9 - الفصل تاسع: لغز قرية بورن

خرج لايمر أخيرًا من الخيمة التي وُضع فيها الناجي الوحيد.

كان الهواء خارجها باردًا بشكل قاسٍ.

باردًا لدرجة جعلت الدخان الخارج من فمه يبدو كروح صغيرة تهرب منه مع كل زفير.

وقف أحد الضباط قرب عربة خشبية بينما يشعل سيجارة ملفوفة يدويًا.

نظر نحو لايمر للحظة.

ثم مد له واحدة.

أخذها لايمر بصمت.

واشتعل طرفا السجارتين وسط الظلام كعينين حمراوين صغيرتين.

ساد الصمت لدقائق.

لم يكن صمت راحة…

بل صمت رجلين يحاولان هضم شيء لا يريد العقل ابتلاعه.

أخذ الضابط نفسًا طويلًا.

ثم قال أخيرًا:

“ذلك الشاب غير مستقر عقليًا على الأرجح.”

نفث الدخان من أنفه ببطء.

“أعني…”

ضحك ضحكة قصيرة باهتة.

“قصته لا يتقبلها عقل.”

ظل لايمر صامتًا.

بينما أكمل الضابط:

“مخلوق بأجنحة؟”

“دوائر دماء؟”

“لغة من الجحيم؟”

هز رأسه ساخرًا.

“ما التالي؟”

“شياطين تخرج من الأرض؟”

ابتسم الضابط قليلًا بعد جملته الأخيرة.

لكن لايمر…

لم يبتسم.

في الحقيقة…

كان جزء من عقله يوافق الرجل تمامًا.

بل كيف لا يوافقه؟

كل ما سمعه قبل قليل يبدو كقصة رخيصة تُحكى للأطفال حول النار.

شيء لا مكان له في عالم حقيقي.

قال لايمر في نفسه:

بالطبع لا يمكن أخذ كلامه على محمل الجد…

أليس كذلك؟

رفع عينيه نحو القرية المظلمة.

كانت البيوت ساكنة بشكل مرعب.

لا ضوء.

لا حركة.

فقط أكوام الجثث المغطاة.

ثم عاد صوت الشاب يتردد داخل رأسه مجددًا.

“لقد كانت حقيقية…”

“أقسم لكم…”

“لقد رأيتها…”

ضغط لايمر على سيجارته قليلًا.

بينما بدأ شيء ثقيل يتشكل داخل صدره.

لأن المشكلة…

أن نظرة ذلك الشاب…

لم تكن نظرة شخص يكذب.

كانت أسوأ من ذلك بكثير.

كانت نظرة شخص رأى شيئًا لا يستطيع عقله استيعابه بالكامل.

شيئًا كسر جزءًا داخله إلى الأبد.

ثم هنالك الدوائر.

الدوائر التي وصفها الشاب بدقة.

عندما تفقد لايمر الساحة بنفسه…

وجد آثارًا باهتة فوق التراب.

دوائر ضخمة.

كأن الأرض نفسها تشبعت بشيء غريب.

لم تكن واضحة بالكامل…

لكنها كانت موجودة.

وهذا وحده…

كان كافيًا لإزعاجه.

أخذ الضابط نفسًا آخر.

“اسمع.”

“أنا لا أقول إن ما حدث طبيعي.”

“لكن البشر عندما يخافون…”

أشار إلى رأسه.

“يبدؤون باختراع القصص.”

ظل لايمر ينظر نحو القرية.

ثم قال بهدوء:

“ربما.”

لكن عقله لم يكن هادئًا إطلاقًا.

لأن طريقة موت أهل القرية…

لم تكن بشرية.

حتى الآن، لم يستطع تفسير ما رآه.

الوجوه الممزقة.

العظام الملتوية.

التعابير المجمدة.

لم تبدُ كضحايا سكاكين أو بنادق أو فؤوس.

بل كأن شيئًا…

أعاد تشكيلهم بالقوة.

شيء لا يفهم شكل الإنسان أصلًا.

بدأت الاحتمالات تدور داخل رأسه بلا توقف.

لو كان حيوانًا مفترسًا…

فأين الآثار؟

ثم إن المنطقة كلها خالية من أي مفترسات كبيرة.

ولو كانت عصابة مسلحة…

فأي نوع من الأسلحة يفعل هذا بالبشر؟

بل كيف يمكن لعصابة كاملة أن تقتل قرية كاملة دون أن يهرب أحد؟

كل احتمال كان يقوده إلى طريق مسدود.

وكل تفسير منطقي…

كان ينهار فورًا عند تذكر الجثث.

قال الضابط فجأة:

“تعرف ما المشكلة يا لايمر؟”

التفت إليه ببطء.

نفث الرجل الدخان نحو السماء.

“البشر لا يخافون من الوحوش.”

“بل من فكرة أن العالم قد لا يكون منطقيًا.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“طالما يوجد تفسير… حتى لو كان بشعًا… سنشعر بالراحة.”

نظر نحوه.

“لكن عندما لا نجد تفسيرًا…”

ابتسم ابتسامة باهتة.

“نبدأ بخوف أعمق.”

ظل لايمر صامتًا للحظات طويلة.

ثم نظر مجددًا نحو قرية بورن.

الريح الباردة مرت بين البيوت الخشبية كأنها أنين بعيد.

وفي مكان ما داخل أعماقه…

وسط كل المنطق الذي قضى عمره يبنيه…

وسط كل القضايا التي حلها…

وسط كل الأكاذيب التي كشفها…

كان هناك شيء صغير جدًا…

شيء خافت…

يهمس له باستمرار:

الشاب كان يقول الحقيقة.

2026/06/25 · 0 مشاهدة · 551 كلمة
Sr.hhhhhhhhh
نادي الروايات - 2026