10 - الفصل عاشر: لغز قرية بورن

استمررنا في تفقد القرية لساعات طويلة…

لكن كلما تقدم الوقت…

ازداد شعوري بأن شيئًا ما في “بورن” كان خاطئًا على مستوى أعمق من مجرد مجزرة.

الخوف الحقيقي لا يأتي دائمًا من الدماء.

بل من الأشياء التي تبدو طبيعية أكثر مما ينبغي.

---

كانت المنازل ما تزال كما هي تقريبًا.

الأبواب مغلقة.

النوافذ سليمة.

الأثاث مرتب.

حتى الأطباق فوق بعض الطاولات بدت وكأن أصحابها سيعودون بعد دقائق لإكمال عشاءهم.

إحدى الدمى الخشبية كانت ما تزال ملقاة قرب مدفأة مطفأة.

وفي أحد البيوت…

وجدت قطعة خبز متعفنة فوق الطاولة.

كأن الزمن توقف فجأة.

ثم مات الجميع.

---

كان ذلك مرعبًا.

مرعبًا أكثر من الجثث نفسها.

لأن المجازر الحقيقية تترك خلفها فوضى.

صرخات.

أبوابًا محطمة.

آثار مقاومة.

أما “بورن”…

فبدت كقرية استسلمت للموت بهدوء.

---

ومع ذلك…

كانت هناك تناقضات.

بعد تفتيش البيوت تبين أن معظم الأشياء الثمينة اختفت.

النقود.

المجوهرات.

حتى بعض الأدوات المعدنية باهظة الثمن.

أما الحظائر…

فكانت فارغة تقريبًا.

اختفت الأبقار والأغنام كأن الأرض ابتلعتها.

وهذا أكد شيئًا واحدًا على الأقل:

لقد تعرضت القرية للسطو.

لكن حتى هذه الحقيقة بدت ناقصة.

ناقصة بشكل مزعج.

---

لأنه لم تكن هناك آثار تخريب واضحة.

لا أقفال مكسورة.

لا صناديق محطمة.

لا بعثرة تدل على نهب سريع.

بل بدا الأمر…

كما لو أن من أخذوا كل شيء…

فعلوا ذلك بهدوء شديد.

بترتيب شبه محترم.

---

جلست قرب البئر القديمة وسط القرية وأنا أفكر.

ثم قلت في نفسي:

> هل هؤلاء لصوص كرماء بما يكفي ليقتلوا الناس ويحافظوا على ترتيب منازلهم؟

بدت الفكرة سخيفة.

لذلك لم يبقَ أمامي سوى احتمال آخر.

أن كل شيء هنا…

صُمم ليبدو مضللًا.

---

عدت لاحقًا إلى الناجي الوحيد.

كان ما يزال يرتجف كلما تذكر تلك الليلة.

لكن شيئًا في قصته ظل يطاردني أكثر من بقية التفاصيل.

ذلك الكائن.

أو… “المستيقظ”.

---

قال الشاب إن المخلوق الذي ظهر لهم كان يشبه امرأة.

لكن وصفه لكلمة “امرأة” بدا قاصرًا.

كأن اللغة البشرية نفسها لم تكن تكفي لوصف ما رآه.

قال إن بشرتها كانت بيضاء بشكل غير طبيعي.

ليست بياض إنسان حي…

بل بياض شيء لم يُخلق لهذا العالم.

أما عيناها…

فكانتا ذهبيتين.

ذهبيتين بطريقة جعلته يشعر بالرغبة في البكاء بمجرد النظر إليهما.

وقال شيئًا لن أنساه ما حييت:

> “لقد كانت جميلة… بشكل مقرف.”

عندما قالها…

شعرت بقشعريرة حقيقية.

لأنني فهمت ما يقصده.

بعض الأشياء تكون جميلة لدرجة تجعل العقل ينفر منها.

كأن الجمال نفسه يتحول إلى شيء غير إنساني.

---

الأغرب من ذلك…

أن ذلك الكائن لم يقدم نفسه كإله.

ولا كملاك.

ولا حتى كحاكم.

بل استخدم كلمة واحدة فقط:

> “مستيقظ.”

حتى الآن…

لا أعرف معنى هذه الكلمة.

ولا يبدو أن الشاب نفسه فهمها.

لكنه أكد شيئًا غريبًا.

قال إن أهل القرية…

خصوصًا البالغين منهم…

أصبحوا مفتونين بذلك الكائن بشكل شبه مرضي.

كما فُتن شيخ القرية به تمامًا.

---

كانوا يخدمونه بلا اعتراض.

يقدمون له الطعام.

يبنون له ضريحًا صغيرًا وسط القرية.

ويذبحون الحيوانات كقرابين.

لكن عندما سألت الشاب السؤال الأهم…

تغير تعبير وجهه.

سألته:

“ماذا فعل لكم ذلك المستيقظ حتى تتبعوه بهذا الشكل؟”

أجابني بعد صمت طويل:

> “لا شيء.”

ظننت أنه لم يفهم السؤال.

لكنه أكمل:

> “لم يفعل شيئًا…”

> “هذا ما كان مرعبًا.”

---

قال إن الكائن لم يخطب بهم.

لم يهددهم.

لم يعدهم بالجنة.

لم يستخدم القوة.

بل جلس فقط…

وسط الضريح الذي بناه أهل القرية له.

ساكنًا.

صامتًا.

كتمثال أبيض وسط الظلام.

---

لكن مع مرور الأيام…

بدأ أهل القرية يتغيرون.

ببطء.

بشكل يصعب ملاحظته في البداية.

صاروا أكثر طاعة.

أكثر هدوءًا.

أقل خوفًا.

كأن وجود ذلك الشيء قربهم…

كان يسحب شيئًا من داخلهم.

شيئًا غير مرئي.

---

ثم قال الشاب جملة جعلت الدم يبرد في عروقي:

> “بعد فترة…”

> “لم نعد نراه كغريب.”

رفع عينيه المرتجفتين نحوي.

ثم همس:

> “بل بدأنا نشعر أن كل ما عداه هو الغريب.”

“غريب…؟”

كرر لايمر الكلمة ببطء بينما انعكس ضوء المصباح الزيتي فوق عينيه المتعبتين.

كان الشاب جالسًا أمامه وكتفاه يرتجفان تحت البطانية الثقيلة.

أما أصابعه…

فكانت تتحرك بعصبية شديدة كأنها تحاول تمزيق الهواء نفسه.

مال لايمر قليلًا إلى الأمام.

ثم قال بهدوء:

“ماذا حدث بعد ذلك؟”

---

ابتلع الشاب ريقه بصعوبة.

ثم بدأ يتحدث مجددًا بصوت خافت:

“بعد أيام…”

“بدأ غرباء آخرون بالوصول إلى القرية.”

رفع عينيه نحو لايمر.

“كانوا يشبهون الرجل الذي جاء مع الشيخ.”

“الرداء الأبيض نفسه.”

“الوجوه المخفية نفسها.”

“حتى طريقة مشيهم كانت… متشابهة.”

توقف للحظة.

ثم أكمل:

“لم يكونوا كثيرين.”

“لكن كلما وصل واحد جديد…”

“شعرت القرية وكأنها أصبحت أهدأ.”

---

“أهدأ؟”

سأل لايمر.

هز الشاب رأسه ببطء.

“نعم…”

“هادئة بشكل مخيف.”

“حتى الحيوانات توقفت عن إصدار الأصوات ليلًا.”

---

بدأت الرياح تضرب نوافذ الخيمة بعنف خفيف بينما استمر الشاب بالكلام.

“الغريب…”

“أن أهل القرية رحبوا بهم بحماس.”

“بل… بحماس مبالغ فيه.”

“كانوا يقدمون لهم الطعام.”

“الهدايا.”

“حتى الأطفال صاروا يركضون خلفهم كأنهم قديسون.”

ثم ضحك الشاب فجأة.

ضحكة قصيرة مكسورة.

“أتذكر أن امرأة عجوزًا أعطت أحدهم خاتم زواجها…”

“وقالت إنها لا تحتاج شيئًا دنيويًا بعد الآن.”

---

شعر لايمر بانقباض خفيف داخل صدره.

ثم قال:

“وماذا كانوا يفعلون؟”

---

ساد الصمت للحظة.

وكأن الشاب لم يكن يريد تذكر ما سيقوله.

ثم همس:

“طقوس…”

“طقوس غريبة.”

---

رفع لايمر حاجبه.

لكن الشاب أكمل قبل أن يسأله:

“في البداية ظننتها مجرد خرافات قروية.”

“لكن…”

“كل يوم كانت تصبح أسوأ.”

---

أغمض عينيه للحظة.

ثم قال:

“في إحدى الليالي…”

“طلبوا من أهل القرية جمع كل المرايا.”

“كل مرآة.”

“حتى الصغيرة منها.”

“ثم حطموها جميعًا وسط الساحة.”

“وعندما سأل أحدهم عن السبب…”

فتح عينيه ببطء.

“قال الرجل ذو الرداء الأبيض إن الانعكاسات تكذب.”

---

ساد الصمت.

حتى لايمر لم يجد تعليقًا.

---

“وفي ليلة أخرى…”

تابع الشاب.

“أمروا النساء بقص شعورهن بالكامل.”

“ثم دفنوها قرب الضريح.”

“قالوا إن الشعر يحتفظ بأجزاء من الروح.”

---

بدأ صوت أنفاسه يضطرب تدريجيًا.

لكنه أكمل:

“ثم بدأوا بطقس أسوأ…”

“كانوا يوقظون الناس قبل الفجر.”

“ويجبرونهم على الوقوف لساعات داخل الدائرة المرسومة بالدم.”

“صامتين.”

“دون حركة.”

“دون كلام.”

“فقط ينظرون نحو ذلك الشيء الجالس وسط الضريح.”

---

ابتلع ريقه.

ثم همس:

“وكلما طال نظرهم إليه…”

“كانوا يتغيرون أكثر.”

---

شعر لايمر أن الهواء داخل الخيمة أصبح أثقل.

فسأل أخيرًا:

“كيف يتغيرون؟”

---

رفع الشاب عينيه نحوه ببطء.

وكان في نظرته خوف حقيقي.

خوف رجل رأى بشرًا يفقدون شيئًا لا يمكن استعادته.

“كانوا يصبحون…”

توقف.

كأنه يبحث عن كلمة مناسبة.

“أقل بشرية.”

---

ساد الصمت.

ثم أكمل بصوت مرتجف:

“تخيل أن ترى والدتك…”

“تنظر إليك…”

“لكن تشعر أنها لم تعد تعرف معنى أن تكون أمًا.”

---

ارتجفت يداه.

“الناس كانوا يبتسمون كثيرًا.”

“أكثر مما ينبغي.”

“لكن أعينهم…”

“كانت فارغة.”

---

قال لايمر بهدوء:

“ولماذا تعتقد أنك الوحيد الذي بقي طبيعيًا؟”

---

هنا…

تغير تعبير الشاب.

وبدا وكأنه لم يسأل نفسه هذا السؤال من قبل.

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.

ثم قال:

“لا أعرف.”

خفض رأسه.

“ولم أكن الوحيد تمامًا.”

“معظم الشباب لم نتأثر مثل البقية.”

“أو ربما…”

“تأثرنا ببطء فقط.”

---

ثم ضحك ضحكة قصيرة يائسة.

“كنا خائفين.”

“لكننا لم نملك القوة لفعل شيء.”

“الشيخ كان يسيطر على الجميع.”

“والغرباء البيض…”

رفع عينيه نحو لايمر مجددًا.

“لم يكونوا حتى بحاجة لاستخدام العنف.”

---

“وهذا أكثر ما أرعبني.”

قالها هذه المرة بثقة حقيقية.

“لو كانوا وحوشًا…”

“أو قتلة…”

“لفهمناهم.”

“لكنهم لم يجبروا أحدًا.”

“الناس كانوا يطيعونهم بإرادتهم.”

---

شعر لايمر بقشعريرة باردة تسير عبر ذراعه.

فأكمل الشاب:

“بدأنا نحن الشباب ننتظر فقط.”

“ننتظر شيئًا سيئًا.”

“كنا متأكدين أن كل هذا لن ينتهي بخير.”

“لكننا لم نعرف متى سيحدث.”

---

توقف.

ثم رفع عينيه ببطء.

وكانت نظرته هذه المرة فارغة تمامًا.

“ثم حدث.”

---

في تلك اللحظة…

شعر لايمر بذلك الإحساس مجددًا.

ذلك الإحساس الذي يسبق سقوط الإنسان داخل شيء لا يفهمه.

لأن ما كان يسمعه…

لم يعد يشبه قصة عن جريمة.

بل بدا كأنه بداية انهيار فكرة كاملة اسمها:

> الواقع.

2026/06/25 · 0 مشاهدة · 1222 كلمة
Sr.hhhhhhhhh
نادي الروايات - 2026