملها عن بَوْن بابتسامة هادئة بالكاد تُرى..
لمح حدقتيها الزاهية تطوف حول النقوش الفلسطينة المُزخرفة على الستائر الموضوعة على حجارة الجدران.. ثم توسمها بشرشف الطاولة التي يجلسان عليها والمطرز بنقوش حمراء ناعمة..
احبّ كونها عشقت هذا المطعم المفضل لديه.. الذي لا يأكل خارج المنزل الا به..
قاطع تأملها بالمكان وتأمله بها وبحركاتها صوت النادل البشوش.. وهو يمد اليهما لائحتين طعام خاصة بوجبات المطعم ليتلفقهما آسر منه بإيماءة شكر قبل ان يبتعد عنهما..
- تفضلي.
همس وهو يناولها احدى لائحات الطعام لتأخذها سريعا.. ثم ابتسم بتوسع وهو يرى الابتسامة تضج من شفتيها ومقلتيها العسلية وهي تستقصي عن وجبة تعجبها بين الوجبات الفلسطينية المكتوبة على اللائحة..
واخيرا دون ان يحيد سودوتيه عنها رفعت له عيناها وهي تقول بابتسامة:
- الوجبات كلها فلسطينية شهية.. ارغب في تناول وجبة فتول وعكوب.
- وماذا ايضا؟
تساءل باستمتاع لتجيب سريعا:
- كفتة وكُبّة نيّة.
قهقه بصوت عال لتمط شفتيها وهي تسمعه يهتف بخبث:
- حسنا.. ولكن اين سيتسع كل هذا بمعدتك الصغيرة؟
- لا تقلق انا التي ستدفع.. بخيل منذ صغرك.
تمتمت بحنق لتنبسط جفونه بينما يردف بذهول:
- انا بخيل!! اكرم شخص في العائلة انا والجميع يشهد.
هزت كتفيها بلا مبالاة ثم غمغمت:
- اذا هيا اطلب.. فانا ايضا جائعة.
رمقها بنظرات مغتاظة قبل ان يشاوح بيده للنادل الذي استقبلهما حتى يعطيه الطلبات اضافة الى طلباته هو.. وما ان ابتعد النادل هتف بجدية:
- اليوم سأفتح موضوع خطبتنا مع خالي.. على الاقل سنخطب الاسبوع القادم، خطوبة عائلية فقط احتراما لزوجة شقيقك.. وسنعقد قرآننا.
- الاسبوع القادم!
همست بصدمة ليرد بحزم نابع من اعماقه:
- اجل الاسبوع المقبل.. انتظرت طويلا.. وما عاد للصبر مكان في داخلي.
- ولكن..
تمتمت، محاولة ان تعارضه ليقاطعها بخشونة، رافعا كفه:
- هذا قراري النهائي يا رين.. عليكِ ان تتقبليه رغما عن انفك.
- احترم نفسك.
زمجرت بضيق ليتطلع حوله حتى يتأكد ان لا احد ينظر اليهما ثم هتف بحدة خفيفة تستر في اغوارها الكثير:
- تعلّمي ان تحترمي انتِ اولا حتى احترمك.. ولكن كل شيء يهون.. ولكل فعلة حسابها في وقتها المناسب.
- اتهددني سيد آسر؟.. انا رين الجايد اذا لم تعرف بعد.
همست بغضب ليبتسم بجهامة ويردف من بين شفتين قاسيتين:
- اعرفك اكثر من نفسك.. منذ اللحظة التي انتميتِ بها لي وحدي.. ولن تكوني بعدها لغيري ابدا.. ولكن لا عتب ولا لوم عليك لانك جاهلة جدا حتى تعرفي من هو انا.. آسر الهيب.
- ارجوك اخبرني.. من الرعب سأموت الان.
اجابت باستهزاء يحجب خوفها مما يقوله ومما ينتظرها معه.. ولكنها كما قال جاهلة تماما لتعرف انها كتاب مكشوف امامه وبسهولة يقرأ ابجديته..
اكفهرت ملامحه بعد ان كانت مستمتعة منشرحة ثم هتف بخطورة:
- لا داعي لرعبك الان.. دعينا نؤجله لوقته اللازم!
- ماذا تعني؟
تساءلت بتخفر ليبتسم بشراسة تظهر غضبه وسخريته قبل ان يجيب بتريث:
- دعينا نعيش اللحظة حاليًا يا.. يا رين.
ثم اضاف بهدوء حالما انتبه الى النادل الحامل صينية الأطباق التي طلباها يخطو خطواته تجاهه:
- لنأكل الان.. انتِ جائعة وانا كذلك.
وبالفعل فور ان وضع الاطباق الشهية التي تسللت رائحتها الى معدتها قبل انفها، مثيرة ذاك الجوع المتلهف شرعت في الاكل، متناسية تهديده المبطن.. او محاولة التناسي..
وكل ذلك تحت انظاره المريبة وبذات الوقت المستمتعة بنهمها وتلذذها وهي تأكل..
****************
وفاه صوتها العالٍ وهي تنادي عليه من غرفتهما القريبة من غرفة مكتبه ليزفر بضيق شديد قبل ان ينهض بثقل، لاقيا الملفات التي كانت بيده على المكتب..
فتح باب غرفتهما ليجفل بخوف ما ان رأها واقعة على الأرض وعلى ساقها واقعة منضدة المرآة الكبيرة مع بقية العطورات ومسحضرات التزيين الخاصة بها..
بقي متسمر مكانه بينما هي تشهق ببكاء وخوف من الم ساقها.. ولم يصحو من صدمته الا حينما نادت عليه مرة اخرى ببكاء هذه المرة ليدنو منها سريعا، مُبعدا المنضدة الثقيلة عنها..
رفعها لتقف فوقفت على قدم واحدة بينما الثانية تهرق دماءًا فاقمت من سيلان دموعها وشهقاتها.. فحملها برفق ثم مددها على السرير وهو يتساءل:
- كيف وقعت عليكِ؟
- لا اعرف.. فتحت الثلاثة الجوارير معا.. وعلى ما يبدو ان كل الثقل اصبح في جهة واحدة، حيث اقف انا.. وهكذا وقعت.
همست ببكاء ليزفر انفاسا حانقة من تصرفاتها الغبية ويهتف:
- ساخذك الى المشفى.. قدمك متورمة وتنزف.
- لا اريد.. ماذا لو كانت مكسورة؟ اخاف.
نشجت ببكاء ليضحك بصوت عال على خوفها وهو يقول:
- معك حق.. يجب ان ادعك تبقي هنا تتألمي.. ربما تتعدلي قليلا وتتغيري.. عقابا لائقا ومقبولا.
- ادهم!!
صرخت بصوت عال انّت له اذنيه.. ليجلب لها حجاب منزلي وجلباب من الخزانة ثم البسها اياهما وسط ابتسامته من وجهها الاحمر..
لا يكفي ان عقلها عقل طفلة، لتبدو الان بهذا المظهر كالأطفال بتلك الجديلة الفرنسية وهذا الفستان القصير الذي عليه رسمة ميكي!..
حملها مرة اخرى وهي ينزل بها السلالم قبل ان يخرج من المنزل ويضعها بحذر في السيارة..
وفي طريقه الى المشفى - وسط بكائها مع انه يعلم ان لا شيئًا خطيرًا اصاب قدمها سوى جرح صغير وانتفاخ وازرقاق من قوة وثقل المنضدة التي وقعت عليها - هتف بخبث:
- اعتقد ان قدمك مكسورة.. وربما تنامي في المشفى.. وربما يجروا لك عملية.. ولكن لا تقلقي.. انا معك.
اشتد بكائها ورعبها وهي تصيح قائلة:
- اتصل بأوس.. انا اخاف من الدم والأبر.. اتصل به.. سيُغمى علي من الرعب.
- لا داعي لخوفك.. انا معك.. وسادخل ايضا معك الى العملية.. وسأتكلم معهم ان لا يقطعوا لك ساقك في حال كان وضعها حرج.
دمدم بمكر وقهقهة مكبوتة تكاد تنزلق من بين شفتيه على توسع عينيها العسليتين وتوقف دموعها من الانهمار وهي تنظر اليه بذعر اشفقه عليها.. ولكن عليه ان ينتقم منها، مستغلًا معلوماتها المعدومة حول الطب وكرهها لكل ما يتعلق في الاصابات والدماء..
وقبل ان تحاول النبس بحرف واحد كان يركن سيارته بجانب مشفى صغير ليغمى عليها من شدة الخوف لا الوجع!
نزل من السيارة متوجها ناحيتها ليفتح الباب وينحني حتى يحملها قبل ان يغلقه بقدمه ويدلف الى المشفى ضاحكا من اسارير قلبه..
بعد ما يقارب الساعة كانا يخرجا الاثنان من المشفى، احدهما مستمتعما اما الاخرى غاضبة ثائرة تود نهش اظافيرها الطويلة في وجهه..
كانت تمشي على قدم واحدة ووممسكة بيد ذاك الذي ستفعل به العجائب ما ان يصلا الى المنزل..
ادخلها الى السيارة بابتسامة واسعة لتضيق حدقتيها بنظرة مقيتة.. وما ان انطلق بالسيارة حتى جهرت بصوت افزعه من شدة علوه:
- مضحك جدا ما شاء الله! تسخر مني يا ادهم.. أُغمي علي مرتين بسببك.. فضحتني امام الطبيب.
قهقه بشقاوة وغمغم ببراءة لا تناسبه:
- فقط اردت ان اتأكد اذا كنتِ فعلا تخافي من الدم والأبر.. لن افعلها مجددا.
رفعت حاجبيها بوحشية وهي تشير بأصبعها على نفسها مزمجرة:
- انا.. سيلين.. ادخل الى المشفى متوقعة عملية وبتر قدمي وبالاخر اخرج مع ضمادة صغيرة! لا والادهى ان كلما اقترب مني الطبيب اصيح حتى اغمي علي.. وانت.. وانت مستمتع ايها البغل.. لن يخلصك مني احد.. دعنا نصل فقط.
- عيب حبيبتي ان تهددي زوجك وحبيبك هكذا.. هذا عقابي لك على ما فعلتيه بحفل زفاف صديقي والذي حتى الان اخجل ان اتصل به.
اردف بجدية تغلفها ابتسامة عابثة لتهمس بضيق:
- اود ان انام.. ما ان نصل لا توقظني بل احملني ومددني على السرير.. وما ان استيقظ سأفكر كيف اتصرف معك سيد ادهم.
ودون ان تهتف بالمزيد كانت تريح جسدها على مقعد السيارة وتوغل نفسها بديمومة نوم مريحة تحت نظراته التي يوزعها ما بين الطريق وبينها..
*****************
كم رغبت في البكاء وهي ترى كل افراد اسرتها يجهزون انفسهم للذهاب الى حفل استقبال ابن خالها وهي منبوذة في منزلها لوحدها.. مع ابن عمتها المجنونة سيلين.. كم ودّت ان تتشاجر معه وتغيظه حتى يبكي ليتشاركا بكاء القهر.. هذا ليس عدلا.. منذ فترة طويلة وهي تنتظر هذا اليوم..
تاملت بحسرة الفستان الوردي القصير الذي على سريرها لتشرع في البكاء وسط نظرات سند الذي يطالعها بضيق..
فعبست وهي تسأله بغضب:
- لما تنظر اليّ هكذا؟ اتسخر مني انت ايضا؟
ضحك دون ان يرد عليها وهو يُركب قطع البازل المبعثرة على الأرضية.. اللعبة المفضلة اليه..
اغتاظت من تجاهله لها لتهب واقفة من مكانها وتسير تجاهه لتبعزق له كل القطع الذي جمعها.. حتى بدأ بالبكاء هو الاخر بقهر من تصرفاتها الهوجاء.. فصاحت به بعصبية وحنق:
- هذا لانك تسخر مني.. يا الله لا احد يطيقني.
- جيد انك تعرفي ذلك.
تمتم الصغير ببكاء قبل ان يضربها على بطنها بقبضته الصغيرة ويخرج من غرفتها راكضًا.. لتركض ورائه صادحة:
- توقف مكانك والا سأتصل بوالدك.
- اتصلي به.. انا اكرهك.. لا احبك.. انا احب ناية فقط.
صرخ الصغير ببكاء وهو يولج الى غرفة ناي القديمة لتتبعه، ضاربة قدميها على رخام الأرض.. ثم فتحت باب الغرفة وما ان وجدته يبكي على السرير حتى هدرت ببكاء هي الاخرى:
- وانا لا احب احدا.. افهمت ايها القط الصغير؟
لم يرد عليها فزلفت منه والقت بجسدها على سرير اختها، مغمغمة وهي تطبطب على ظهره برقة بعد ان رأته يبكي بشدة:
- حسنا انا اسفة.. لنتكلم الان ونلعب.
رفع سند عينيه الحمراوتين عن الوسادة البنفسجية ثم هز كتفيه برفض:
- لا اريد.. انتِ بعثرتِ لي كل قطع البازل التي جمعتها.
- سنعيد تركيبها.. وسنلعب اخرى واحدة اصعب.. والان سأعمل لي ولك بان كيك مع شوكولاتة نوتيلا.
همست بطفولية ليقبل وجنتها سريعا ويردف:
- الان انا احبك.. هيا لننزل ودعيني ارى مهاراتك.
تخصرت بعد ان واقفة وهتفت بضيق:
- اتستغلني يا فأر؟ وتتأمر علي ايضا؟!
- اذا فعلتِ كل ما امرك به اليوم سأخبر آسر ان يأخذنا غدا الى حديقة الملاهي.
هتف الصغير بخبث ليتموج بحريها ببريق مشتاق وهي تهمس بلهفة:
- احقا ستفعل؟ هو يحبك جدا.
- اقسم سأفعل ولكن هذا يتعلق بك.
اجاب بهدوء بعد ان جفف دموعه لتومئ سريعا ملبية كل رغباته التي لا تنتهي رغم كل غيظها منها..
وهناك حيث تقعد بجوار زوجها وسط العديد من افراد عائلة زوجها واصدقائه انتبهت لحماتها التي تقترب منهما بابتسامتها التي تبعد كل الهموم والاحزان عنها.. فتوقفت وهي تساعدها للجلوس بجوارها:
- تفضلي خالتي لين.
ابتسم ليث وهو يرى العلاقة الجميلة التي تجمع بين زوجته ووالدته.. ثم غمغم وهو يلثم يد والدته:
- كيف ترك ابو ليث كل هذا الجمال يسير لوحده؟
ضحكت لين وهي ترد على ابنها:
- والدك واقف يتكلم مع اوس وآسر.
وسرعان ما ركزت رين بالحديث الذي يدور بينما تسمع اخيها يومئ بموافقة.. لا بد انهم يتكلمون حول موعد خطبتها هي وآسر.. زفرت انفاسا مغتاظة قبل ان تلمح ابن عمها يتجه نحوهما بتلك الابتسامة الآسرة التي ورثها عن والده.. وذاك الوشم البارز من سترته الصيفية مع ان الطقس بارد جدا..
تعترف الان ان الرجال في عائلتها لديهم اعاقة في المشاعر والاحاسيس..
- مرحبا.
غمغم تيم بابتسامة لتتطلع سيلا بفضول اليه قبل ان تشعر بنظرات زوجها المتجهمة.. فأخفضت حدقتيها هي ورين ولين كابتات ضحكتهن.. من الواضح ان السنوات الطويلة التي قضاها في الغرب اثرّت عليه.. خاصة بشعره الفوضوي والطويل قليلا من الامام.. ومن ثيابه العادية وبذات الوقت انيقة.. بلوزة سوداء تبرز الوشم الذي على صدره وعلى يده.. وَشمين احدهما صغير والاخر كبير.. هو الشاب الوحيد في العائلة الذي لديه وشم على صدره وذراعه وهذا اثار استغراب سيلا..
تفاجأت من زوجها الذي ردّ السلام دون نفس..
هو لا يطيق تصرفاته وتحرره الزائد.. ولا يقدر على اخفاء مشاعره وارتداء قناع التزيف.. ما في داخله يظهر من افعاله واقواله دون اللف والدوران وهذا نوعًا ما يسبب له متاعب..
- وعليكم السلام.
رد عليه ليث بهدوء قبل ان يلمح نظراته على زوجته ليهتف بحدة:
- انزل عينيك عن زوجتي قبل ان اقلعهما من مكانهما.
ابتسم تيم متهكما وهو يقول:
- مبارك لك يا ابن العم.. عُقبال البقية ان شاء الله.
- تسلم حبيبي تيم.
غمغمت لين وهي تنهض لتسلّم عليه فقابلها بابتسامته الناعمة وهو يردف بمداعبته المعتادة:
- الان فقط عرفت من اين النور منبعث.. وانا مثل الاحمق ابحث هنا وهناك.
ضحكت لين برقة وهي تهمس بسرور:
- لا زلتَ كما انتَ.. مبارك لك شهادة التخرج.. اصبحتَ طبيبًا مثلي.. سأقنع عمك حتى نعمل معًا.
- ان شاء الله خالتي.. سأُسلّم على البقية.
اردف بابتسامة لتهز لين برأسها وهي تسمع صوت ابنها يهتف بضيق:
- مع السلامة.. ولا تحلم ان تعمل والدتي معك.. هذا ما ينقصني الان!
- حينما اسرق والدتك منك لن اسألك.
دمدم تيم بعبث جاد لتقهقه لين وهي تقول قبل ان يفتعل ابنها شجارا معه:
- تعال معي.. اود ان اجلس مع عدن وامك.
ثم نظرت الى ابنتها وغمغمت:
- هيا حبيبتي رين.
نهضت رين مع والدتها وهي تستقصي بعينيها عن حياة المختفية.. وما ان لمحتها همست سريعا لامها:
- امي سأعود اليك بعد ان أُحضر حياة.
اومأت لين بموافقتها لتتوجه ابنتها الى حياة التي تتكلم بالهاتف بكل غضب.. ثم همست وهي ترى وجهها يشع شرارات الغضب والانفعال:
- ما الامر حياة؟
اغلقت حياة الهاتف ثم هتفت بانفعال:
- هذا النذل ايهاب.. ضاق صدري منه.. يود ان يطلب يدي من والدي غصبًا.. والابله عرف متى يتصل.. بعد ان عاد اخي من السفر حتى يقلب حياتي الى جحيم!
تنهدت رين وهي تغمغم بجدية:
- انا حذرتك منه.. اخبرتك ان تبتعدي عنه.. هو يستغلك وانت اعطيتيه المجال.
"من هو هذا الذي تتكلمان عنه لاحطم رأسكما واحطم له جسده"
شهقتا الاثنتان بفزع من صوت آسر المتوحش لتتطلع حياة الى رين بخوف شديد.. تكاد ان تنهار.. اذا احد من عائلتها عرف ما كانت تفعله لن يرحموها..
همست رين بتوتر وخوف:
- لا احد.. منذ متى وانت هنا؟
- اجيبي على سؤالي قبل ان تريا الاثنتان معاملة لم تتخيلاها في حياتكما.
هتف بصوت غاضب مشتعل وحدقتيه ترشقهما بحجارة لاهبة..
وفي الجهة الاخرى حيث تتكئ بجسدها على صدر زوجها انبسطت حدقتيها الى ان لامست رموشها الطويلة حاجبيها ودوى صدرها خافقا بعنف وذكريات ماضٍ اليم تداهم روحها لتحرقه بلا هوادة.. هو.. بنفسه.. ذاك الحقير الذي سلب منها حياتها..
تسارعت نبضاتها بألم ما عادت تقدر على تحمله لينتبه لها ليث ويهتف بتفاجؤ:
- ما بك سيلا؟ هل انت بخير؟
رفعت اصبعا مرتجفا وهي تشاور الى شخص واقف هو وامرأة يسلّم على ابن عمه لتتوحش رماديتيه، مدركا سبب انهيارها.. ثم نادى بسرعة على شقيقه وزوجته ما ان لمحهما وهتف بصوت قاسٍ:
- ناي ابقي معها.. وانت تعال معي يا غيث.
اذبهل غيث من حال ليث الهائج وسيلا المرتجفة والمثبتة خضروتيها على شخص واحد.. فسريعا بذكاءٍ يميزه ربط الاحداث ببعضها واخبر زوجته ان تبقى مع سيلا ثم ركض وراء توأمه الذي سيقتل مرة اخرى لا شك!..
-----------------------
يتبع..
اعزائي انا اعلنت البارحة ان الفصل سينزل اليوم بسبب ظروف خاصة.. ومن لم تصله الرسالة على المنبهات فانا اكرر انني اعلنت ان الفصل سينزل اليوم..
والان الاهم.. اراء حول الاحداث وتوقعات:
- المصيبة الاول اسر ورين وحياة؟
- الثانية ليث وسيلا والشخص الذي رأوه؟
- غيث وناي؟
- ادهم وسيلين؟
- حور وسند؟
قراءة ممتعة..
مع حبي:
اسيل الباش❤
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━