5 - الفصل خامس: معلومات لايمكن شرائها

أمال فريد كأس الويسكي قليلًا قبل أن يرتشف منه ببطء.

كان يشرب وكأن العالم لا يحتوي أي شيء يستحق العجلة.

أما الدخان المتصاعد من السيجار المشتعل قربه فقد جعل ملامحه تبدو أكثر غموضًا تحت الضوء البرتقالي الخافت.

رفع الزجاجة نحو صوفيا.

"شراب؟"

ألقت نظرة سريعة نحو الكأس.

ثم هزت رأسها.

"ربما لاحقًا."

"كالعادة."

تمتم بها فريد وهو يبتسم بخبث صغير.

لكن صوفيا لم ترد.

بل أخرجت الورقة المحترقة من معطفها ووضعته فوق مكتبه مباشرة.

استقرت القطعة السوداء وسط الطاولة الخشبية الثقيلة.

تغيرت نظرة فريد قليلًا.

طفيفة جدًا.

لكن إلياس لاحظها.

قالت صوفيا:

"هل تعرف ما هذا؟"

مد فريد يده ببطء.

أخذ الورقة.

ثم بدأ يتأمل الرمز المحترق بعين نصف مغلقة.

مرت ثانيتان.

ثلاث.

أربع.

ثم أعاد الورقة إلى الطاولة بلا اهتمام واضح.

"لا."

قالها ببساطة.

"أول مرة أراه."

راقبته صوفيا بصمت.

ثم…

أخرجت كيسًا جلديًا صغيرًا من داخل معطفها.

ووضعته فوق المكتب.

صدر صوت معدني ثقيل لحظة ارتطامه بالخشب.

توقفت يد فريد عن حمل الكأس.

أما إلياس…

فنظر نحو الكيس باستغراب.

فتحت صوفيا الرباط الجلدي قليلًا.

وللحظة قصيرة فقط…

ظهر لمعان العملات الذهبية داخله.

غولدنات ألمانية.

الكثير منها.

أكثر بكثير مما ينبغي.

حتى إن إلياس شعر أن عقله توقف لحظة عن استيعاب الرقم.

هذا المبلغ…

يكفي فعلًا لشراء منزل فاخر في أفضل أحياء ميونيخ.

بل ربما أكثر.

نظر نحو صوفيا بذهول خفيف.

كان يعلم أنها ثرية.

يعلم أن عائلتها ميسورة.

لكن ليس… إلى هذه الدرجة.

أما فريد…

فقد لمعت عينه الرمادية فورًا.

ليس بطريقة كوميدية أو مبالغ بها.

بل كذئب لمح قطعة لحم نادرة.

حك لحيته ببطء.

ثم تنهد.

"اسمعي يا قطعة البندق العزيزة خاصتي…"

قالها وهو يعيد النظر نحو الرمز.

"حتى لو كنت أعرف لمن ينتمي هذا الشعار…"

رفع عينيه نحوها.

"...فلن أخبرك."

ساد الصمت.

اختفت أي ابتسامة عن وجه صوفيا فورًا.

أما إلياس فعبس قليلًا.

لم يكن يتوقع هذا الرد بعد رؤية ذلك المبلغ.

تابع فريد:

"حتى لو دفعتِ كل مدخراتك."

ارتفعت حدة صوت صوفيا مباشرة:

"ما الذي تقصده بهذا؟"

وللمرة الأولى…

رأى إلياس جانبًا آخر منها.

صوتها لم يعد كسولًا أو ساخرًا.

بل حادًا.

حادًا بشكل مفاجئ.

حتى نظرتها أصبحت أثقل.

كأن شيئًا داخلها استفزه كلام فريد أكثر مما ينبغي.

رفع فريد يديه باستسلام هادئ.

ثم ارتشف رشفة أخرى من الويسكي.

"اهدئي يا صوفي."

أشار إليها بالكأس.

"أنا أعرفك منذ وقت طويل."

مال إلى الخلف فوق كرسيه.

"قبل حتى أن تأتي إلى هامبورغ."

ثم أضاف بابتسامة باهتة:

"وأعرف جيدًا ذلك الجنون الموجود داخل رأسك."

ضيقت صوفيا عينيها.

لكنها لم تقاطعه.

أما فريد فتابع:

"ذلك الهوس الغريب لديكِ."

"مطاردة الجرائم."

"حل الألغاز."

"فتح كل باب مغلق فقط لأن أحدهم قال لكِ ألا تفتحيه."

توقف لحظة قصيرة.

ثم نظر مباشرة إلى الورقة المحترقة.

واختفت ابتسامته أخيرًا.

"ولو أخبرتكِ لمن ينتمي هذا الرمز…"

ساد صمت ثقيل داخل المكتب.

حتى صوت الساعة الجدارية بدا أوضح.

"...فأنتِ ستدخلين عالمًا لن تستطيعي الخروج منه مجددًا."

شعر إلياس أن حرارة الغرفة انخفضت فجأة.

أما صوفيا…

فبقيت تحدق في فريد دون أن ترمش.

ثم قالت ببطء:

"ماذا تقصد بـ… عالم؟"

رفع فريد نظره نحوها أخيرًا.

ولأول مرة منذ دخولهما المكتب…

بدت ملامحه جادة فعلًا.

ظل فريد صامتًا لعدة ثوانٍ بعد سؤال صوفيا.

يدور كأس الويسكي ببطء بين أصابعه بينما انعكست ألسنة الضوء فوق السائل الذهبي داخله.

ثم تنهد أخيرًا.

"أنا مدرك تمامًا لقدراتك يا صوفي."

رفع عينه الرمادية نحوها مباشرة.

"وأعرف جيدًا نوع الاستنتاجات التي تستطيعين الوصول إليها من أبسط كلمة… أو حتى من صمت قصير."

ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.

"ولهذا بالتحديد…"

أشار نحو نفسه بالكأس.

"...سأتوقف عن الكلام هنا."

ساد الصمت داخل المكتب.

صوفيا ظلت تحدق فيه للحظات، كأنها تحاول معرفة إن كان يخفي خوفًا… أم ندمًا.

لكن فريد لم يمنحها شيئًا.

عاد الرجل الذي يعرف كيف يغلق وجهه مثل باب فولاذي.

ثم قال بنبرة أكثر رسمية:

"هل تملكين شيئًا آخر أستطيع مساعدتك به، آنسة هوفمان؟"

لاحظ إلياس التغير فورًا.

قبل لحظات كان فريد يتحدث معها وكأنها ابنة مزعجة يعرفها منذ سنوات.

أما الآن…

فصوته أصبح باردًا.

رسميًا.

وفيه تلميح واضح جدًا:

«انتهى اللقاء.»

شعر إلياس أن الجو داخل الغرفة أصبح أثقل بشكل غريب.

حتى الدخان نفسه بدا ساكنًا.

فتح فريد عينه الأخرى قليلًا ونظر نحو إلياس.

"وأنت يا فتى…"

بدأ يتفحصه بنظرة طويلة.

"إلياس مولر، صحيح؟"

لكن قبل أن يكمل…

نهضت صوفيا فجأة.

"لنذهب."

قطعت كلامه مباشرة.

استدار إلياس نحوها باستغراب خفيف.

لكنها لم تضف شيئًا آخر.

فقط التقطت كيس العملات من فوق المكتب وأعادت الورقة المحترقة إلى معطفها.

ثم غادرت الغرفة.

تنهد إلياس بخفوت قبل أن يتبعها.

بينما بقي فريد جالسًا وحده يحتسي الويسكي بصمت.

---

بعد دقائق…

دخلت سوزن المكتب دون استئذان كعادتها.

ثم رمت نفسها فوق الكرسي المقابل له.

"أنت مجنون."

رفع فريد حاجبًا.

"أعرف."

أشارت نحو الباب الذي خرجت منه صوفيا.

"ذلك المبلغ وحده يكفي لشراء قصر في ميونيخ."

ضيقت عينيها نحوه.

"هل أثّر الويسكي أخيرًا على عقلك أيها العجوز؟"

انفجر فريد ضاحكًا.

ضحكة طويلة وخشنة ملأت الغرفة.

ثم مسح دمعة صغيرة من طرف عينه.

"آه يا سوزن…"

أخذ رشفة أخرى.

"ما زلتِ صغيرة جدًا."

تأففت الفتاة.

"هذه ليست إجابة."

مال فريد برأسه قليلًا.

ثم قال فجأة:

"ماذا لو اكتشفتِ أن حياتك كلها مجرد وهم؟"

رمشت سوزن.

أما هو فتابع بهدوء غريب:

"كل ذكرياتك."

"كل الأشخاص الذين أحببتِهم."

"كل الأشياء الحلوة… والسيئة."

نظر إلى كأسه.

"مجرد كذبة كبيرة."

ساد الصمت.

حتى سوزن نفسها لم تعرف كيف ترد هذه المرة.

ظلّت تحدق فيه بعدم فهم.

أما فريد فابتسم ابتسامة باهتة.

"كيف ستكون ردة فعلك؟"

عبست سوزن.

"لا أفهم عمّ تتحدث."

ضحك بخفوت.

"وأتمنى أن يبقى الأمر كذلك."

ثم وضع الكأس على الطاولة ببطء.

"هناك أمور…"

رفع عينه نحوها أخيرًا.

"...لا يستطيع المال إصلاحها."

وبعدها عاد إلى احتساء الويسكي بصمت.

كأن الحوار كله لم يحدث أصلًا.

---

في الخارج…

كانت شوارع هامبورغ قد أصبحت أكثر هدوءًا.

المطر توقف أخيرًا.

لكن المدينة بدت وكأنها ما تزال مبللة بالحزن.

المصابيح الزيتية تنعكس فوق الطرقات الحجرية الرطبة.

والضباب البحري بدأ يعود تدريجيًا من جهة الميناء.

كان إلياس يسير بجانب صوفيا بصمت منذ خروجهما من الحانة.

ثم قال أخيرًا:

"ما الذي كان ذلك…؟"

لم تجب.

كانت تمسك الورقة المحترقة بين أصابعها وتتأمل الرمز بصمت.

كأن عقلها يحاول اقتناص شيء يهرب منه باستمرار.

هي متأكدة.

متأكدة تمامًا أنها رأت هذا الرمز من قبل.

لكن أين؟

ومتى؟

ولماذا تشعر أن مجرد تذكره يجعل معدتها تنقبض؟

شدت أصابعها على الورقة قليلًا.

إذا كان رجل عاشق للمال مثل فريد رفض الحديث رغم ذلك المبلغ…

فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.

«القضية أكبر بكثير مما ظنت.»

أخفض إلياس نظره نحوها.

لاحظ الشرود داخل عينيها.

ثم قال بنبرة أهدأ:

"لنعد إلى المكتب."

رفعت نظرها نحوه قليلًا.

"نراجع أفكارنا… ونرتاح."

توقف لحظة قصيرة.

"كان يومًا طويلًا."

ظلت تنظر إليه لثانيتين.

ثم حركت رأسها ببطء.

"لا بأس."

ساد الصمت مجددًا.

قبل أن تضيف:

"وأنت يمكنك العودة إلى منزلك."

استغرب إلياس.

"ماذا؟"

"أختك."

قالتها ببساطة.

"يجب أن تعود إليها."

فتح فمه وكأنه يريد الاعتراض.

أو البقاء معها للمساعدة.

لكنه توقف.

لأنها كانت محقة.

وفي النهاية…

لم يجد شيئًا يقوله.

تنهد بخفة.

"حسنًا."

ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة متعبة.

ثم استدارت وغادرت وحدها بين شوارع هامبورغ الضبابية.

بينما بقي إلياس واقفًا يراقبها تبتعد ببطء.

حتى اختفى معطفها الأسود وسط الضباب الليلي.

2026/06/25 · 0 مشاهدة · 1124 كلمة
Sr.hhhhhhhhh
نادي الروايات - 2026