اتعلمين؟؟
انك كياقوت الفردوس..
وان استدارتك كالعنقود..
وانك تشمخين كالطاووس..
اتعلمين؟؟
ان العشق يعشقك..
وان الهوس مهووس بك..
وان النيران تتأجج لأجلك..
اتعلمين؟؟
ان الديجور هو نأيك..
والسناء هو ازفك..
والحياة هي أُلفتك..
اتعلمين؟؟
ان الطيور تزقزق لرفرفة حدقتيك..
والياسمين والاقحوان يهوان نشقك..
والثمر والزيتون ينميان لغرثك..
اتعلمين؟؟
ان القلم يأبى التلبُّث..
والورق يخشى انجذام غزلك..
وان الدنيا تحبك..
اتعلمين؟؟..
--------------------
توترت اناملها التي تضع البعض من مساحيق التجميل على وجهها وهي تستمع الى صراخ ابن عمها المعتاد.. يا الله كم تبغض الحياة معه.. لولا وجود والدته التي تعتبرها بمثابة امها لكانت منذ زمن طويل هربت.. الحرقة تستشري في اعماقها وخيالات الذل والمهانة تتدلى بتسلسل غويص امامها في المرآة.. تتمنى لو لها معينا وملاذا غير هذا المنزل.. لكانت هربت وتقوقعت حول نفسها بعيدا عن الجميع..
انتفضت فور سماعها خبطاته العنيفة على باب غرفتها الموصد قبل ان تتنهد بخور وتفتحه..
وسرعان ما كانت تئن من شدة الالم وهو يقبض على شعرها الأملس، متسائلا بحقارة:
- اين المال؟ اليس من المفترض ان تنالي راتبك اليوم؟
- سأعطيك اياه.. لكن افلت شعري يا اياد.
اجابت بثبات ليدفعها عنه متمتما:
- حسنا هاتيه.. احمدي الله انني وافقت على دراستك وعملك.. ولله لولا المال لسجنتك في المنزل وجعلتك تعملين فقط كخادمة او شيئا اخرا تعرفيه جيدا.
ترقرقت العبرات الترحة في مقلتيها والغصات تفتك بحلقها وقلبها دون هوادة.. تكرهه.. اكثر انسان في الوجود تكرهه.. لن تقدر على نسيان ما فعله معها طوال حياتها..
سارت نحو حقيبتها القابعة على سريرها واخرجت منها بعض المال الذي قبضته اليوم لتهبه اياه بصمت.. دون ان تجرؤ على الاعتراض..
ابتسم كالشيطان وهو يعد اوراق المال التي في يده قبل ان يبجس من ردهتها بغبطة حشرجت دموعها الواهية على وجنتيها الناعمة..
تطلعت الى اثره بخضرواتيها قبل ان تدس نفسها في اجتثامة بكاء عنيفة.. كم تكره كونها يتيمة ليس لها غيره وغير والدته.. تشكر الله انه وافق على دراستها وعملها لتتمكن من التخلص من كلماته السامة وهمجتيه المؤلمة..
لحسن حظها انها لا تعطيه كل راتبها والا لما كانت ستتأزر ثياب انيقة كما تفعل الان..
تطلعت الى انعكاسها بروح منفطرة وقلب مكدوم.. كحلها الأسود تصبب على وجهها بشكل مريع اجج من سيلان دموعها..
شهقت محاولة التقاط انفاسها المندثرة على قبس لاهب قبل ان تعاود ترتيب نفسها لتبدو كامرأة فاتنة جذابة لا يوجد من يضاهيها جمالا..
وبعد ان هدأت قليلا توجهت الى المطبخ البسيط كبقية المنزل لتقابلها زوجة عمها الطيبة.. وما ان لمحتها اقبلت عليها بضمة يتيمة موجوعة لتذرف الاخرى دموع حسرتها عليها وعلى انانية ودناءة ابنها.. تتمنى فقط لو ان بيدها حيلة لتقف بوجهه.. ولكنها لا تقدر.. لأنه ببساطة جبار لئيما..
همست سحر بشفقة:
- حسبي الله ونعم الوكيل.. اعرف انك تعانين يا حبيبتي.. اذا ضربني انا امه ذات مرة.. فكيف اطلب منه ان يرأف بك؟!!
- اعلم ماما سحر.. لا تلومي نفسك.. فهو ولد عاق منذ ان اتى الى هذه الدنيا.
غمغمت بلوعة ترحة، كاتمة غصة البكاء في حلقها ليئن فؤادها بؤسًا وغمًا اكثر واكثر.. رباه كم هي ممنومة لهذه المرأة الطيبة.. كم مرة دافعت عنها وتحدت ابنها اللئيم العاصي.. وكم مرة شتمها واهانها بسببها هي.. دافعت عنها العديد من المرات.. لم تبخل عليها بأي شيء ابدا.. حتى بالمال التي كنت تدخره لشراء منزل لأبنها حين يتزوج.. ولكنها تشك بأنه سيتزوج يوما.. فمن هي التي ستقبل به؟! لا احد غير اذ كانت مثله تماما واكثر حقارة ربما!!
*************
دنت عدن من ابنتها التي كبرت لتصبح اجمل عروس في نظرها.. ابنتها البالغة من عمرها الثاني وعشرون عاما.. تأملت الفستان الأبيض الذي يلتف حول بشرتها البيضاء والتاج الفضي الذي يزين شعرها الأسود المعمول على شكل تسريحة بسيطة ناعمة.. صغيرتها التي ستتزوج ابن اخيها.. تطلعت اليها والإبتسامة الحانية تشق طريقها الى ثغرها لتجثم على السرير بجوارها هامسة بحنان امومي:
- ما شاء الله.. كبرتِ يا ناي لأراك كحورية من الفضاء بثوبك الأبيض.. سيصاب بنوبة قلبية ابن اخي من رواء ابنتي وسحرها.. نايتي العذبة.
لمعت سودوتيها بعبرات متأثرة.. والدتها هي ملاكا من الجنة.. تماما كما يقول والدها دوما.. هي الجنة التي في الأرض.. امها هي روحها وقلبها.. رغما عنها ذكريات طفولتها بدأت تنساب امامها كشريطا طويلا ليس له نهاية.. ستترك بيتها الدافئ.. غرفتها التي شاهدت على اجمل لحظاتها هي ووالدتها بحواراتهما التي لم تكن لتنتهي ابدا..
تتذكر الوعود التي كانت تقطعها والدتها عليها بأن لا تبخل عليها ولا بنطفة من حنانها.. بأنها ستفنيها كل الحرمان التي عانته بتعويضها كل ما بمقدورها فعله لتكون اما وصديقة لطفلتها.. وهي نجحت.. فكل من يعرف امها من صديقاتها وغيرهن يحسدها على العلاقة الوطيدة التي بينها وبين امها..
لم تكن لها عدن كأي ام تقوم بواجباتها تجاه ابنتها.. بل كانت اكثر بكثير.. لم تشعر قط بخجل او بخوف وهي تخبر والدتها كل ما يمر معها من ايجابيات وسلبيات لتسمع نصائحها وتنفذها مغمضة العينين..
احست بلمسة يد والدتها الناعمة ترفع ذقنها اليها لتتصبب عبراتها برقة على وجنتيها الملساء قبل ان تدس نفسها في حضنها مرتوية من منبع حنانها ودفئها وتغمغم:
- يا الله يا امي.. لا اقدر على فراقك وانت الروح لجسدي.. لا اقدر.. انا متعلقة بك للغاية.. انا احب غيث جدا ولكنك الحياة يا امي.
ابتسمت عدن وهي تبتعد قليلا عن ابنتها لتمسح دموعها برقة وتهمس بحب:
- لا اود ان ارى دموعك حبيبتي والا سأغضب ثم تغار اختك البلهاء حور وتتهمني بأنني افضلك عنها.. لذا لا تبكي.. وانا لا احب ان ارى دموعك عكس تلك المدللة.. ثم ابن اخي الحبيب من سيتزوجك وهو يعرف شدة تعلقي بك فكل يوم ستكونين عندي وعند خالتك لين الى ان تقرري تقسيم جدول اسبوعك.
ضحكت رغما عنها على لطافة والدتها لتسحب يدها وتقبلها هامسة:
- انتِ جنتي في الحياة امي.. لذا سأهرب من الجميع دوما اليك.. حتى من غيث حبيبي.
ابتسمت عدن لعينان طفلتها قبل ان تأمرها بنعومة:
- تعالي لأضع لك الطرحة.. انهم في الطريق.. ووالدك يرغب ان يراك مغطية بالطرحة البيضاء وكذلك شقيقك آسر.
اومأت بإبتسامة قبل ان تتجه الى المرآة تتبعها والدتها التي بدأت بوضع الطرحة البيضاء على شعرها..
تطلعت الى انعكاسها في المرآة.. فستانها الرقيق بزركشته الفضية على صدرها ثم امتداده الى خصرها بتجعدات خفيفات ويليله توسعه بشكل دائرة منفوشة ناعمة كالحرير..
ومساحيق التجميل الناعمة التي تزيدها جمالا..
لم تكن اجمل فتاة كما تقول والدتها ولكنها جذابة للغاية.. بل اذا صحّ التعبير مغرية.. بحركاتها ونظراتها ومنحنيات جسدها التي تأسر العيون.. وشعرها الذي يصل الى منتصف ظهرها..
ربما اجمل ما في وجهها هو رسمة عيناها الغريبة التي تجعلها تبدو كفتاة صينية بإستدارتهما الملفتة.. هي الوحيدة التي تمتاز بعيون غريبة في العائلة.. وهذا يجعلها مميزة واستثنائية..
قامتها ممشوقة وصدرها دوما مرفوع.. حتى جلستها مميزة منذ الصغر.. منذ ان وقعت بحب الشخص الذي ستتزوجه اليوم.. ابن خالها الحنون.. الوسيم لأبعد حد.. رباه كم تعشقه!!
محبوبها المتفهم.. احبّ الشباب للقلوب..
توسعت ابتسامتها الدامثة واذنيها تسترق السمع الى زمامير السيارات المقبلة من بعيد.. ها قد اقبلت عائلة زوجها ليأخذوها اليه..
كانت غائبة بأصوات تلك الزمامير التي تعزف على فؤادها ابهى التخيلات والأفكار الى ان احست بلمسة خشنة دافئة على وجنتها لترفع ماستيها الى والدها وتقابلها ابتسامته الرهيفة..
اوغلت نفسها في حضنه ليمرر يده الكبيرة على ظهرها الأبيض ويغمغم:
- مبارك لك يا حبيبة والدك.. ارجو الله ان يرزقك حياة زوجية مليئة بالخير.
- تسلم ابي.
ردت مبتسمة قبل ان تتساءل بحنق:
- اين حور؟!
- مع اخاكِ آسر.. لا ترغب في تركه.. وكأنه هو من سيتزوج لا انتِ!
تمتم ضاحكا لتبتسم رغما عنها وهي تفكر بحب اخيها الذي دام لسنوات.. مع استمرارية رفض رين له.. وكأنها هي وآسر خُلقا ليبتليا بحب اولاد خالها فقط!! منذ الصغر.. منذ ان ادركا معنى العشق..
تشعر بالضيق من نفسها.. وعلى اخيها.. على الحب الذي يعاني منه.. رين صديقتها وكأختها تماما ولكن.. آسر يبقى لها اقرب..
رفضها المتكرر له والمشاكل التي تقام يقوّضا ويهدما فرحتها بزواجها بمن تحب..
تنهدت دون صوت قبل ان تسحبها يد والدها برفق الى الأسفل.. الى حيث الأقرباء والمعازيم الذين حضروا ليشاهدوا طلعتها..
رقدت على مقعد مزين لها خصيصا لتجتاحها المباركات والإطراءات على حسن جمالها..
احمرت وجنتيها وتوترت رغما عنها حينما استمعت الى الطبول التي تُدق بهجة وسعادة بهذا الزواج.. شعور غريب جميل يتسبح في دمائها.. الزواج من الشخص الذي تعشقه وتتمناه.. والفرحة التي تبجسها العيون محبةً لها ولغيث وكأنها اميرة تنتظر فارسها.. فارسها الجسور المتيمة بهواه..
لا تعرف كيف مر الوقت بهذه السرعة لتجد نفسها واقفة قبالة باب منزل خالها والنساء تحيطها من كلا الجوانب..
ابتسمت بخجل لترنيم التي ناولتها ازهار الحناء لتلصقهم على باب المدخل ثم ولجت الى داخل المنزل هي والأقرباء فقط..
- غيث سيدخل الان ليكشف عن عروسه.. اخرجوا.
هتفت ليان بإبتسامة لينصاعوا ويتركوها بمفردها لتقابل رجلها..
احست بخطواته تدنو منها اكثر واكثر ليبدأ فؤادها بعزف ترانيمهِ العذبة.. خوف.. توتر.. توق.. شوق.. كل ذلك يجول بثناياها كطوفان الأكسجين في عروقها..
- اخاف ان ارفع عنك الطرحة ويتبخر صبري من توقي اليك.
همس غيث بجوار اذنها لتزدرد ريقها بصعوبة دون ان ترد عليه بحرف واحد..
ابتسم على رعشة يداها كعادتها ريثما تتوتر او تخجل ثم رفع عنها الغطاء ليغمغم مبهورا بجاذبيتها المفرطة:
- ما شاء الله! قمري لوحدي.. مبارك لنا عروسي.
- تسلم غيث.
اجابت بتوتر ليقهقه قبل ان يجذبها الى صدره، مقبلا رأسها ويردف:
- اود ان ارى عيناكِ.. رسمتهما التي اعشق.. ارفعيهما لي.
رفرفت برموشها كفراشة خجولة ابهرته برونقها.. ثم رفعت حدقتيها اليه ليتوسمهما بحب وشوق قبل ان يروي ظمآه من سلسبيل شفتيها المستطابة..
انتظر طويلا.. نايته العذبة.. الرقيقة الرهيفة..
ايقونتها أهيفة دافئة كعذوبة اسمها.. يا الله كم يحبها.. ابنة عمته الجذابة التي القت عليه تعويذة الغرام بروحها المرحة وقلبها الطيب..
ابتعد قليلا ليهمس بنعومة دغدغت فؤادها جذلا:
- احبك يا نايتي.. احبك يا حلالي.. احبك بعدد السنوات التي انتظرناها سويا.
- اخبرتكَ رين.. كنت اعرف.. سأنتقم منها.
تمتمت بحنق والخيوط الوردية تستشري في سائر وجهها لتزداد فتنتها وجاذبيتها اكثر واكثر..
لم يستطع ان يزيل ابتسامته الخبيثة عن شفتيه وهو يهتف ليضاعف من حدة خجلها:
- لماذا؟ الان او لاحقا سأعرف بحبك لي منذ ان تأججت مشاعرك.. وغير ذلك انا كنت اشعر.. عيناك تكشف الكثير نايتي.. والان قوليها لأطمئن قلبي العاشق.
- لاحقا.. بعد ان ينتهي الزفاف غيث.
اجابت بخجل يعشقه ليومئ موافقا:
- كما تود نايتي.. سأنتظر.
**************
واصلت مقلتيه مراقبة تحركاتها الخفيفة كطير يرفرف بجناحيه بنعومة.. يا الله كم يعشقها.. تلك التي ارهقت لبه ورجولته رفضا.. ابنة خاله التي يهواها منذ نعومة اظافيرها.. لا تعلم انها كلما ترفضه كلما يتمسك بها اكثر.. اقسم انها لن تكون لغيره.. ولن تكون.. هي له رغما عن رأسها العنيد..
تقدم نحوها بخطوات صقر متربصة ثم غمغم بصوت اجش:
- رين..
انتفضت من خشونة صوته الرجولي لتلتفت اليه وترد:
- اهلا آسر.. كيف حالك؟!
- ما الذي تفعليه هنا في الاسفل؟
هتف متجاهلا سؤالها لتكتم غيظها منه وتجيب:
- انتظر حياة ابنة عمي جواد.. لماذا تسأل؟!
اومأ موافقا قبل ان يستمعا الى صوت ليث الذي اقترب منهما:
- رين لماذا انت في الأسفل؟ اصعدي الى المنزل حالا.
ادركت ان اخيها غاضبا لأنها واقفة مع ابن عمتها وخاصة لأن الجميع يعرف ان آسر يحبها ويود الزواج منها.. بالتأكيد الان سيتجادلان كما يفعلان دوما..
تقصت ذهبتيها عن اخيها غيث او والدها الا انها لم تجد احدا فهمست بتوتر:
- انا انتظر حياة.
- عندما تأتي ستصعد اليك.. لا تنتظريها حيث يجلس الرجال.
دمدم بحدة لتتنهد بضيق قبل ان تنفذ امره وتصعد ليتبقيا هما الإثنين لوحدهما..
- ما الذي تريده آسر؟! اخبرتك مرارا ان تبتعد عن رين.. ولكن يبدو انك مُصرا للغاية على افتعال المشاكل حتى اليوم.
هدر ليث بعصبية ليرد عليه الاخر بنفس الاسلوب:
- انتبه الى اسلوبك جيدا ليث فأنا لست كبقية الرجال الجبناء الذين يخشونك.. انت تعرف ذلك جيدا.
- اظن انني ام اقل عليك جبان.. اسمعني يا ابن عمتي.. رين خط احمر.. اياك ان تدنو منها والا اقسم بالله سأنسى صلة القرابة التي تجمعنا.
هتف بتهديد ليتهكم آسر بفظاظة:
- ارجوك لا تفعل!!
ثم سرعان ما استطرد بشراسة:
- اسمعني ليث.. تهديداتك لا تهمني ابدا.. انا لن اؤذي الفتاة التي عشقتها منذ ان ولدَت.. وكما هي شرفك فهي شرفي.. ففكر جيدا قبل التحدث بتلك الطريقة.
- ما رأيك ان نتحدث جيدا حيال هذا الموضوع بعد ان يتم الزفاف على خير يا ابن العمة؟
اردف ليث بهدوء يحمل في طياته الكثير ليبتسم بسخرية ويوافقه:
- احبّ على قلبي ليث.
- جيد جدا.
دمدم بها ليث قبل ان يربت على كتفه بخشونة ويتركه يرتوي تهديده المبطن بإنشراح..
ليث صديقه ولكن عندما يتعلق الامر بأخته فهو ينقلب لعدوه.. وكم يهوى المحاربة ريثما تكون حبيبة روحه هي الدافع!!
لمحها تتطلع اليهما من الأعلى ليبتسم بإزدرداء ثم سار الى حيث يجلس الرجال قبل ان يذهبوا الى القاعة للإحتفال بزفاف شقيقته وابن خاله الاخر..
***************
استهلّت الالات الموسيقة بعزف اوتارها بسلاسة تطرب الأذنين من عذوبة رونقها.. وتكردس الأقارب اتيانا واقبالا في القاعة الفاخرة المعدة لزفاف الزوجين..
ترقب بين الحين والحين مجيئها الا انها لم تأتي بعد.. زفر بغيظ شديد وسرعان ما تأججت مقلتيه ببريق متوحش كغطريف بربري..
الم يحذرها؟! الم يحذرها صباح اليوم حول ثيابها؟! ومع ذلك لم تلقي اي اهمية لكلامه.. استفحلت الغيرة الشرسة في دمائه واكفهر وجهه بصورة ارعبت اخته الواقفة بجواره والتي منعها من الإنتزاح عنه..
ترصدت رماديتيه طريقة سيرها التي تبدو بحد ذاتها فتنة.. يرغب ان يشوّه ملامح وجهها الآسرة لتعرف كيف تكون ردة فعله على من يعصي كلامه.. سيعاقبها.. ولله سيعاقبها بطريقته.. فليس ليث الجايد من تُعقف كلمته..
اهي مجنونة ام ماذا لتتأزر فستانا ابيضا قصيرا يصل الى ركبتيها؟! الا تعرف انها تسلب العقل دون ان تظهر اي من مفاتنها والتي يجب ان تكون فقط له وحده؟! الا تعرف ان هناك نار متأججة في اوصاله تجعله يغلي كاللهب والأور؟!
تابع منبع نيرانه ملاحقة تحركاتها التي تفاقم من احتدامه وسخطه.. مباركتها لتوأمه وزوجته.. سلامها على صديقاتها المتواجدات.. وبعدها.. ما لم يستطع تحمله البتة.. سلامها على عمال الشركة من الرجال باليد!!
شتم بثوران لتنتفض تلك المتبرمة الواقفة بجواره.. ربما عليه كسر يدها حتى لا تكررها.. وقتل كل من لمسها..
قبض على يده محاولا ان يهدئ من احتدامه كي لا يحول زفاف اخيه الى معركة دموية..
- ليث ما خطبك؟ تبدو غاضبا!
تساءلت رين بإضطراب ليرمقها بنظراته الحادة قبل ان يتأكد من ثيابها المحتشمة والا كانت هي ايضا ستنال قسطا من نوبات جنونه الهمجية..
وعندما لم يرد على سؤالها صمتت لدقائق طويلة ثم غمغمت:
- اريد ان اجلس بجانب امي وابي.. تعبت وانا واقفة.
- استغفر الله العظيم.. الا تريهما مشغولان بالسلام على الضيوف؟ فقط اصمتي لبعض اللحظات.
دمدم بعصبية لتزم شفتيها بحنق وتردف:
- انا اشعر بالملل.. على الاقل دعني اجلس مع صديقاتي.. وكذلك ارغب في الرقص.
- كرري ما قلتيه!
زمجر بشراسة لتبتلع ريقها بخوف من عيناه الرمادية التي ادلهمت بسواد مخيف.. وهمست بتوتر:
- انا.. انا اقصد.. ارقص معك.. كما ارقص دوما مع غيث.
- انا لا ارقص رين.. هذا ما ينقصني الان!!
تمتم بنفاذ الصبر قبل ان تتنبه حدقتيه الى تلك التي تسير نحوه.. الان فقط يتمنى لو انهما لوحدهما في مكان منعزل ليلقنها درسا لا ينسى على ثيابها الفاضحة..
غصب نفسه على رسم الإبتسامة السمجة على شفتيه وهو يرد لها التحية:
- وعليكم السلام انسة سيلا.. ما شاء الله اتيتِ وكلك حماس..
هذا واضحا جدا من ثيابك المقرفة.
فغرت رين فاهها من اسلوب اخيها الجلف بتحدثه مع تلك الفتاة الجميلة الواقفة امامها.. لا تنكر انها فائقة الجمال.. شعرها كالأغصان بنيا وناعما.. عيناها خضراء غريبة.. مزيج بين الخضار والصفار.. بشرتها بيضاء صافية.. وفستانها الأبيض القصير يبرز جمال ساقيها الطويلة..
"ما شاء الله!"
همست بداخلها وهي توزع انظارها بين تلك الفتاء الحسناء وبين اخيها الذي يبدو في قمة غضبه..
احست بالشفقة تجاه سيلا، التي تكورت الدموع في مقلتيها بسبب كلام ليث الساخر.. وما ان استدارت لتطالعه باغتها بمحاوطة ذراعه الخشنة لظهرها ليقربها اليه هاتفا، رافعا حاجبه الثخين:
- اختي رين.. اخبرتك عنها.. اتذكرين؟!
دون ارادة منها تأملت حدقتيها فستان شقيقته الطويل.. وحجابها الرقيق الساتر شعرها.. وعرفت الى ما يشير وادركت انهما لن يكونا ابدا لبعضهما.. عرفت جيدا عقليته ولكن ماضيها.. لن يسمح لها ان تكون معه.. ولا حتى حاضرها.. ليث لا يشبهها بشيءٍ.. صعب ان يجتمعا.. صعبا جدا.. اساسا اذا عرف ماضيها ما كان سيقف معها الان.. ابدا..
لا تدري لما احست بنغزات مؤلمة في صدرها.. وآهات حارة في حلقها.. لما تحس ان قلبها ينزف بمرارة؟! لما فقط رؤيتها لأخته تشعرها بمسننات مفجعة تضرب روحها بلا هوادة؟!
جاهدت لتبثق نفسها من القوقعة التي ترثي فيها نفسها.. ثم همست بثبات، مصطنعة الابتسامة للفتاة المليحة القائمة امامها:
- كيف حالك رين؟ انا سيلا.
- الحمدالله وانت؟
اجابت رين بإبتسامة ناعمة زادتها جمالا على جمالها الشرقي الجذاب لتردف سيلا بود:
- الحمدالله.. تبدين طيبة عكس اخاكِ.
قهقهت رين بغبطة، مؤيدة سيلا بكلامها ومتجاهلة الليث الذي يضمها:
- ولله اعرف.. بالخطأ اصبحت اخته.. ابتلاء من الله.
- ابتلاء من الله اخبرتيني؟!
همس ليث بوعيد لتبتلع ريقها وتغمغم بتحشرج اضحك سيلا:
- انت هبة من عند الله.. انا اقصد غيث.. لا زلت لا افرق بينكما.
- تبدوان ظريفان.
اردفت سيلا بحب لتتمتم بصوت منخفض:
- ليث وظريف!! لا بد انها لا تعرف كيف هي الحياة معه.
"رين"
التفتت الى ابنة عمها وابتسمت قائلة:
- حياة تعالي لأعرفك على سيلا.
اقتربت حياة التي تبدو تقريبا بعمر رين من سيلا وليث وسلّمت عليها ببرود.. وكذلك فعلت مع ليث.. اكتفت بالسلام من بعد.. ثم غمغمت لرين:
- رين تعالي معي.. اود ان اخبرك شيئا.
اومأت رين سريعا ثم اختفتا الفتاتين من امامها هي وليث لتتوتر من انفرادهما وتهمس:
- انا سأقف مع صديقاتي.
- لحظة.
اوقفها بأمر صارم منه لتطالعه بإرتباك.. فإقترب منها اكثر وتوقف قبالتها، رادفا بجمود:
- لدي ما اعطيه لك.. انتظريني بجانب موقف السيارات.
- لن افعل.
دمدمت بعناد ليبتسم كشيطان لئيم ويهتف:
- متأكدة؟! ليس لدي اي مشكلة بجرك من يدك امام الجميع.. وانت تعرفين جيدا انني افعلها.
تقفقف فؤادها ذعرا من تهديده.. هي تعرف انه سيفعلها.. وسيثير الفضائح والاقاويل عنهما الإثنين.. يا الله!! لا تدري كيف تتهرب منه.. رماديتيه التي تضخ احمرارا يفشيان لها انه غاضبا حانقا.. ولكن مما لا تدري.. ولا تود ان تدري.. ولم يكن بوسعها فعل اي شيء سوى الرضوخ والاذعان لكل ما يقوله..
فسبقته الى موقف السيارات وهي تحس به يتبعها من بعد..
وما ان وصلت الى موقف السيارات التابع للقاعة شعرت بقبضته العنيفة تسحبها الى زاوية جانبية لا تُرى..
شهقت بإجفال ريثما دفعها على الحائط الأبيض ثم سرعان ما هدرت بحدة:
- كيف تتجرأ؟
- اخرسي.. حسك لا اود سماعه.. ما هذا الذي ترتديه؟! الم اخبرك ان تتستري؟! ولكن يبدو انك تحبي ان تعرضي جسدك للعيون.. هل هذه هي وظيفتك؟!
زأر بثوران ذئب فتاك قيل ان يحس بصفعة قوية على وجهه لتحتد البراكين المشتعلة في ثناياه ويقبض كالمفترس على ذراعيها هاتفا بعصبية:
- هل جننتِ؟! انا تضربني فتاة!! لم يتجرأ الرجال على فعلها وانتِ..
- كفى.. لا اسمح لك ان تهينيني.. انا لم اطلب منك ان تعجب بي.. ولا ان تهتم بي.. ولا حتى ان تطلب الزواج مني.. لن اسمح لك بالتقليل من شأني.. لا تلقي علي اللوم بسبب ثيابي.. انت لا تعرف عني شيئا لذا لا تتجاوز حدودك سيد ليث.
صاحت بصوت حاد، موشكا على الإنهيار.. ماذا يعرف عنها ليستحقرها ويلقي على مسامعها ما تكره سماعه؟! من هو؟! ولله يكفيها ما تعانيه في منزلها.. يكفيها ابن عمها المختال ليفاقم هو من حدة الامها واوجاعها.. ترغب بالبكاء على وسادة الخذلان والطعنات.. ترغب بأن تثلب نفسها على ناصية طريق الأموات لتختفي.. وترغب بالهروب منه لترتاح..
لم يحس ولو لثانية واحدة بالندم لما قاله.. هي تستحق وتستحق اكثر بكثير.. لا تعرف كيف تبدو بفستانها الذي يكشف اكثر مما يستر.. صعب عليه قبول انه صُفِع.. وخاصة منها!! من غجريته الرقيقة.. صعب جدا..
لم يبالي بأنينها الموجوع وهو يضاعف من حدة قبضتيه على ذراعيها.. يود ضربها.. وتكسير ساقيها ويديها على افعالها وتصرفاتها.. جاهلة هي لتعرف ان العيون تشتهي جسدها.. جاهلة هي لتعرف ان على الرغم من انها ليست الوحيدة التي ترتدي مثل هذه الفساتين الا انها هي البارزة اكثر.. وانها هي الاكثر اغراءا وجمالا.. وجاهلة هي لتدرك ان ما ترتديه حرام..
قرّب وجهه اكثر الى وجهها لتواجه فضيتيه خضرواتيها اللامعة ببريق يخطف الأفئدة ويستلب الحواس ويبعثر التزهد.. ثم همس بصوت خطير يُذعر من هو اقوى منها بكثير:
- لا تدعي جحيمك معي يبدأ سيلا.. لا تدعيني استعمل القسوة والتجبر.. صدقيني ستندمين كثيرا.
- انا لا اخاف منك.. والان دعني اود العودة الى منزلي.
اجابت بجمود وعبراتها تخذلها بإنسكابها على وجنتيها ليهزها بعنف صارخا بصوت اجفلها:
- لم انتهي بعد.. فلا تتزحزحي خطوة واحدة من مكانك.. حسنا؟!
- انا اكرهك!
لا تعرف كيف ابجست هذه الجملة من ثغرها.. لم تكن تقصدها بكل تأكيد.. ولكنها مضغوطة للغاية.. وموجوعة من الكثير وخاصة منه..
وسرعان ما اطلقت آهة متألمة حالما شدت انامله شعرها للأسفل بعنف وهو يهتف بخشونة:
- اسحبي كلامك واعتذري.. والا ولله لأجعلك تندمين حالا!
--------------------
يتبع..
بعتذر على التأخير حبايبي.. بتمنى يعجبكوا البارت..
وطبعا تنسوش دعواتكم بليلة القدر😍
المهم اراءكم حول الاحداث..
قراءة ممتعة..
مع حبي:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━