ظل هايجي واقفًا أمام الركام حتى بدأ الغبار يهبط.
لم يعد المنزل منزلًا.
اختفت واجهته، وانطوت أجزاء السقف فوق بعضها، وتحولت النوافذ التي دخلا منها قبل وقت قصير إلى فتحات سوداء بين كتل الحجر والخشب.
لم يكن يسمع شيئًا.
لا خطوات.
لا صوت خشب يتحرك.
لا سعال.
ولا صوت ساي.
أغمض عينيه لثانية، ثم فتحهما سريعًا.
هايجي: <ساي!>
لم يجبه أحد.
اندفع إلى الأمام.
أمسك قطعة خشب طويلة بارزة من الركام، وشدها بكلتا يديه.
لم تتحرك.
ثبت قدمه بين حجرين، وشد من جديد.
صدر صوت احتكاك خشن.
تحركت القطعة مقدارًا ضئيلًا.
تسارع تنفسه.
هايجي: <هيا...>
شد أكثر.
انزلقت يده.
جرح الخشب راحة كفه.
نظر إلى الدم لحظة واحدة فقط، ثم عاد وأمسك القطعة.
هايجي: <هيا!>
تحركت.
سحبها حتى سقطت إلى جانبه.
انحنى مباشرة نحو الحجارة التي كانت تحتها.
رفع واحدة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
كانت صغيرة.
أما ما خلفها فكان أكبر من أن يحركه.
أدخل أصابعه في الفراغ بين حجرين وحاول سحب أحدهما.
اهتزت ذراعاه.
لم يتحرك الحجر.
هايجي: <ساي! إن كنت تسمعني، اضرب أي شيء!>
انتظر.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاثًا.
لا شيء.
خفض رأسه قرب فتحة ضيقة بين الحجارة.
هايجي: <ساي؟>
لم يأتِ سوى هواء بارد محمل بالغبار.
تراجع.
ثم اقترب من جهة أخرى.
هايجي: <ساي!>
كانت حنجرته بدأت تؤلمه.
ركض حول الركام يبحث عن مدخل آخر.
الجهة الشمالية انهارت بالكامل.
أما الجزء الخلفي من المنزل فبقي جزء من جداره قائمًا، لكنه مال إلى الخارج بطريقة جعلت الاقتراب منه خطرًا.
وجد نافذة سفلية نصف مدفونة.
بدأ يزيح التراب والحجارة من أمامها.
انهار حجر صغير من الأعلى قرب كتفه.
توقف.
رفع رأسه.
كان الجدار فوقه يتحرك.
تذكر صوت ساي.
اخرج.
رجع خطوة.
لكن نظره بقي على النافذة.
اقترب مرة أخرى.
هايجي: <سأخرجك.>
لم يكن يتحدث إلى أحد يراه.
ربما كان يتحدث إلى نفسه.
ربما كان يريد سماع الجملة فقط.
مد يده مجددًا.
وفي اللحظة التي لمس فيها الحجر الأول، انزلقت كتلة من الجدار وسقطت أمامه بعنف.
تراجع مذعورًا.
ضرب الغبار وجهه.
سعل.
ابتعد خطوتين.
ثم عاد.
هايجي: <لن أتركك.>
بدأ يحفر بيديه.
---
لم يعرف كم مضى من الوقت.
كان يرفع ما يستطيع رفعه، ثم ينتقل إلى مكان آخر، ثم يعود إلى المكان الأول وكأنه يتوقع أن يتغير شيء لمجرد أنه عاد إليه.
امتلأت أظافره بالتراب.
انفتح جرح آخر في إصبعه.
كانت ركبتاه تؤلمانه من الجلوس فوق الحجارة.
لكنه لم يتوقف.
حتى سمع صوتًا بعيدًا.
مجهول: <هناك!>
رفع هايجي رأسه.
ظهر رجلان بين الأشجار.
خلفهما ثالث.
ثم رابع.
كان أحدهم يحمل فأسًا، وآخر حبلًا ملفوفًا حول كتفه.
ركض أولهم نحوه.
مجهول: <ابتعد عن الركام!>
هايجي: <ساي هناك!>
حاول الرجل الإمساك بكتفه.
تراجع هايجي.
هايجي: <إنه هناك! ساعدوني!>
نظر الرجال إلى المنزل المنهار.
ثم إلى هايجي.
مجهول: <أين كان؟>
اقترب هايجي بسرعة، وأشار بيد مرتجفة إلى الجزء الأوسط.
هايجي: <هناك... كان في الردهة... ثم سقط العمود عليه، وبعدها خرجت لأجلب المساعدة، ثم...>
اختنق صوته.
أشار إلى الركام.
هايجي: <ثم انهار كل شيء.>
اقترب رجل آخر من الأنقاض، لكنه لم يصعد فوقها مباشرة.
فحص الجدار المائل.
ثم الأرض.
مجهول: <لا يدخل أحد قبل أن نثبت الجانب الغربي.>
هايجي: <لا يوجد وقت!>
التفت الرجل إليه.
مجهول: <إن دخلنا الآن وانهار الجزء الباقي، فلن نستطيع إنقاذ أحد.>
هايجي: <لكن ساي—>
مجهول: <أعلم.>
هايجي: <لا، أنت لا تعلم! هو هناك!>
اندفع هايجي نحو الركام.
أمسكه الرجل الأول هذه المرة من ذراعيه.
هايجي: <اتركني!>
مجهول: <اهدأ!>
هايجي: <اتركني!>
حاول الإفلات.
ضرب بقدمه الأرض.
التوى بجسده.
لكن الرجل كان أقوى منه بكثير.
هايجي: <ساي ينتظرني! قلت له إنني سأعود!>
توقف الرجل لحظة.
لم يتركه.
لكن قبضته خفت قليلًا.
هايجي: <قلت له إنني سأعود...>
انخفض صوته.
ثم عاد يصرخ:
هايجي: <لذلك دعني أذهب!>
مجهول: <لن تذهب وحدك. سنخرجه.>
هايجي: <متى؟>
مجهول: <حالما يصبح الاقتراب ممكنًا.>
هايجي: <هذا ليس جوابًا!>
وصل المزيد من أهل ميلورا.
كان بعضهم يحمل أدوات.
آخرون جاءوا مسرعين بلا شيء.
ثم ظهر ريو بين الأشجار.
توقف حين رأى المنزل.
اختفى اللون من وجهه.
ريو: <ما الذي حدث؟>
نظر إليه هايجي.
وفجأة لم يعد الرجل الذي يمسكه هو أكثر شخص يثير غضبه.
هايجي: <أنت.>
نظر ريو إليه.
هايجي: <أنت أخبرته عن المكان.>
ريو: <ماذا؟>
هايجي: <قلت له إن هناك بيتًا قديمًا هنا.>
ريو: <أنا لم أقل لكما أن تدخلا!>
هايجي: <لكنك قلت إن فيه أشياء قديمة!>
ريو: <كنت أتكلم فقط! لم أعرف أنكما ستأتيان!>
هايجي: <ساي جاء بسببك!>
صرخ ريو:
ريو: <وأنت جئت معه!>
ساد الصمت.
حتى هايجي توقف.
كأن الجملة أصابته في مكان لم يكن مستعدًا له.
أنزل نظره.
نعم.
هو جاء معه.
هو دخل.
هو لم يعد إلى القرية ليخبر أحدًا قبل الدخول.
هو وافق.
رفع هايجي عينيه ببطء.
لم يعد غاضبًا من ريو وحده.
ولأول مرة منذ انهيار المنزل، بدأ شيء أثقل من الخوف يضغط على صدره.
الذنب.
---
استمر البحث حتى غابت الشمس.
ثبت الرجال الجزء المتبقي من الجدار بالحبال والأخشاب.
بدأوا بإزالة الحجارة من نقطة قريبة من المكان الذي وصفه هايجي.
رفض العودة إلى ميلورا.
جلس على الأرض بعيدًا عنهم عدة أمتار، وركبتاه مضمومتان إلى صدره.
كلما تحركت قطعة حجر رفع رأسه.
كلما نادى أحد الرجال شخصًا وقف.
كلما سمع صوتًا من داخل الركام ركض خطوتين قبل أن يكتشف أنه مجرد احتكاك خشب.
مع حلول المساء، جاءت امرأة مسرعة من الطريق بين الأشجار.
لم يرها هايجي في البداية.
سمع صوتها فقط.
والدة هايجي: <هايجي!>
رفع رأسه.
كانت أمه تركض نحوه.
لم تنتظر أن يصل إليها.
ركعت أمامه، وأمسكت وجهه بكلتا يديها.
والدة هايجي: <هل أنت مصاب؟>
لم يجب.
نظرت إلى يديه.
الدم.
التراب.
الخدوش.
والدة هايجي: <يا إلهي...>
حاولت تفحص ذراعه.
سحب هايجي يده.
هايجي: <أنا بخير.>
والدة هايجي: <يداك تنزفان.>
هايجي: <ساي هناك.>
توقفت.
نظرت إلى الركام.
ثم إلى ابنها.
والدة هايجي: <سمعت.>
هايجي: <سيخرجونه.>
لم تجبه.
هايجي: <قالوا إنهم سيخرجونه.>
والدة هايجي: <نعم.>
هايجي: <إذن سأنتظر.>
جلست إلى جواره.
والدة هايجي: <حسنًا.>
نظر إليها.
كان يتوقع أن تأمره بالعودة.
أن تسحبه.
أن تقول إن المكان خطر.
لكنها لم تفعل.
جلست فقط.
---
بعد قليل وصلت والدة ساي.
لم تركض.
كانت تسير بسرعة، لكن خطواتها كانت متقطعة كما لو كانت لا تعرف إن كانت تريد الوصول أم تخشى ما ستراه حين تصل.
توقفت عند أطراف الموقع.
نظر أحد الرجال إليها.
ثم خفض عينيه.
لم يقل شيئًا.
ذلك وحده كان كافيًا ليجعلها تعرف أن ساي لم يُخرج بعد.
اقتربت من هايجي.
كان جالسًا قرب أمه.
رفعت عينيها إلى وجهه.
والدة ساي: <هايجي.>
وقف ببطء.
لم يعرف ماذا يقول.
لم يستطع حتى النظر إليها طويلًا.
والدة ساي: <هل كان معك؟>
أومأ.
والدة ساي: <ماذا حدث؟>
فتح فمه.
لكن الكلمات لم تخرج.
نظرت أمه إليه.
ثم إلى والدة ساي.
والدة هايجي: <ليس الآن.>
لكن هايجي هز رأسه.
هايجي: <دخلنا المنزل.>
ارتجفت أصابعه.
هايجي: <انهار السقف... سقط عليه جزء من الخشب والحجارة... حاولت أن أرفعه...>
بدأ صوته يضعف.
هايجي: <لم أستطع.>
نظرت إليه والدة ساي بصمت.
هايجي: <قال لي أن أخرج وأجلب أحدًا.>
ابتلع ريقه.
هايجي: <خرجت.>
توقفت الكلمات.
خفض رأسه.
هايجي: <ثم انهار البيت.>
لم تتحرك والدة ساي.
هايجي: <أنا آسف.>
قالها بصوت منخفض جدًا.
والدة ساي: <على ماذا؟>
رفع عينيه إليها.
هايجي: <لأنني تركته.>
تغير وجهها.
والدة ساي: <لا تقل ذلك.>
هايجي: <لكني فعلت.>
والدة ساي: <ذهبت لتجلب المساعدة.>
هايجي: <كان يجب أن أبقى.>
والدة ساي: <ولو بقيت، ربما كنت تحت الحجارة معه الآن.>
هايجي: <كان هذا أفضل.>
والدة هايجي: <هايجي!>
لكن والدة ساي رفعت يدها قليلًا.
ظلت تنظر إليه.
والدة ساي: <لا تقل ذلك مرة أخرى.>
لم يكن صوتها مرتفعًا.
لكن هايجي شعر بثقله.
والدة ساي: <إن كان ساي هو من طلب منك الخروج، فلا تجعل قراره بلا معنى.>
توقفت.
ثم نظرت نحو المنزل.
والدة ساي: <ذلك الفتى...>
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة.
والدة ساي: <يفكر أحيانًا أسرع مما ينبغي.>
ظهرت في ذهن هايجي صورة ساي وهو يركض قبل أن يقول ثلاثة.
كاد يضحك.
لكن صدره انقبض بدلًا من ذلك.
---
استمر البحث حتى منتصف الليل.
لم يجدوا ساي.
وجدوا قطعة من سترته.
وحجرًا عليه أثر دم.
وجزءًا من العصا الخشبية التي حملها صباح ذلك اليوم.
لكنهم لم يجدوا جسده.
في النهاية، اضطر الرجال إلى التوقف.
الجزء الأوسط من المنزل كان غير مستقر، وكل محاولة لإزالة حجر كانت تحرك ما فوقه.
مجهول: <سنعود مع أول ضوء.>
وقف هايجي فورًا.
هايجي: <لماذا تتوقفون؟>
مجهول: <لا نستطيع الرؤية جيدًا، والمصابيح لا تكفي داخل الفتحات.>
هايجي: <يمكنكم استخدام المزيد.>
مجهول: <ليست المشكلة في الضوء وحده.>
هايجي: <إذن ماذا؟>
مجهول: <التعب.>
نظر الرجل إلى العمال حوله.
مجهول: <إن أخطأ شخص الآن، قد ينهار الجزء كله.>
هايجي: <لكنه هناك منذ ساعات!>
مجهول: <أعلم.>
هايجي: <تقولون جميعًا إنكم تعلمون!>
ارتفع صوته.
هايجي: <لكنكم تتوقفون!>
أمسكت أمه بكتفه.
هايجي: <لو كان ابن أحدكم هناك لما توقفتم!>
ساد الصمت.
لم يرد أحد.
ربما لأن بعضهم كان يعرف أنه محق جزئيًا.
وربما لأنهم كانوا يعرفون أنه مخطئ.
وربما لأن لا أحد أراد أن يجادل فتى في العاشرة بينما صديقه تحت منزل منهار.
أبعد هايجي يد أمه.
ثم جلس على الأرض.
هايجي: <سأبقى هنا.>
والدة هايجي: <لن تبقى حتى الصباح.>
هايجي: <سأبقى.>
والدة هايجي: <هايجي.>
هايجي: <قلت له إنني سأعود.>
انحنت أمامه.
والدة هايجي: <وعدت ساي أن تجلب المساعدة. وقد فعلت.>
هايجي: <لم أخرجه.>
والدة هايجي: <ليس كل ما يحدث تستطيع إصلاحه بيديك.>
رفع رأسه إليها.
هايجي: <إذن لماذا نتعلم؟>
توقفت.
هايجي: <لماذا يتدرب أبي؟ لماذا يحمل الناس السيوف؟ لماذا يصبحون مستكشفين؟ إذا جاء وقت يحتاجك فيه أحد ولا تستطيع فعل شيء، فما الفائدة؟>
لم تجد أمه جوابًا سريعًا.
وهذا أغضبه أكثر.
وقف.
ثم مشى بعيدًا عن الجميع.
---
في الصباح، عاد البحث.
وفي اليوم الثاني استمر.
وفي اليوم الثالث أزالوا الجزء الأكبر من الردهة.
لم يجدوا ساي.
لم يجدوا جسدًا.
لم يجدوا أثرًا واضحًا لمكان يمكن أن يكون قد خرج منه.
فقط انهيار فوق انهيار.
أخبر بعض الرجال والدة ساي أن هناك احتمالًا صغيرًا بأن يكون جزء من الأرض قد انهار إلى الأسفل.
لكن الوصول إليه كان يحتاج إلى معدات ورجال أكثر خبرة.
لم يفهم هايجي كل ما قيل.
فهم شيئًا واحدًا فقط.
لم يجدوه.
في اليوم الرابع، منعوه من الذهاب معهم.
ظل واقفًا عند باب منزله حين خرج الرجال صباحًا.
والدة هايجي: <ادخل.>
هايجي: <سأنتظر هنا.>
والدة هايجي: <قد يعودون مساءً.>
هايجي: <أعرف.>
جلس عند العتبة.
مرّت ساعة.
ثم اثنتان.
ثم ثلاث.
حين عاد الرجال، وقف قبل أن يصلوا.
بحث في وجوههم.
لم يحتج إلى السؤال.
أحدهم هز رأسه فقط.
عاد هايجي إلى الداخل.
---
بدأت الأيام تتحرك من جديد رغمًا عنه.
وهذا أكثر ما أزعجه.
كانت الشمس تشرق.
تفتح المتاجر.
يتجادل الناس في السوق.
يركض الفتيان في الأزقة.
تصل العربات.
ويُقرع الجرس حين يعود المستكشفون.
كأن شيئًا لم يحدث.
في الأسبوع الأول، لم يخرج هايجي إلا قليلًا.
كان يجلس قرب نافذته.
يمسك العصا الخشبية التي كان يتدرب بها.
ثم يتركها.
في أحد الصباحات، سمع فتيين يركضان تحت نافذته.
ضحكة.
خطوات.
ثم صوت أحدهما:
مجهول: <لن تلحق بي!>
تجمد هايجي.
عاد إليه الطريق.
الجسر.
الدلو.
ضحكة ساي.
أغلق النافذة بعنف.
---
في المساء، وضعت أمه الطعام أمامه.
ظل ينظر إليه.
والدة هايجي: <لم تأكل منذ الظهر.>
هايجي: <لست جائعًا.>
والدة هايجي: <قلت ذلك في الظهر أيضًا.>
هايجي: <لأنني لم أكن جائعًا.>
جلست أمامه.
لم تقل شيئًا لبعض الوقت.
والدة هايجي: <والد ساي لم يعد أيضًا.>
رفع هايجي عينيه إليها.
والدة هايجي: <وأمه تنتظر الآن شخصين بدل شخص واحد.>
خفض هايجي نظره.
والدة هايجي: <هي لا تحتاج أن ترى صديق ابنها يهلك نفسه أمامها كل يوم.>
هايجي: <أنا لا أفعل شيئًا.>
والدة هايجي: <هذا هو ما يقلقني.>
صمت.
دفعت الطبق نحوه قليلًا.
والدة هايجي: <كُل.>
هايجي: <لا أريد.>
والدة هايجي: <نصفه.>
هايجي: <لا.>
والدة هايجي: <ثلاث ملاعق.>
نظر إليها.
والدة هايجي: <لن أجادلك في الرابعة.>
ظل ساكتًا.
ثم أخذ الملعقة.
أكل.
مرة.
ثانية.
ثالثة.
وضعها.
هايجي: <انتهيت.>
أخذت أمه الطبق.
والدة هايجي: <غدًا أربع.>
نظر إليها باستغراب بسيط.
ابتسمت.
لأول مرة منذ أيام، شعر بشيء قريب من الرغبة في الابتسام.
لكنه لم يفعل.
---
بعد أسبوعين، ذهب إلى منزل ساي.
وقف أمام الباب فترة طويلة قبل أن يطرق.
فتحت له والدته.
نظرت إليه.
ثم فتحت الباب أكثر.
والدة ساي: <ادخل.>
كان المنزل كما يتذكره.
الحذاء القديم قرب الباب.
الكوب الذي كان ساي يفضله.
قطعة قماش معلقة بطريقة سيئة.
لكن المكان كان أكثر هدوءًا.
دخل هايجي إلى غرفة ساي.
لم تتغير كثيرًا.
كان صندوقه مفتوحًا.
وعلى الطاولة عدد من الأوراق.
اقترب.
رأى خريطة غير دقيقة لميلورا.
خطوط.
أسهم.
علامات.
وعند زاوية الورقة كلمتان:
طريق أبعد.
توقف هايجي.
مد يده.
لمس الورقة.
تذكر التلة.
الجبل.
اليد الممدودة.
إن توقف أحدنا، يكمل الآخر.
سحب يده بسرعة.
والدة ساي: <كان يكتب كثيرًا في الأيام الأخيرة.>
التفت إليها.
كانت واقفة عند الباب.
والدة ساي: <كل مرة يسمع فيها عن طريق، يرسمه حتى لو لم يره.>
هايجي: <خرائطه سيئة.>
قالها دون أن يفكر.
ثم توقف.
نظرت إليه.
وللحظة، ظهرت ابتسامة على وجهها.
والدة ساي: <أعرف.>
ضحك هايجي.
لم تكن ضحكة كاملة.
خرجت قصيرة.
مترددة.
ثم اختفت.
لكنها خرجت.
جلس على طرف السرير.
هايجي: <كان يقول إنها دقيقة.>
والدة ساي: <كان يقول لي الشيء نفسه.>
هايجي: <وكان يرسم الأزقة بعكس اتجاهها.>
والدة ساي: <وأخبرني مرة أن النهر جنوب المنزل.>
رفع هايجي عينيه.
هايجي: <النهر شماله.>
والدة ساي: <أعرف.>
هذه المرة ضحك الاثنان.
ثم انقطعت ضحكة هايجي فجأة.
نظر إلى الورقة.
هايجي: <نسيت أن أضحك.>
جلست والدة ساي على المقعد القريب.
والدة ساي: <لا.>
هايجي: <ماذا؟>
والدة ساي: <لم تنس.>
نظر إليها.
والدة ساي: <كنت خائفًا من أن تفعل.>
لم يجب.
والدة ساي: <الضحك لا يعني أنك نسيته.>
عاد صمته.
---
مر شهر.
بدأ هايجي يخرج أكثر.
في البداية إلى السوق فقط.
ثم إلى الجسر.
ثم إلى التلة.
لكنه لم يعد يمسك العصا.
كان يمر قرب ساحة التدريب ويتابعها لثوانٍ، ثم يكمل طريقه.
حين يعود المستكشفون إلى ميلورا، لم يعد يذهب لرؤيتهم.
كان يفهم الآن لماذا كان ساي يبتعد.
وذات يوم، حين سمع الجرس، توقف في الطريق.
نظر نحو الشمال.
وفكر:
هل كان ساي سيذهب لو كان هنا؟
عرف الإجابة.
كان سيقول لا.
ثم بعد دقيقة سيغير رأيه.
ثم سيجر هايجي معه وهو يتظاهر أن الفكرة لم تكن فكرته.
خرجت ابتسامة صغيرة على وجهه.
ثم اختفت.
---
بعد ثلاثة أشهر من الحادثة، عاد هايجي إلى التلة وحده.
جلس في المكان نفسه.
السماء صافية.
الجبال في مكانها.
ميلورا تحتها كما كانت.
أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.
كانت قطعة من العصا الخشبية التي وجدوها في المنزل.
أمسكها بين أصابعه.
هايجي: <كنت تكذب كثيرًا.>
لم ينتظر جوابًا.
هايجي: <قلت إنك ستنتظر.>
شد قبضته حول القطعة.
هايجي: <وقلت إنك ستصل قبلي.>
تنفس ببطء.
هايجي: <وحتى في ذلك السباق... لم تصل إلى الباب.>
ضحك بخفة.
ثم انخفض رأسه.
بقي ساكتًا فترة طويلة.
وحين رفع عينيه، لم ينظر إلى القرية.
نظر إلى الجبال.
وتذكر الوعد للمرة الأولى من دون أن يشعر أنه يخنقه.
إن توقف أحدنا، يكمل الآخر.
لم يكن يريد أن يكمل.
هذه الحقيقة بقيت كما هي.
لم يشعر فجأة بالشجاعة.
لم يستعد شغفه في لحظة.
ولم تتغير الدنيا لأن فتى تذكر وعدًا.
لكنه أدرك شيئًا.
إن بقي جالسًا هكذا إلى الأبد، فلن يعرف حتى إلى أين كان ساي يريد أن يصل.
رفع القطعة الخشبية أمامه.
هايجي: <لن أعدك أنني سأكون جيدًا في هذا.>
سكت.
هايجي: <ولن أعدك أنني لن أتوقف مرة أخرى.>
نظر إلى الجبال.
هايجي: <لكنني سأحاول.>
كانت تلك أول مرة منذ الحادثة يقول فيها شيئًا عن المستقبل.
---
بعد أسبوع، مرّ هايجي قرب لوحة إعلانات صغيرة قرب السوق.
لم يكن ينوي التوقف.
لكن ورقة جديدة علقت على طرفها.
كان عنوانها بسيطًا:
فتح التسجيل للتدريب الأساسي للفتيان الراغبين في تعلم مبادئ الاستكشاف.
توقف.
قرأها.
المكان لم يكن بعيدًا.
مبنى قديم عند الطرف الجنوبي من ميلورا.
الرسوم قليلة.
التدريب محدود.
الأسلحة الأساسية.
اللياقة.
المسارات البرية.
مبادئ النجاة.
لم تكن أكاديمية مشهورة.
حتى كلمة أكاديمية بدت أكبر من المبنى المرسوم في أسفل الورقة.
ظل هايجي واقفًا أمام الإعلان.
مجهول: <هل ستسجل؟>
التفت.
كان ريو يقف على بعد خطوات.
لم يتحدثا كثيرًا منذ الحادثة.
هايجي: <لا أعرف.>
ريو: <كنت تكرهني.>
هايجي: <كنت غاضبًا.>
ريو: <هذا يعني أنك لا تكرهني الآن؟>
فكر هايجي.
هايجي: <لا أعرف.>
ابتسم ريو ابتسامة صغيرة.
ريو: <إجابة عادلة.>
نظر هايجي إلى الإعلان مرة أخرى.
ريو: <ساي كان سيسجل.>
تجمدت عينا هايجي.
ريو: <كان يسألني عن هذا المكان قبل الحادثة.>
التفت إليه بسرعة.
هايجي: <لماذا لم تخبرني؟>
ريو: <لأنني لم أرَك منذ مدة طويلة إلا وأنت تنظر إلى الأرض.>
سكت هايجي.
ريو: <ولا أقول لك أن تسجل بسببه.>
نظر إلى الإعلان.
ريو: <افعلها إن كنت أنت تريد.>
ثم غادر.
ظل هايجي مكانه.
قرأ الورقة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وفي المساء، عاد إلى منزله وهو يحمل نسخة منها.
وضعتها أمه على الطاولة.
قرأت العنوان.
رفعت نظرها إليه.
والدة هايجي: <هل تريد الذهاب؟>
جلس هايجي أمامها.
ظل صامتًا.
ثم قال:
هايجي: <أريد أن أجرب.>
لم تسأله إن كان متأكدًا.
لم تقل إن هذا سيسعد والده.
ولم تذكر ساي.
ابتسمت فقط.
والدة هايجي: <إذن جرّب.>
نظر هايجي إلى الورقة.
لم يشعر بالحماس.
ليس بعد.
لكن للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر، كان هناك طريق أمامه.
طريق قصير.
متواضع.
لا يمتد إلى الجبال.
ولا إلى الأماكن التي حلم بها مع ساي.
بل إلى مبنى قديم عند الطرف الجنوبي من ميلورا.
وكان ذلك كافيًا كبداية.
شكرا لوقتك💙