لم تكن الرحلة إلى لوبيك رحلة قصيرة.
في تلك الفترة، كانت الطرق الترابية الممتدة بين المدن الألمانية أقرب إلى متاهة من الطين والحجارة، تبتلع عجلات العربات ببطء، وتجبر المسافرين على التوقف في محطات صغيرة لا تحمل من المدن إلا الاسم.
كان لايمر قد اعتاد هذا النوع من السفر.
فهو لا يسافر من أجل الراحة… بل من أجل “الهروب المؤقت من العالم الذي لا يتوقف عن ارتكاب الأخطاء”.
برفقته كانت ابنته، فتاة صغيرة لم تتجاوز سنواتها الأولى من الفهم الحقيقي للعالم، لكنها كانت تراقب والدها دائمًا وكأنه يقرأ أشياء لا يراها الآخرون.
بعد يومين من الطريق، توقفت العربة عند بلدة صغيرة تُدعى فالدبرغشتاين.
اسمها كان ثقيلاً على اللسان، وكأن البلدة نفسها لا تريد أن تُنطق.
كانت محاطة بغابة كثيفة من أشجار الصنوبر، ترتفع كجدار طبيعي يعزلها عن بقية العالم.
البيوت هناك كانت خشبية، مائلة قليلًا، كأنها تعبت من الوقوف عبر السنين.
استأجر لايمر غرفة في فندق صغير قرب الساحة الرئيسية.
كان المكان هادئًا بشكل غير طبيعي.
هدوء لا يشبه الطمأنينة… بل يشبه الانتظار.
في تلك الليلة، خرجت ابنته مبكرًا للنوم.
أما لايمر، فقد قبل دعوة بعض سكان البلدة الذين التقوا به في الطريق.
كانوا مجموعة من الرجال والنساء البسطاء، يبتسمون كثيرًا، ويتحدثون وكأنهم لم يغادروا هذه البلدة منذ ولادتهم.
أخذوه في جولة قصيرة داخل فالدبرغشتاين.
أروقة ضيقة، بئر قديمة في المنتصف، كنيسة صغيرة بلا جرس، ومخبز لا يفتح إلا مرتين في الأسبوع.
لكن أكثر ما لفت انتباه لايمر لم يكن الأماكن…
بل طريقة حديثهم عنها.
كانوا يتكلمون عن البلدة كما لو أنها كائن حي.
شيء “يتنفس” معهم.
بعد الجولة، أُعيد لايمر إلى الفندق.
لكن لم يكن راغبًا في النوم بعد.
في الخارج، كانت المصابيح الزيتية تتمايل مع الريح، تلقي ظلالًا طويلة على الطرقات المبللة.
هناك التقى برجل اسمه روبرت هوارد.
رجل في منتصف العمر، يرتدي معطفًا داكنًا، ويبدو كأنه جاء إلى هذه البلدة بالخطأ أو بدافع لا يريد الاعتراف به.
قال له ببساطة:
“أنت تبدو أقل سذاجة من البقية هنا.”
ابتسم لايمر.
“وهل السذاجة مرض منتشر في هذه البلدة؟”
ضحك روبرت، ثم أشار إلى بار قريب.
“تعال. هناك أشياء لا تُقال في الشارع.”
داخل البار، كان الضوء أصفر خافتًا، والدخان يملأ السقف كطبقة ثابتة من الزمن.
جلسا في زاوية بعيدة.
بدأ الحديث عاديًا في البداية:
السفر
الطرق
المدن الصغيرة
قسوة الشتاء
لكن شيئًا ما كان يتغير تدريجيًا في نبرة روبرت.
كأنه يقترب من فكرة لا يريد الوصول إليها، لكنه مضطر.
ثم قال فجأة:
“هل سمعت بمجزرة بورن؟”
توقف لايمر.
لم يرد فورًا.
“بورن؟”
أومأ روبرت ببطء.
“قرية صغيرة… لا تتجاوز تسعة وستين شخصًا.”
صمت قصير.
ثم تابع بصوت أخفض:
“في ليلة واحدة فقط… اختفوا.”
رفع لايمر حاجبه.
“قتل؟ طاعون؟ لصوص؟”
هز روبرت رأسه.
“هذا ما قيل رسميًا.”
ثم اقترب أكثر من الطاولة.
“لكن الحقيقة… أكثر قبحًا من ذلك.”
في تلك اللحظة، شعر لايمر أن صوت البار كله بدأ يبتعد.
كأن الكلمات التي ستأتي بعد قليل… ليست مجرد قصة.
بل شيء لا ينبغي سماعه أصلًا.
قال روبرت:
“الناجي الوحيد لم يكن طبيعيًا.”
“كان يتكلم عن أشياء… لا يمكن أن تكون حدثت في قرية بشرية.”
توقف.
ثم أضاف:
“وكان يكرر كلمة واحدة قبل أن يفقد عقله بالكامل…”
خفض صوته أكثر:
“ليمبو.”
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
لم يعد لايمر يستمع كرجل عادي.
بل كرجل يفهم أن بعض القصص لا تُروى للترفيه.
بل كتحذير متأخر جدًا.
أخذ إلياس نفسًا طويلًا بينما كانت صوفيا تقلب الصفحة التالية بحذر، كأنها تخشى تمزيق كتاب أثمن من الذهب نفسه.
كان ضوء المصباح الزيتي فوق المكتب ينعكس على عينيها البنيتين بينما تستمر في القراءة بصوت هادئ، فيما جلس إلياس أمامها ممسكًا كوب الشاي الذي أعده قبل دقائق.
لكن رغم هدوء الغرفة…
كان عقل إلياس يتحرك بسرعة.
أسرع مما ينبغي.
قال بوب لايمر في الرواية:
“لم أنم تلك الليلة بسهولة.”
“ظلت قصة قرية بورن تدور داخل رأسي كطاحونة صدئة.”
“كلما حاولت تجاهلها… عادت.”
“وكلما أقنعت نفسي أنها مجرد خرافة محلية سخيفة… شعرت أن غرائز المحقق داخلي تسخر مني.”
توقف إلياس فجأة.
ثم قال وهو يرفع عينيه نحو صوفيا:
“حسنًا…”
أغلقت صوفيا الكتاب قليلًا.
“ماذا؟”
ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة.
“بدأت أفهم الآن لماذا قلتِ إن روايات بوب لايمر مرجع بالنسبة لك.”
رفعت حاجبًا.
“أوه؟”
أشار نحو الكتاب.
“على الأقل عرفت من أين اكتسبتِ فضولك الغريب.”
ثم أطلق ضحكة مكتومة.
تجمدت صوفيا لثانية.
ثم ضيقت عينيها نحوه.
“هل تقاطعني أثناء القراءة لتسخر مني؟”
“أنا لم—”
“إلياس مولر.”
وضعت الكتاب على الطاولة ببطء متعمد.
“سأخصم من راتبك.”
ساد الصمت لثانيتين.
ثم قال إلياس بهدوء:
“لكنني لم أتلق أي راتب أصلًا.”
توقفت صوفيا.
رمشت مرة.
ثم انفجرت ضاحكة رغماً عنها.
حتى إلياس نفسه لم يستطع منع ابتسامته هذه المرة.
هزت رأسها باستسلام.
“يا إلهي… لقد وظفت شخصًا وقحًا.”
“بل صريحًا.”
“الوقاحة والصراحة أبناء عم.”
“إذن ألوم العائلة.”
أشارت إليه بالقلم.
“اصمت ودعني أكمل.”
رفع يديه مستسلمًا.
“كما تأمرين، آنسة هوفمان.”
عادت صوفيا إلى القراءة بينما بدأ صوت المطر الخفيف بالخارج يطرق زجاج النوافذ.
“كانت قرية بورن تبعد عن فالدبرغشتاين بضعة كيلومترات فقط.”
“وكلما فكرت بالأمر أكثر… زاد اقتناعي أن علي التوقف هناك.”
قاطعها إلياس مجددًا دون وعي.
“وهل توقف فعلًا هناك؟”
أنزلت صوفيا الكتاب ببطء شديد.
ثم حدقت فيه بنظرة فارغة.
شعر إلياس بالخطر فورًا.
قال بحذر:
“…ماذا؟”
تنهدت صوفيا.
“إلياس.”
“نعم؟”
“برأيك لماذا عنوان الرواية هو لغز قرية بورن؟”
فتح فمه.
ثم أغلقه.
وبقي صامتًا لثانيتين كاملتين.
“…نقطة جيدة.”
“شكرًا لك.”
“أعتذر عن المقاطعة مجددًا.”
أخذت رشفة من الشاي.
ثم تمتمت:
“على الأقل أنت تعتذر.”
قلبت الصفحة التالية.
واختفت الابتسامة الصغيرة من وجهها تدريجيًا.
ثم تابعت القراءة بصوت أخفض قليلًا.
“عندما وصلت إلى مركز الشرطة القريب من بورن…”
“بدا الجميع هناك مصدومين لرؤيتي.”
“ظنوا أنني أُرسلت من المقر الرئيسي.”
“ولم أملك الشجاعة الكافية لأخبرهم أنني في الحقيقة مجرد رجل فضولي كان يمر من هنا.”
ارتفع حاجب إلياس.
“لم يكن يملك تصريحًا أصلًا؟”
ابتسمت صوفيا دون أن ترفع عينيها عن الكتاب.
“هذا ما يجعله بوب لايمر.”
ثم أكملت.
“كان مركز الشرطة أشبه بخلية نحل مضطربة.”
“ضباط يصرخون.”
“جنود يدخلون ويخرجون.”
“وأطباء يحاولون التقيؤ في الزوايا.”
“لم يكن لدى أحد الوقت الكافي ليتحقق من هويتي أو من حقي في دخول مسرح الجريمة.”
“وهكذا… قادني أحد الضباط نحو القرية.”
ساد الصمت داخل المكتب.
حتى صوت المطر بالخارج بدا وكأنه اختفى.
تابعت صوفيا القراءة ببطء هذه المرة.
“أتذكر جيدًا الطريق المؤدي إلى بورن.”
“الغابة كانت صامتة أكثر مما ينبغي.”
“والريح لم تكن تتحرك.”
“حتى الطيور…”
“لم أسمع أي طائر.”
ابتلع إلياس ريقه دون شعور.
بينما واصلت صوفيا:
“ثم وصلت.”
“ورأيت مشهدًا تمنيت… لو أنني لم أره أبدًا.”