> “كانت الجثث في كل مكان.”
قرأَت صوفيا الجملة بصوت أخفض هذه المرة.
حتى ضوء المصباح بدا وكأنه خفت قليلًا داخل المكتب.
جلس إلياس بصمت مقابلها، بينما أخذ البخار المتصاعد من كوب الشاي يختفي تدريجيًا بينهما.
تابعت:
> “رجال.”
> “نساء.”
> “أطفال.”
> “حتى الشيوخ.”
> “لم تسلم روح واحدة.”
---
> “كانت الجثث مغطاة بأقمشة بيضاء خشنة.”
> “وكلما مررت قرب واحدة منها… شعرت أن الرجال يتجنبون النظر إليها.”
> “اقترب مني أحد الضباط حينها.”
> “وقال بنبرة متعبة: لا تتمعن كثيرًا… لن تتحمل المنظر.”
---
رفعت صوفيا عينيها قليلًا عن الكتاب.
ثم قالت بهدوء:
“هذه الجملة وحدها مرعبة.”
أومأ إلياس ببطء دون كلام.
فعادت تكمل.
---
> “لم أهتم لتحذيره.”
> “بعد سنوات طويلة في عملي، اعتقدت أنني رأيت أسوأ ما يمكن للبشر فعله.”
> “كنت مخطئًا.”
---
> “اقتربت من أول جثة.”
> “كانت لامرأة.”
> “رفعت الغطاء ببطء…”
---
توقفت صوفيا للحظة قصيرة.
وكأن حتى الكلمات التالية غير مريحة لها.
ثم أكملت:
> “حينها فقط… فهمت تحذير الضابط.”
> “وجهها…”
ساد الصمت داخل المكتب.
حتى إلياس لم يقاطع هذه المرة.
---
> “كان وجهها…”
> “أشبه بشيء حاول أن يصبح إنسانًا… وفشل.”
---
شعر إلياس بقشعريرة خفيفة تمر في ذراعه.
بينما استمرت صوفيا في القراءة:
> “عينها اليمنى كانت مفتوحة بشكل غير طبيعي.”
> “أما اليسرى… فلم تعد موجودة.”
> “فمها انشق حتى كاد يصل إلى أذنيها.”
> “لكن ما حطم أعصابي حقًا…”
> “هو أن ملامحها لم تكن تعبر عن الألم.”
> “بل عن الذهول.”
---
> “ابتعدت فورًا.”
> “ثم تقيأت قرب أحد الجدران الحجرية.”
> “وأدركت في تلك اللحظة…”
> “أن ما حدث هنا لا يشبه أي مجزرة رأيتها في حياتي.”
---
انخفض صوت المطر خارج المكتب أكثر.
وكأن العالم نفسه ينصت.
---
> “سألت نفسي حينها: هل مات الجميع بهذه الطريقة؟”
> “هل كل هذه الوجوه…”
> “تحولت إلى هذا الشيء نفسه؟”
> “ومن بحق الجحيم يستطيع فعل هذا ببشر؟”
> “لم يكن طبيعيًا.”
> “لم يكن قريبًا حتى من الطبيعي.”
---
أغلقت صوفيا الكتاب قليلًا وأخذت نفسًا قصيرًا.
ثم تابعت.
---
> “بعد أن استعَدت رباطة جأشي، بدأت أجمع المعلومات.”
> “بورن كانت قرية صغيرة ومعزولة.”
> “عدد سكانها قليل.”
> “أغلبهم يعيش على تربية الأغنام والأبقار والعمل في الحقول.”
> “ولم تُسجل فيها أي جريمة تُذكر طوال سنوات.”
---
> “الناجي الوحيد…”
> “كان شابًا في منتصف العشرينات.”
> “بدا وكأن عقله انكسر إلى نصفين.”
> “كان يرتجف طوال الوقت.”
> “ويرفض النظر نحو القرية.”
---
رفع إلياس نظره.
“ناجٍ وحيد…”
همست صوفيا:
“تمامًا كما يحدث دائمًا في القصص السيئة.”
ثم أعادت نظرها للكتاب.
---
> “قال الشاب إن كل شيء بدأ قبل ستة أشهر.”
> “حين عاد شيخ القرية من رحلة قصيرة خارج بورن.”
> “لكنه لم يعد وحده.”
> “كان معه رجل يرتدي ثوبًا أبيض طويلًا.”
> “ويخفي وجهه بالكامل.”
---
> “قال الناجي إن الشيخ أجبر أهل القرية على إقامة وليمة ضخمة لذلك الرجل.”
> “وهو أمر لم يكن طبيعيًا أبدًا.”
> “فسكان بورن كانوا يكرهون الغرباء.”
> “ويعيشون في عزلة شبه تامة.”
---
> “كلما سألوه من يكون هذا الرجل…”
> “كان الشيخ يجيبهم بجملة واحدة فقط.”
---
خفضت صوفيا صوتها أكثر وهي تقرأ:
> “هذا هو مخلّصنا.”
> “هذا من سيمهد لنا الطريق.”
---
شعر إلياس أن شيئًا باردًا يمر داخل صدره.
بينما واصلت:
> “لم يفهم أحد ما الذي يعنيه الشيخ.”
> “لكن سكان بورن وثقوا به ثقة عمياء.”
> “فهو أحد القلائل الذين يعرفون القراءة.”
> “وكانوا يعتبرونه أكثرهم حكمة.”
---
> “رحب أهل القرية بالضيف.”
> “لكن الرجل رفض أن يخبرهم باسمه.”
> “ورفض أن يُظهر وجهه.”
> “وقال لهم شيئًا واحدًا فقط.”
---
توقفت صوفيا لثانية.
ثم قرأت الكلمة الأخيرة ببطء شديد:
> “نادوني… بالمستيقظ.”
رفع إلياس رأسه فجأة من فوق الكتاب.
“مستيقظ؟!”
كان صوته أعلى مما توقع حتى هو نفسه.
ثم مال إلى الأمام بسرعة.
“هل هذا الرجل… هو من فعل هذا بأهل القرية؟!”
تنهدت صوفيا ببطء شديد.
وأغلقت الكتاب للحظة.
ثم حدقت إليه بنظرة مرهقة.
“إلياس.”
“نعم؟”
“إذا توقفت عن مقاطعتي كل ثلاث جمل…”
رفعت الكتاب قليلًا.
“فربما ننتهي من الرواية هذا القرن.”
ساد الصمت لثانية.
ثم سعل إلياس بخفة.
“أعتذر.”
“مجدددًا.”
“…أعتذر مجددًا.”
هزت رأسها باستسلام بينما عادت إلى القراءة.
لكن حتى هي…
كانت تشعر أن قلبها بدأ ينبض أسرع مع تقدم القصة.
---
> “أكمل الشاب حديثه وهو يرتجف.”
> “قال إن شيخ القرية بدأ يعامل ذلك الغريب باحترام مرعب.”
> “كان ينفذ كل ما يطلبه دون نقاش.”
> “وفي البداية… لم يهتم أهل بورن كثيرًا بالأمر.”
> “حتى بدأت الطقوس.”
---
رفع لايمر نظره نحو الشاب.
> “طقوس؟”
---
> “أجل…”
> “طقوس غريبة جدًا.”
> “أمرنا الشيخ بذبح عشرة خنازير دفعة واحدة.”
---
توقفت صوفيا لحظة.
ثم أضافت وهي تنظر نحو إلياس:
“في تلك الفترة… عشرة خنازير ثروة كاملة تقريبًا لقرية صغيرة.”
أومأ إلياس ببطء.
فعادت تكمل.
---
> “ظن أهل القرية في البداية أن الشيخ يريد إقامة وليمة أخرى للضيف.”
> “لكن الصدمة جاءت عندما اكتشفوا أن الرجل لم يكن يريد اللحم.”
> “بل الدماء فقط.”
---
> “اعترض كثيرون.”
> “صرخوا.”
> “قالوا إن الأمر جنون.”
> “إهدار هذا الكم من الطعام في الشتاء قد يقتل القرية جوعًا.”
---
> “لكن الشيخ…”
> “فقد عقله تقريبًا.”
> “كان يصرخ فيهم بعروق منتفخة.”
> “ويقول إنهم لا يفهمون.”
> “وأن خلاصهم قريب.”
---
شعر إلياس بانزعاج غريب وهو يسمع الجملة.
بينما واصلت صوفيا القراءة.
---
> “حينها تدخل الرجل الغريب لأول مرة.”
> “وقال لهم بهدوء: أعدكم بتعويض يفوق ما ستخسرونه.”
---
> “سأله أهل القرية: وما هذا التعويض؟”
---
> “لكنه رفض الإجابة.”
> “وقال إن عليهم إتمام التضحية أولًا.”
---
> “وبعد جدال طويل…”
> “وافقوا.”
> “خصوصًا بعدما وقف كبار القرية إلى جانب الشيخ.”
---
رفع لايمر حاجبه.
> “وما نوع التضحية التي قاموا بها؟”
---
> “جمعوا الدماء داخل براميل ضخمة…”
> “ثم بدأوا بسكبها فوق الأرض.”
> “دوائر عملاقة.”
> “دوائر مليئة برموز غريبة.”
> “وفي المنتصف…”
> “كان هناك رمز أكبر من البقية.”
---
توقف إلياس فجأة.
ثم أشار بسرعة إلى الرسم التوضيحي داخل الكتاب.
“هذا الرمز…”
رفع عينيه نحو صوفيا.
“إنه نفسه، أليس كذلك؟”
أومأت ببطء.
“نفس الرمز الموجود على الورقة المحروقة.”
ساد الصمت للحظة قصيرة.
ثم عادت تكمل.
---
> “قال الشاب إنه لم يفهم ما الذي كان يحدث.”
> “فهو لم يشاركهم الطقوس.”
> “بل راقب من بعيد فقط.”
---
> “قال له لايمر: حسنًا… أكمل.”
---
> “بعد انتهاء الدائرة…”
> “طلب منا الغريب الانتظار حتى منتصف الليل.”
> “ولم يجرؤ أحد على الاعتراض.”
---
كان إلياس يستمع الآن دون مقاطعة.
تمامًا.
حتى صوفيا لاحظت ذلك.
---
> “وعندما حل الليل…”
> “تغير كل شيء.”
---
> “سقط الشاب فجأة على الأرض.”
> “وأمسك بمعطف لايمر بعنف.”
> “وبدأ يقسم أن ما رآه كان حقيقيًا.”
---
> “حاول لايمر تهدئته.”
> “لكن الشاب ظل يرتجف.”
> “ويقسم أن الأمر لم يكن خدعة.”
---
> “وبعد أن وعده لايمر بأنه سيصدقه…”
> “بدأ بالكلام مجددًا.”
---
انخفض صوت صوفيا تدريجيًا وهي تقرأ.
حتى بدا وكأن الكلمات نفسها تخرج من مكان بعيد.
---
> “وقف أهل القرية حول الدائرة.”
> “ثم دخل الرجل الغريب.”
> “وكان يحمل كتابًا أسود ضخمًا.”
> “وبدأ يتحدث بلغة لم أفهمها.”
> “لم تكن ألمانية.”
> “ولا أي لغة سمعتها في حياتي.”
---
> “كانت… لغة تشبه أصوات الجحيم.”
---
شعر إلياس بقشعريرة باردة.
بينما تابعت صوفيا:
---
> “ظل أهل القرية يراقبون بذهول.”
> “ثم بدأت الدائرة تتوهج.”
> “لون قرمزي…”
> “أشبه بلحم حي ينبض فوق الأرض.”
---
> “واستمر الرجل بالقراءة.”
> “ثم بدأت الأرض تهتز.”
---
> “حاول بعض أهل القرية الهرب.”
> “لكن رجال الشيخ أوقفوهم.”
> “يبدو أن الشيخ أمرهم ألا يسمحوا لأحد بالمغادرة.”
---
> “ثم…”
---
توقفت صوفيا للحظة قصيرة.
حتى إلياس شعر أن الهواء داخل الغرفة أصبح أثقل.
---
> “اكتملت الطقوس.”
---
> “وظهر شيء داخل الدائرة.”
---
> “امرأة.”
---
رفع لايمر رأسه فورًا.
> “امرأة؟!”
---
> “أو…”
> “ربما وصفها بامرأة ليس دقيقًا.”
---
> “كانت تملك ملامح أنثوية.”
> “بشرة بيضاء مضيئة وسط الظلام.”
> “وعينين ذهبيتين…”
> “لامعتين بطريقة جعلتني غير قادر على النظر إليهما طويلًا.”
---
> “وكانت لها أجنحة.”
---
> “ليست أجنحة طيور.”
> “ولا أجنحة ملائكة.”
> “بل شيء بين الاثنين…”
> “شيء لا ينبغي أن يوجد.”
---
> “كانت جميلة.”
---
> “جميلة إلى درجة مؤلمة.”
---
> “حتى إن بعض أهل القرية بكوا بمجرد رؤيتها.”
---
> “لكن المشكلة…”
---
> “أنني كلما حاولت تذكر وجهها الآن…”
> “أشعر أن رأسي سينفجر.”