4 - الفصل رابع: نقابة معلومات

وضعت صوفيا الورقة جانبًا أخيرًا.

ثم نهضت من مقعدها بهدوء.

كانت الغرفة قد أصبحت أكثر ظلمة دون أن ينتبها، بينما المطر بالخارج بدأ يخف تدريجيًا حتى تحول إلى قطرات متباعدة تنساب فوق الزجاج ببطء.

اقتربت صوفيا من المشجب الخشبي قرب الباب.

التقطت معطفها الداكن.

ثم بدأت ترتديه بحركات هادئة معتادة، كأن عقلها منشغل في مكان آخر تمامًا.

أما إلياس فظل جالسًا يراقبها.

قبل أن يسأل:

"إلى أين؟"

أعادت صوفيا قبعتها فوق رأسها ثم عدلتها قليلًا أمام المرآة الصغيرة المعلقة قرب الباب.

"سنذهب إلى مكان معين."

رفع إلياس حاجبًا.

"مكان معين؟"

التفتت نحوه.

"نعم."

صمت قليلًا.

ثم نهض بدوره.

في الحقيقة لم يكن يملك حق الاعتراض أصلًا.

---

هامبورغ بعد المطر

خرج الاثنان إلى شوارع المدينة.

وكانت هامبورغ تبدو مختلفة تمامًا بعد المطر.

الطرقات الحجرية السوداء تعكس ضوء المصابيح الزيتية كأن الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الذهب الباهت.

المياه المتجمعة بين الأزقة كانت ترتجف كلما مرت عربة بعجلات ثقيلة.

أما الهواء…

فكان باردًا ومشبّعًا برائحة البحر والخشب الرطب والفحم المحترق.

في البعيد، كان يمكن سماع صفارات السفن القادمة من الميناء.

وصوت رجال السُكر الخارجين من الحانات.

وضحكات متقطعة تختلط بصوت المطر الأخير.

كانت المدينة حية.

لكن بطريقة مرهقة.

كأن هامبورغ لا تنام…

بل تتعفن ببطء تحت الضباب.

---

إلياس كان يسير خلف صوفيا بخطوات هادئة بينما تتنقل هي بين الأزقة بثقة غريبة.

لا تتردد.

لا تتوقف.

وكأنها تحفظ المدينة حجرًا حجرًا.

بعد دقائق طويلة من المشي قال:

"يبدو أنكِ تعرفين هامبورغ جيدًا."

أجابت دون أن تلتفت:

"هذا طبيعي."

انعطفت نحو زقاق أضيق.

"أنا هنا منذ عامين."

راقبها إلياس بصمت للحظة.

ثم سأل:

"ما نوع المكان الذي نذهب إليه بالضبط؟"

ابتسمت صوفيا بخفة.

ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت تحت ضوء المصابيح.

"هل سمعت من قبل بنقابات المعلومات؟"

فكر إلياس قليلًا.

ثم قال:

"أعتقد أن والدي ذكرها مرة."

توقفت صوفيا لحظة قصيرة عند تقاطع ضيق.

ثم أكملت السير.

"هم أشخاص متخصصون بجمع المعلومات."

"المعلومات التي يفترض ألا يعرفها أحد."

وضعت يديها داخل معطفها بينما تتابع:

"يمكنك أيضًا استئجارهم ليجمعوا لك معلومات حتى لو لم تكن موجودة لديهم أصلًا."

نظر إليها إلياس باستغراب.

"يجمعون معلومات غير موجودة؟"

ضحكت بخفوت.

"هذا لأن كل شيء في هذا العالم يترك أثرًا خلفه."

ثم أضافت:

"وهم بارعون في تتبع الآثار."

هز إلياس رأسه ببطء.

"آها… فهمت الآن."

---

الحانة

بعد دقائق أخرى، توقفت صوفيا أخيرًا.

رفع إلياس رأسه.

أمامهما كانت حانة قديمة مضاءة بمصابيح صفراء باهتة.

لافتتها الخشبية تتأرجح مع الريح.

وصوت الضحكات الصاخبة يتسرب من الداخل.

قطب حاجبيه.

"وصلنا؟"

أجابت صوفيا ببساطة:

"وصلنا."

نظر مجددًا إلى الحانة.

"لكن… هذه مجرد حانة."

لم ترد.

دفعت الباب ودخلت مباشرة.

تنهد إلياس قبل أن يتبعها.

---

الداخل

الهواء داخل الحانة كان خانقًا.

رائحة الكحول والدخان والعرق امتزجت معًا حتى بدا التنفس نفسه عملًا متعبًا.

رجال بحر.

تجار.

عمال ميناء.

وأصوات مرتفعة تختلط بضحكات سكارى.

لكن صوفيا لم تهتم بأحد.

تقدمت مباشرة نحو البار الخشبي الطويل.

خلفه وقف رجل عجوز ينظف أحد الأكواب بقطعة قماش قديمة.

رفع نظره نحوهما فور اقترابهما.

ثم ابتسم بأدب مهني بارد.

"مساء الخير."

انحنى قليلًا.

"ماذا تحبان أن تشربا؟"

فتح إلياس فمه فورًا.

"في الحقيقة نحن لم نأتِ من أجل—"

لكن صوفيا قاطعته مباشرة.

وبدون أي تغير في نبرتها قالت:

"كاكاو… وقردة تحك مؤخرتها."

ساد الصمت.

تجمد إلياس مكانه.

رمش مرة.

ثم مرتين.

بقي محدقًا بها غير متأكد إن كان قد سمع جيدًا.

أما الرجل العجوز…

فتوقف عن تنظيف الكأس.

اختفت الابتسامة الصغيرة من وجهه للحظة قصيرة جدًا.

ثم وضع الكأس جانبًا ببطء.

ونظر إلى صوفيا طويلًا.

قبل أن يقول أخيرًا:

"اتبعاني."

خرج من خلف البار.

ثم سار نحو نهاية الحانة حيث يوجد ممر ضيق مظلم.

ضغط على قطعة خشبية مخفية داخل الجدار.

فصدر صوت طقطقة خافت.

وببطء…

بدأ باب سري غير ظاهر بالانفتاح داخل الحائط.

هبط الثلاثة عبر الدرج الحجري الطويل بينما أخذت أصوات الحانة فوقهم تضعف تدريجيًا.

خطوة بعد أخرى…

حتى اختفى ضجيج السكارى تمامًا.

وحل محله شيء آخر.

شيء أكثر هدوءًا.

وأخطر.

كان الهواء في الأسفل أبرد بشكل واضح، ورائحة الرطوبة مختلطة بدخان السجائر والحبر القديم تملأ المكان.

وصلوا أخيرًا إلى ممر واسع مضاء بمصابيح زيتية معلقة على الجدران الحجرية.

رفع إلياس رأسه ببطء.

وعيناه اتسعتا دون أن يشعر.

المكان تحت الحانة… لم يكن مجرد غرفة سرية.

بل عالم كامل.

رجال يرتدون معاطف داكنة يتحركون بين الممرات بسرعة.

أشخاص يتبادلون أوراقًا مختومة.

أبواب نصف مفتوحة تظهر خلفها غرف مليئة بالخرائط والملفات.

حتى الهمسات هنا كانت تبدو منظمة.

كأن المكان لا يعمل بالقوانين نفسها التي تعمل بها المدينة فوقه.

في إحدى الزوايا جلس رجل أصلع يكتب شيئًا على آلة طباعة غريبة بينما تراقبه امرأة بعين واحدة.

وفي الجهة الأخرى كان شاب نحيل يسلم ظرفًا صغيرًا لرجل مقنع الوجه بالكامل.

أما الجدران…

فكانت مليئة بأسماء، رموز، خرائط بحرية، وصحف معلقة بدبابيس حديدية.

كل شيء هنا يصرخ بفكرة واحدة:

«الأسرار تُباع وتشترى.»

أبطأ إلياس خطواته قليلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

"ما هذا المكان بحق الجحيم…؟"

ابتسمت صوفيا بخفة وهي تتابع سيرها.

"نقابة المعلومات."

ثم أضافت بلا اكتراث:

"واحدة من أفضل النقابات في شمال ألمانيا."

ظل إلياس ينظر حوله بعدم تصديق.

"تزورين هذا المكان كثيرًا؟"

"من حين لآخر."

ثم التفتت إليه نصف التفاتة.

وابتسمت ابتسامة صغيرة ماكرة.

"حسنًا… أنا زبونة دائمة نوعًا ما."

قبل أن يرد…

مرّت فتاة شابة بجانبهما بخطوات سريعة.

كان شعرها الأحمر القصير فوضويًا قليلًا، وعيناها الحادتان تحملان نظرة شخص يعرف أكثر مما يجب.

توقفت فور رؤيتها لصوفيا.

"أووو… سوزن."

قالتها صوفيا بخفة.

"أهلًا."

ابتسمت الفتاة فورًا.

"صوفي!"

ثم اقتربت منها بسرعة وكأنهما صديقتان قديمتان.

لكن عينيها سرعان ما انتقلتا نحو إلياس.

تأملته لثانيتين.

ثم رفعت حاجبًا.

"أمممم…"

مالت قليلًا نحو صوفيا وهمست بصوت مسموع عمدًا:

"من هذا الوسيم؟"

تجمد إلياس للحظة قصيرة.

أما صوفيا فبدت مستمتعة بشكل واضح.

قبل أن تفتح فمها، سبقها إلياس بالكلام:

"إلياس مولر."

انحنى باحترام خفيف.

"تشرفت بمعرفتك."

ابتسمت سوزن ابتسامة واسعة.

"مهذب أيضًا."

ثم التفتت فورًا إلى صوفيا.

"إذن؟"

ضيقت عينيها بخبث.

"حبيبك؟"

"ماذا؟"

خرجت من إلياس بسرعة أكبر مما أراد.

هز رأسه مباشرة.

"لا، ليس الأمر كذلك."

كانت سوزن على وشك قول شيء آخر…

لكن صوفيا قاطعتها وهي تتابع السير:

"للأسف، لا."

نظر إليها إلياس بصدمة خفيفة.

بينما ضحكت سوزن بصوت مرتفع.

"أوه يا إلهي… أعجبتني هذه البداية فعلًا."

تنهد إلياس بصمت.

بدأ يفهم تدريجيًا أن العمل مع صوفيا سيكون أكثر إرهاقًا مما توقع.

أشارت سوزن بإبهامها نحو ممر جانبي.

"فريد في مكتبه."

ثم أضافت وهي تبتعد:

"وحاولي ألا تجعليه يشرب أكثر اليوم."

لوحت صوفيا بيدها بلا اهتمام.

"لا أعدك."

---

تقدما عبر الممر الحجري حتى وصلا إلى باب خشبي ثقيل تتدلى فوقه لوحة نحاسية صغيرة كُتب عليها:

«فريد هولتمان»

دفعت صوفيا الباب مباشرة دون طرق.

ودخلا.

كانت الغرفة أوسع مما توقع إلياس.

إضاءة خافتة.

دخان كثيف يملأ الهواء.

خزانة مليئة بالملفات والكتب القديمة.

خرائط معلقة على الجدران.

وساعة نحاسية ضخمة تصدر صوت طقطقة بطيئة.

أما الرجل الجالس خلف المكتب…

فبدا وكأنه خرج من رواية عن القراصنة.

في منتصف الخمسين تقريبًا.

شعر رمادي طويل قليلًا مربوط للخلف بعشوائية.

لحية قصيرة غير مرتبة.

ومعطف أسود فاخر مفتوح عند الصدر.

كانت إحدى عينيه رمادية باهتة بشكل مخيف، بينما الأخرى أغمق وأكثر حدة.

وفي يده كأس ويسكي يدور ببطء بين أصابعه.

رفع نظره نحوهما.

ثم ابتسم فورًا عندما رأى صوفيا.

"أوووه…"

فتح ذراعيه قليلًا.

"عزيزتي صوفي."

ارتشف رشفة صغيرة من كأسه.

"لم أركِ منذ زمن."

2026/06/25 · 0 مشاهدة · 1144 كلمة
Sr.hhhhhhhhh
نادي الروايات - 2026