أطلقت صوفيا زفرة قصيرة وهي تنهض من مقعدها.
اختفت آثار النعاس من وجهها تقريبًا خلال ثوانٍ.
وبحركة معتادة بدأت تجمع بعض الأوراق المبعثرة فوق المكتب قبل أن تدرك أن لا فائدة من ذلك أصلًا.
فتركتها مكانها.
بينما كان أحد الضابطين يشرح تفاصيل القضية للمرة الثانية.
"الرجل يدعى أوتو كراوس."
قال الضابط الأكبر سنًا.
"صياد في الخامسة والأربعين من عمره."
"يعيش وحيدًا في كوخ قرب الضفة الغربية."
هزت صوفيا رأسها.
"أكمل."
"عُثر عليه صباح اليوم بواسطة تاجر أخشاب مر بالمكان."
"الباب كان مغلقًا من الداخل."
"ولا توجد آثار اقتحام."
توقفت يد صوفيا للحظة وهي ترتب أزرار معطفها.
"والجثة؟"
تبادل الضابطان النظرات.
قبل أن يجيب الآخر:
"من الأفضل أن تريها بنفسك."
ارتفع حاجب صوفيا.
وهذه وحدها كانت كافية لتوضح أنها فهمت أن الوضع أسوأ مما يحاولان وصفه.
بعد دقائق كانت ترتدي معطفها الداكن وقبعتها الرسمية.
أما حقيبتها الجلدية الصغيرة فقد علقتها على كتفها كعادتها.
فتحت الباب متجهة نحو الخارج.
ثم توقفت.
والتفتت خلفها.
كان إلياس ما يزال واقفًا في المكان نفسه.
كأنه تمثال نُسي وسط الغرفة.
رمشت مرة.
ثم قالت:
"هل تنتظر دعوة أم ماذا؟"
انتبه إلياس أخيرًا.
"آه..."
أدرك متأخرًا أنه ظل واقفًا طوال الحديث.
"أعتذر."
ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتي إذن."
"أنت موظف عندي الآن."
لم تكن متأكدة إن كانت هذه حقيقة أم قرارًا اتخذته قبل دقائق فقط.
لكن الأمر لم يكن مهمًا بالنسبة لها.
نزل الأربعة الدرج الخشبي.
وفي الخارج كانت عربة الشرطة تنتظر وسط المطر الخفيف.
صعد الضابطان أولًا.
تبعتهما صوفيا.
ثم جلس إلياس مقابلها.
وسرعان ما بدأت العربة بالتحرك فوق الشوارع المرصوفة بالحجارة.
لم يتحدث أحد خلال الدقائق الأولى.
لم يكن يُسمع سوى صوت العجلات وهي ترتطم بالحجارة وصوت المطر الخافت فوق السقف الخشبي.
كسرت صوفيا الصمت أخيرًا.
"إذن يا إلياس."
رفع نظره إليها.
"نعم؟"
أسندت رأسها إلى النافذة.
"أخبرني عن نفسك."
"هل أنت من هامبورغ؟"
هز رأسه.
"لا."
"من أين إذن؟"
تردد قليلًا.
"في الأصل من إحدى ضواحي برلين."
لاحظت صوفيا ذلك التردد القصير.
لكنه اختفى بسرعة.
تابع:
"لكن المنطقة أصبحت غير مستقرة خلال السنوات الأخيرة."
"لذلك غادرت."
"ومنذ ذلك الحين تنقلت بين عدة مدن."
"هانوفر."
"لوبك."
"ثم بعض القرى الصغيرة."
نظر من النافذة.
"وأخيرًا هامبورغ."
راقبته صوفيا لثوانٍ.
"ترحال طويل."
ابتسم بخفة.
"يمكنك قول ذلك."
"ولماذا كل هذا؟"
سألته بنبرة أكثر هدوءًا هذه المرة.
صمت إلياس لحظة.
ثم أجاب:
"أبحث عن عمل."
"هذا واضح."
"عمل جيد."
أكمل بهدوء.
"عمل يسمح لي بإعالة أختي."
اختفت الابتسامة من وجهه قليلًا.
"إنها مريضة."
ساد الصمت.
لم تسأله صوفيا عن المرض.
ولم تطلب تفاصيل إضافية.
اكتفت بإيماءة صغيرة.
إيماءة احترام أكثر من كونها شفقة.
ثم قالت:
"فهمت."
مرت لحظات قليلة.
قبل أن يسألها إلياس بدوره:
"وماذا عنكِ يا آنسة هوفمان؟"
ابتسمت.
"ماذا عني؟"
"كيف وصلتِ إلى هنا؟"
أشارت إلى نفسها.
"قصة مملة للغاية."
"أشك في ذلك."
ضحكت بخفة.
ثم أجابت:
"انتقلت إلى هامبورغ منذ سنتين تقريبًا."
"قبل ذلك كنت أعيش في بافاريا."
"عائلة مرموقة."
"تعليم جيد."
"حياة مريحة."
ثم رفعت كتفيها.
"وشابة جميلة بطبيعة الحال."
حدق فيها إلياس.
غير متأكد إن كانت تمزح أم لا.
أما هي فبدت جادة تمامًا.
أضافت:
"ثم قررت أن أترك كل ذلك وأطارد المجرمين بدل حضور حفلات العشاء."
"قرار غريب."
"قيل لي ذلك كثيرًا."
وقبل أن يتمكن أي منهما من متابعة الحديث...
اهتزت العربة بعنف.
ثم توقفت فجأة.
تبادل الجميع النظرات.
وجاء صوت السائق من الخارج:
"وصلنا."
اختفت الأحاديث.
واختفت الابتسامات.
لأن الضفة الغربية كانت تنتظرهم.
ومعها الجثة التي جعلت رجال الشرطة أنفسهم يترددون في النظر إليها.
كانت الرائحة أسوأ مما وصفه الضباط.
بمجرد دخولهم الكوخ شعر إلياس بأن الهواء نفسه أثقل من الطبيعي.
رائحة دم.
ورطوبة.
وشيء آخر.
شيء لم يستطع تحديده.
كأن أحدهم أحرق أعشابًا غريبة قبل ساعات.
انحنت صوفيا قرب الجثة.
بينما وقف الضباط بعيدًا يراقبون.
كانت الجثة أكثر إثارة للقلق عن قرب.
انفتح القفص الصدري إلى الخارج بصورة مستحيلة تقريبًا.
الأضلاع ملتوية بزوايا غير طبيعية.
ولا أثر لأي سلاح.
أما الوجه...
فكان يحمل تعبيرًا غريبًا.
لم يكن مجرد خوف.
بل بدا وكأن الرجل رأى شيئًا لم يستطع عقله استيعابه قبل موته.
راقبت صوفيا الجثة طويلًا.
ثم قالت دون أن ترفع رأسها:
"إلياس."
"نعم؟"
أشارت بيدها نحو أرجاء الكوخ.
"تفقد المكان."
رفع حاجبًا.
"أبحث عن ماذا؟"
ابتسمت.
"لو كنت أعرف لما طلبت منك البحث."
تنهد بخفة.
ثم بدأ يتجول.
كان الكوخ صغيرًا.
غرفة واحدة تقريبًا.
سرير.
طاولة.
مدفأة.
وخزانة خشبية.
لكن شيئًا ما لم يكن مريحًا.
بدأ يدور ببطء.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاثًا.
بينما كانت عيناه تتحركان فوق التفاصيل.
فجأة توقف.
نظر نحو النافذة.
ثم نحو المدفأة.
ثم نحو الجثة.
وعاد ينظر إلى النافذة مجددًا.
ضاقت عيناه.
اقترب من الزجاج.
ثم مرر إصبعه فوق حافته.
نظيفة.
نظيفة أكثر مما ينبغي.
التفت نحو بقية الغرفة.
كل شيء مغطى بطبقة رقيقة من الغبار.
إلا النافذة.
شعر بقشعريرة خفيفة.
واصل البحث.
هذه المرة اقترب من الطاولة.
كان فوقها كوب خزفي.
رفع الكوب.
ثم نظر داخله.
جاف.
لكنه ليس قديمًا.
وضعه مكانه.
ثم نظر إلى الكرسي المقابل للطاولة.
وتجمد.
الكوخ يملكه رجل يعيش وحده.
هذا ما قاله الضباط.
إذن...
لماذا يوجد كرسيان؟
ولماذا وُضعا متقابلين تمامًا؟
كأن شخصين كانا يتحادثان.
قبل ساعات فقط.
رفع نظره ببطء.
إلى المدفأة.
الرماد بداخلها ما زال دافئًا نسبيًا.
ركع قربها.
وبدأ يقلبه بعصا صغيرة.
ثم أخرج قطعة سوداء متفحمة.
ورقة.
أو ما تبقى منها.
لكن الغريب أن أغلبها احترق.
عدا زاوية صغيرة جدًا.
بقي عليها حرف واحد.
حرف غير مألوف.
ليس ألمانيًا.
ولا لاتينيًا.
مجرد رمز غريب.
أعادها إلى مكانها دون تعليق.
ثم أكمل جولته.
وعندها لاحظ أغرب شيء.
الساعة.
كانت ساعة جيب قديمة معلقة على الحائط.
ما زالت تعمل.
تيك.
تيك.
تيك.
نظر إليها للحظات.
ثم اتجه نحو الجثة.
وأمسك يد القتيل.
باردة.
باردة جدًا.
منذ متى وا هوا ميت ؟!
رفع رأسه نحو الساعة ثانية.
إذا كانت الساعة تعمل...
والمدفأة استُعملت مؤخرًا...
ظل صامتًا.
يفكر.
ثم نظر إلى الأرض أخيرًا.
وهنا اتسعت عيناه قليلًا.
لم تكن هناك آثار أقدام.
هذا ما قاله الضباط.
وكانوا محقين.
لكن...
لم تكن هناك آثار أقدام تخص الضحية أيضًا.
من الباب إلى منتصف الغرفة.
لا شيء.
كأن الرجل لم يمشِ أصلًا إلى المكان الذي مات فيه.
وكأن الجثة...
وُضعت هناك.
أو ظهرت هناك.
تنفس ببطء.
ثم أغلق عينيه للحظة.
هناك شيء ما.
لكنه لم يكن متأكدًا بعد.
عاد نحو صوفيا.
كانت قد انتهت من فحص الجثة.
ونهضت وهي تنفض الغبار عن فستانها.
"إذن؟"
سألها.
"هل فهمتِ شيئًا؟"
هزت رأسها.
"لا شيء."
ثم ابتسمت.
"لم أفهم شيئًا على الإطلاق."
نظر إليها بشك.
لكنها تابعت وكأن الأمر طبيعي.
"ماذا عنك؟"
فتح فمه.
وكاد يتحدث.
النافذة.
الكرسيان.
الرمز المحترق.
المدفأة.
الجثة.
كل شيء كان يدور في رأسه.
لكنه لم يملك تفسيرًا بعد.
ولا يريد أن يتسرع.
توقف.
ثم قال:
"لم أجد شيئًا يستحق الذكر."
ساد الصمت لثانية.
ثم ارتفعت زاوية فم صوفيا قليلًا.
ابتسامة صغيرة.
قصيرة.
كادت لا تُرى.
"حقًا؟"
"نعم."
حدقت فيه للحظات.
كأنها تقرأ أفكاره.
ثم استدارت نحو الباب.
وقالت بهدوء:
"حسنًا."
"خذ وقتك في التأمل."
ثم أضافت وهي تغادر الكوخ:
"أحيانًا يكون أسوأ شيء يمكن أن يفعله المحقق هو أن يقع في حب أول إجابة يجدها."
تجمد إلياس مكانه.
بينما خرجت صوفيا إلى الخارج تحت المطر.
وتُرك وحده مع الجثة.
ومع الأسئلة التي بدأت تتكاثر أكثر مما ينبغي.