3 - الفصل الثالث: الرماد الباقي

كان المطر يطرق زجاج النوافذ بخفة متكررة، أشبه بأصابع صبورة لا تتوقف عن التذكير بوجودها.

داخل المكتب الصغير فوق متجر الساعات، انتشرت رائحة الورق القديم والحبر… ورائحة الشاي.

الكثير من الشاي.

كانت صوفيا هوفمان جالسة خلف مكتبها، قدماها فوق الكرسي المقابل بطريقة لا تليق لا بمحققة مشهورة ولا بسيدة من عائلة مرموقة، بينما تراكمت عشرات الأوراق حولها كأن المكتب تعرض لعاصفة صغيرة.

أما إلياس مولر فكان يقف قرب الموقد الصغير في زاوية الغرفة، مركزًا كامل انتباهه على إبريق الشاي وكأنه يجري عملية جراحية دقيقة.

رفعت صوفيا إحدى الأوراق أمام وجهها دون أن تنظر إليه.

"أنت تتعامل مع الشاي بجدية مخيفة."

أجاب إلياس بهدوء:

"لأنكِ على وشك شربه."

ابتسمت بخفة.

"إذن أنت تعترف أنني مخيفة."

لم يرد.

راقب البخار المتصاعد من الإبريق ثم قال:

"لو احترق الشاي ستلومينني طوال الأسبوع."

"طوال الشهر."

صححَت وهي تقلب ورقة أخرى.

تنهد إلياس.

"هذا بالضبط ما أعنيه."

ضحكت صوفيا بخفوت، ثم عادت عيناها إلى الملف أمامها.

ساد صمت قصير لم يقطعه سوى صوت المطر وصفير الإبريق الخافت.

بعد لحظات سألها إلياس وهو يسكب الشاي:

"إذن؟"

رفعت حاجبًا.

"إذن ماذا؟"

"هل توصلتِ إلى شيء؟"

أطلقت همهمة طويلة بينما تسحب إحدى الصفحات نحوها.

"هذه القضية… متناقضة."

اقترب ووضع كوب الشاي أمامها.

تناولته دون حتى أن تنظر إليه.

ثم قالت:

"أوتو كراوس. رجل في منتصف الستين من عمره. حطّاب. أرمل."

توقفت قليلًا وهي تقرأ إحدى الملاحظات.

"حسب أقاربه وجيرانه، أصبح أكثر انعزالًا بعد وفاة زوجته."

"توقف تقريبًا عن العمل."

أخذت رشفة صغيرة من الشاي.

ثم أضافت:

"وبدأ ينعزل داخل ذلك الكوخ أكثر فأكثر."

جلس إلياس أخيرًا على الكرسي المقابل.

"إذا كان لا يعمل… فكيف كان يعيش؟"

أجابته دون تردد:

"أبناؤه."

رفعت الملف قليلًا.

"اثنان منهم تجار ناجحون نسبيًا. كانوا يرسلون له المال بانتظام."

وضعت الأوراق على الطاولة.

"بمعنى آخر… لم يكن فقيرًا."

ظل إلياس صامتًا لثوانٍ.

عيناه الخضراوان تتحركان بين الأوراق ببطء.

ثم قال:

"إذن لماذا كان يعيش في كوخ متهالك على ضفة معزولة؟"

ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة، وكأنها كانت تنتظر السؤال.

"أولاده حاولوا إقناعه بالانتقال."

"لكنه رفض."

"لماذا؟"

هزت كتفيها بخفة.

"ربما الحنين."

ثم أضافت بنبرة أهدأ قليلًا:

"أو ربما لأن ذلك المكان كان آخر شيء تبقى له من زوجته."

ساد الصمت مجددًا.

هذه المرة كان أثقل قليلًا.

إلياس نظر إلى بخار الشاي المتصاعد من كوبه قبل أن يتحدث.

"وهل تفيدنا كل هذه المعلومات في معرفة سبب موته؟"

رفعت صوفيا نظرها إليه أخيرًا.

ثم أسندت خدها إلى يدها وقالت:

"ما رأيك أنت؟"

رمش إلياس.

"أنا؟"

"نعم، أنت."

ابتسمت وهي تراقب ارتباكه الخفيف.

"أنت مساعدي الآن، أليس كذلك؟"

استغرب قليلًا من الثقة التي تتحدث بها.

لم يمضِ على تعيينه يوم كامل حتى.

ومع ذلك كانت تتعامل معه وكأنه جزء من عملها منذ أشهر.

أخذ نفسًا خفيفًا.

ثم قال:

"المسألة أمام احتمالين."

تشابكت أصابع صوفيا تحت ذقنها وهي تستمع.

"إما أنها جريمة قتل…"

توقف لحظة.

"أو أن أوتو كراوس أنهى حياته بنفسه."

لم تقاطعه.

وهذا وحده دفعه لإكمال حديثه.

"لو افترضنا أنها جريمة قتل… فهناك مشكلة."

مال قليلًا إلى الأمام.

"لم نعثر على سلاح."

"ولا آثار أقدام."

"ولا أي علامة اقتحام."

أشار بيده وكأنه يعيد رسم الكوخ في الهواء.

"الباب كان مغلقًا من الداخل."

"والنوافذ مغلقة أيضًا."

"وحسب تفقدي للمكان مع الشرطة… لا يوجد أي مخرج آخر."

توقفت صوفيا عن شرب الشاي.

بينما أكمل إلياس:

"وهذا يتركنا أمام احتمال واحد فقط."

"إما أن القاتل بارع بشكل غير طبيعي في إخفاء آثاره…"

قطب حاجبيه قليلًا.

"أو أن الشرطة أغفلت شيئًا مستحيلًا."

رفعت صوفيا كوبها مجددًا.

"وإذا كان هو من أنهى حياته؟"

نظر إليها إلياس مباشرة.

"تلك أكثر فرضية منطقية."

توقفت يد صوفيا للحظة قصيرة.

ثم سألته:

"لكن؟"

أخفض نظره قليلًا، كأنه يعيد رؤية الجثة أمامه.

وعندما تحدث هذه المرة كان صوته أبطأ.

"طريقة موته."

ساد الصمت داخل الغرفة.

حتى المطر بدا أهدأ فجأة.

قال إلياس:

"لا أستطيع تخيل إنسان يختار تلك الطريقة لينهي حياته."

تصلبت ملامحه قليلًا وهو يتذكر المشهد.

القفص الصدري المفتوح.

العظام المندفعة إلى الخارج.

الدم المتناثر على الجدران الخشبية.

أخذ نفسًا بطيئًا.

ثم أكمل:

"ما الذي يمكنه قتل إنسان بذلك الشكل؟"

لم تجب صوفيا فورًا.

فقط راقبته بصمت.

بينما تابع هو:

"كل تقارير الشرطة تؤكد الشيء نفسه."

رفع عينيه نحوها أخيرًا.

"صدره… انفجر من الداخل."

وللمرة الأولى منذ بداية الحديث…

اختفت تلك الابتسامة الكسولة الصغيرة من وجه صوفيا هوفمان.

اختفت الابتسامة الصغيرة من وجه صوفيا ببطء.

ليس فجأة.

بل كما تنطفئ شمعة في غرفة مظلمة… بهدوء يترك أثرًا غير مريح.

ثم رفعت عينيها نحو إلياس.

نظرة طويلة.

ثابتة أكثر مما ينبغي.

حتى إن إلياس بدأ يشعر أن الصمت نفسه يضغط عليه.

تململ قليلًا في جلسته قبل أن يقول:

"ماذا؟"

لكن صوفيا لم تجب مباشرة.

وضعت كوب الشاي جانبًا.

ثم أسندت ظهرها إلى الكرسي وهي ما تزال تنظر إليه بنفس الطريقة.

"أنت تخفي عني شيئًا، صحيح؟"

تجمد إلياس للحظة قصيرة.

ليس لأنه فوجئ بالسؤال…

بل لأنه لم يتوقع أنها ستلاحظه بهذه السرعة.

حك مؤخرة رأسه بتوتر خفيف.

ثم تنهد.

"كنت أريد التأكد أولًا."

أدخل يده داخل معطفه.

وأخرج قطعة ورق محترقة جزئيًا.

تقدم نحو المكتب ووضعها أمامها بحذر.

"وجدت هذه داخل المدخنة."

تحركت عينا صوفيا نحو الورقة فورًا.

أما إلياس فأكمل:

"احتفظت بها لأنني ظننت أننا قد نحتاجها لاحقًا."

ثم أضاف بعد تردد قصير:

"أعتذر لأنني أخفيت الأمر."

لكن صوفيا لم تبدِ أي اهتمام باعتذاره أصلًا.

كانت تنظر إلى الورقة فقط.

إلى ذلك الجزء المتبقي من الرمز الأسود المشوه.

دائرة ناقصة.

وخطوط غريبة تتداخل داخلها بشكل غير مريح للعين.

مدت يدها ببطء.

التقطت الورقة.

ثم بدأت تتأملها بصمت عميق.

صمت طويل بما يكفي ليشعر إلياس بأن الغرفة أصبحت أضيق.

كانت عيناها تتحركان فوق الرمز بدقة شديدة.

ليس كمن يرى شيئًا جديدًا…

بل كمن يحاول تذكر شيء قديم.

شيء لا يريد العقل استحضاره بسهولة.

لاحظ إلياس ذلك فورًا.

ولهذا سألها مباشرة:

"هل تعرفين ما يدل عليه هذا الرمز؟"

لم تجب فورًا.

ظلت تحدق في الورقة لثوانٍ إضافية.

ثم قالت أخيرًا:

"لست واثقة…"

رفعت نظرها نحوه ببطء.

"لكنني أتذكر أنني رأيت شيئًا مشابهًا له من قبل."

شعر إلياس بفضول حاد يتحرك داخله.

"أين؟"

هزت رأسها قليلًا.

"لا أتذكر."

لكن طريقتها في قولها لم تكن مقنعة تمامًا.

وكأنها تتذكر…

لكنها لا تريد قول ذلك بصوت مرتفع.

اقترب إلياس أكثر.

"هل لهذا علاقة بالقضية؟"

عندها فقط نهضت صوفيا من مقعدها.

حملت الورقة المحترقة بين أصابعها، ثم اتجهت نحو النافذة.

المطر بالخارج كان يزداد كثافة.

أما انعكاس الضوء فوق الزجاج فكان يجعل ملامحها تبدو أكثر غموضًا.

قالت بهدوء:

"أظن أن خيوط القضية بدأت تتضح قليلًا."

ثم استدارت نحوه فجأة.

ومدت له ورقة أخرى.

"اقرأ."

أخذها إلياس باستغراب.

"ما هذه؟"

"سجلات أوتو البنكية."

خفض نظره نحو الورقة.

وبدأ يقرأ.

ومع كل سطر…

بدأت ملامحه تتغير تدريجيًا.

تحويلات مالية.

سحوبات متكررة.

ثم…

توقف.

ثبتت عيناه على السطر الأخير.

«تم إغلاق الحساب بناءً على طلب صاحب الحساب.»

رفع رأسه ببطء.

"أوتو كراوس…"

نظر مجددًا إلى الورقة كأنه غير مصدق.

"سحب كل أمواله."

ساد الصمت.

ثم أكمل بصوت أخفض:

"وأغلق حسابه بالكامل… قبل شهرين."

لم تجبه صوفيا.

فقط بقيت واقفة قرب النافذة، تنظر إلى المطر المنهمر فوق شوارع هامبورغ الرمادية.

بينما بدأ شعور ثقيل يتسلل إلى عقل إلياس ببطء.

شعور يقول إن أوتو كراوس لم يكن يعيش أيامه الأخيرة كرجل عادي…

بل كرجل كان يستعد لشيء ما.

2026/06/25 · 1 مشاهدة · 1130 كلمة
Sr.hhhhhhhhh
نادي الروايات - 2026