استيقظت هامبورغ ذلك الصباح ببطء.
ببطء يشبه مدينة متعبة لم تنم جيدًا منذ سنوات طويلة.
كانت السماء شاحبة بلون رمادي باهت، بينما غطى الضباب أجزاء واسعة من الشوارع القريبة من الميناء حتى بدت المدينة وكأنها تغرق داخل حلم بارد.
سار إلياس مولر وسط الطرقات الحجرية بصمت.
يداه داخل معطفه الداكن، وخطواته المنتظمة تصدر صوتًا خافتًا فوق الأرض المبتلة ببقايا مطر الليلة الماضية.
مرت بجانبه عربة محملة بصناديق السمك الطازج، تبعها صياح بحّار غاضب من مكان قريب.
وفي الجهة الأخرى…
بدأت المتاجر القديمة تفتح أبوابها تدريجيًا.
رائحة الخبز الساخن امتزجت برائحة البحر والرطوبة والدخان.
أما الناس…
فكانوا يتحركون بسرعة كأن الجميع يطارد شيئًا لا يراه.
خفض إلياس نظره قليلًا وهو يكمل طريقه.
لكن عقله لم يكن هنا أصلًا.
منذ الأمس…
وكل شيء أصبح غريبًا بشكل مزعج.
الجثة.
الرمز المحترق.
حديث فريد.
نظرات صوفيا.
وذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يلتصق بالقضية شيئًا فشيئًا.
تنهد بخفة.
ثم رفع رأسه نحو السماء الرمادية.
«إلى أين تتجه حياتي بالضبط…؟»
قبل أسبوع فقط كان يبحث عن وظيفة مستقرة تساعده على إعالة أخته.
والآن…
وجد نفسه يلاحق جريمة تبدو وكأنها تخفي شيئًا أكبر بكثير من مجرد قتل.
شيئًا لا يفهمه بعد.
ولا يعرف إن كان يريد فهمه أصلًا.
وصل أخيرًا إلى المبنى القديم فوق متجر الساعات.
كان الشارع أكثر هدوءًا هنا.
حتى الضباب بدا أكثر كثافة.
صعد الدرج الخشبي المعتاد بخطوات بطيئة.
ثم طرق الباب.
مرة.
مرتين.
لا رد.
عقد حاجبيه قليلًا.
ثم لاحظ أن الباب لم يكن مغلقًا بالكامل.
دفعه ببطء.
ودخل.
في البداية ظن أن المكتب فارغ.
لكن بعد خطوتين فقط…
توقف فجأة.
كانت صوفيا منهارة فوق المكتب وسط فوضى هائلة من الكتب والأوراق.
شعرها البني الطويل يغطي نصف وجهها، بينما امتدت إحدى يديها فوق كتاب مفتوح وكأنها سقطت نائمة في منتصف القراءة.
تجمد إلياس للحظة.
ثم اندفع نحوها مباشرة.
"آنسة هوفمان؟"
لم تتحرك.
شعر قلبه ينقبض قليلًا.
اقترب بسرعة أكبر ووضع يده قرب عنقها ليتأكد من نبضها.
طبيعي.
تنفسها أيضًا مستقر.
زفر إلياس ببطء.
ثم أغمض عينيه لثانية قصيرة وكأنه يطرد توتره.
«فقط نائمة…»
ألقى نظرة حوله.
الكتب كانت في كل مكان تقريبًا.
فوق الأرض.
فوق الكراسي.
حتى النوافذ امتلأت بالمجلدات المفتوحة.
بعضها يتحدث عن جماعات دينية قديمة.
أخرى عن رموز غامضة.
وكتب تاريخية عن منظمات اختفت منذ عقود.
ظل إلياس صامتًا للحظات.
ثم فهم.
لقد سهرت طوال الليل تبحث عن شيء.
عن أي خيط يقودها للحقيقة.
ورغم غرابتها…
ورغم فوضويتها المرهقة…
إلا أن ذلك جعل شيئًا صغيرًا من الاحترام يتسلل إلى داخله.
شغفها بدا حقيقيًا.
مرعبًا قليلًا.
لكن حقيقيًا.
ابتسم دون أن يشعر.
ابتسامة خفيفة جدًا.
ثم تنهد بهدوء.
"أنتِ ستقتلين نفسك يومًا ما بهذا الشكل."
قالها بصوت منخفض رغم أنها لا تسمعه.
تردد قليلًا بعدها.
قبل أن يمرر ذراعه أسفل كتفيها ويحملها بحذر بين يديه.
كانت أخف مما توقع.
تحرك ببطء نحو الأريكة الموجودة قرب النافذة.
ثم أنزلها عليها برفق شديد.
تململت صوفيا قليلًا أثناء نومها.
تمتمت بكلمات غير مفهومة.
لكنها لم تستيقظ.
خلع إلياس معطفه الداكن ووضعه فوقها بهدوء.
ثم انحنى قليلًا.
ونزع حذاءها حتى لا تنام بتلك الوضعية المزعجة.
بعدها وقف مستقيمًا ونظر نحو المكتب المنهار أمامه.
وصمت.
الفوضى هناك كانت كارثة حقيقية.
أكواب فارغة.
أوراق مبعثرة.
كتب مكدسة فوق بعضها بشكل عشوائي.
حتى أن إحدى الشموع ذابت فوق ملف تحقيق بالكامل.
رفع إلياس حاجبه بتعب.
"...كيف يعيش إنسان بهذه الطريقة؟"
تمتم بها لنفسه.
ثم بدأ بتنظيف المكان بهدوء.
جمع الأوراق أولًا.
ثم أعاد ترتيب الكراسي.
وألقى الأكواب الفارغة جانبًا.
لكنه تعمد ألا يقترب من كومة الكتب الكبيرة قرب المكتب.
لأنه يعلم جيدًا…
أن العبث بأبحاث صوفيا قد يكون أخطر من إيقاظها نفسها.
شعرت صوفيا بثقل غريب في رأسها لحظة فتحت عينيها.
رمشت ببطء بينما انعكس ضوء الظهيرة الشاحب فوق وجهها.
لثوانٍ قليلة…
لم تفهم أين هي أصلًا.
حدقت في سقف المكتب بصمت، ثم عبست بخفة عندما أدركت أنها ليست فوق كرسيها المعتاد.
بل على الأريكة القريبة من النافذة.
رفعت رأسها ببطء.
وشعرت بدوار خفيف جعلها تعود للاستناد مجددًا.
"آه…"
تمتمت بخفوت وهي تضغط على جبينها.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
سترة سوداء تغطيها بعناية.
تأملتها لثانيتين.
قبل أن تدرك فورًا لمن تعود.
"...إلياس."
وفي اللحظة نفسها…
وصلت إلى أنفها رائحة شاي دافئة ومنعشة.
رائحة نعناع واضحة.
أغمضت عينيها لثانية قصيرة.
ثم نهضت أخيرًا واتجهت نحو المطبخ الصغير الملحق بالمكتب.
ما إن اقتربت حتى ظهر إلياس أمامها واقفًا قرب الموقد الصغير.
كان يرتب الأكواب بهدوء بينما يتصاعد بخار الشاي أمامه.
التفت نحوها فور سماع خطواتها.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
"أهلًا آنسة هوفمان."
رفع الإبريق قليلًا.
"أعدت بعض شاي النعناع."
ثم أضاف بهدوء:
"سيصبح جاهزًا بعد قليل."
حدقت فيه صوفيا بصمت قصير.
ثم سألت بصوت ما يزال ناعسًا قليلًا:
"كم من الوقت كنت نائمة؟"
فكر إلياس للحظة.
"حسنًا…"
"عندما وصلت كان الوقت السادسة صباحًا تقريبًا."
رمشت صوفيا ببطء.
أما هو فأكمل:
"وجدتك نائمة فوق المكتب."
ثم أشار نحو الأريكة.
"لذلك نقلتك إلى هناك."
وتنحنح بخفة بعدها.
"أعتذر إن كان ذلك تطفلًا."
لكن صوفيا لم تبدُ منزعجة أصلًا.
بل سألت فقط:
"...وكم الساعة الآن؟"
رفع نظره نحو النافذة.
"نحن في الظهيرة تقريبًا."
تجمدت للحظة.
"الظهيرة؟"
ثم التفتت حولها أخيرًا.
وهنا فقط لاحظت شيئًا غريبًا.
المكتب…
مرتب.
الأوراق أصبحت مكدسة بشكل منظم.
الكراسي عادت إلى أماكنها.
حتى الأرضية اختفت منها الفوضى المعتادة.
حدقت بالمشهد لثوانٍ.
ثم بدأت ابتسامة صغيرة جدًا ترتسم فوق وجهها تدريجيًا.
ابتسامة بالكاد ظهرت.
لكنها كانت حقيقية.
«يبدو أن مساعدي الجديد يأخذ عمله بجدية أكثر مما توقعت…»
قالتها داخل عقلها بينما راقبت إلياس بصمت.
أما هو فصب الشاي داخل كوبين بهدوء.
ثم قال وكأنه تذكر شيئًا:
"وبالمناسبة…"
"لم ألمس كومة الكتب."
التفتت نحوه فورًا.
"ماذا؟"
"الكتب قرب مكتبك."
رفع كتفيه قليلًا.
"افترضت أنها مهمة."
اتسعت عينا صوفيا فجأة.
وفي لحظة اندفعت نحو مكتبها بسرعة جعلت إلياس يرمش باستغراب.
بدأت تقلب بعض الكتب والأوراق بعجلة.
ثم التقطت أحد المجلدات القديمة.
"وجدتها…"
قالتها بصوت منخفض.
اقترب منها إلياس.
"وجدتِ ماذا؟"
رفعت نظرها نحوه.
وعيناها تحملان ذلك البريق الغريب الذي يظهر كلما أمسكت بخيط جديد.
"أعتقد أنني عرفت ماهية الرمز."
شعر إلياس بالحماس يتسلل إليه فورًا.
اقترب أكثر بينما وضع كوب الشاي الساخن قربها.
"حقًا؟"
"نعم."
جلست صوفيا فوق الكرسي بسرعة وبدأت تقلب صفحات الكتاب القديم.
ثم سألت فجأة:
"هل قرأت روايات بوب لايمر من قبل؟"
تفاجأ إلياس بالسؤال.
ثم قال فورًا:
"بالطبع."
بل حتى بدا عليه الحماس قليلًا.
"أنا من أشد المعجبين بأعماله."
هزت صوفيا رأسها وكأنها توقعت ذلك.
"وأنا أيضًا."
أغلقت الكتاب نصف إغلاق وهي تستند بمرفقها على المكتب.
"منذ أن رأيت ذلك الرمز المحترق وأنا متأكدة أنني شاهدت شيئًا مشابهًا له من قبل."
تنهدت بخفة.
"لكنني لم أتذكر أين."
رفعت الكتاب قليلًا.
"حتى الليلة الماضية."
اقترب إلياس أكثر.
"هل تقصدين أن الرمز ظهر في إحدى روايات لايمر؟"
أومأت ببطء.
"أجل."
ساد الصمت لثانية قصيرة قبل أن تكمل:
"بوب لايمر لم يكن مجرد كاتب."
"كان محققًا ألمانيًا مشهورًا قبل اعتزاله."
بدأ إلياس يصغي بتركيز بينما كانت تتحدث.
"بعد سنوات عمله قرر كتابة روايات عن القضايا التي تعامل معها."
"ولهذا حققت كتبه نجاحًا هائلًا في أوروبا."
مررت أصابعها فوق غلاف الكتاب القديم.
"لأن قصصه لم تكن خيالًا بالكامل."
رفعت نظرها نحو إلياس.
"بل مستوحاة من قضايا وتجارب حقيقية عاشها بنفسه."
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"شخصيًا…"
"...أعتبر أعماله مرجعًا أكثر من كونها مجرد روايات."