في غضون ساعات قليلة من مقتل داريوس الأحدب وطاقمه بالكامل، انتشر الخبر في جزيرة الأشواك كالنار في الهشيم.
"سمعت؟ شخص ما قتل داريوس!"
"كل رجاله! ثمانية وعشرون رجلاً!"
"في مطعم! بشوكة طعام!"
"شاب صغير..."
الهمسات كانت تملأ كل زاوية. في الحانات، في الأسواق، في الشوارع الضيقة. الناس كانوا يتحدثون بصوت منخفض، خائفين. البعض كان يحدق في الاتجاه الذي سمع أن القاتل سار فيه. البعض الآخر كان يغلق أبوابه خوفاً من أن يكون الصبي الغريب لا يزال في الجوار.
داريوس لم يكن قرصاناً عادياً. كان واحداً من أشهر القراصنة في الأزرق الجنوبي. مكافأته سبعة وعشرون مليون بيلي. كان معروفاً بقسوته، بوحشيته. لقد جاء لهذه الجزيرة قبل بضعة أسابيع وبقوته وضع موطئ قدم لنفسه.
والآن، مات بدون ضجة. على يد شاب لا يعرفه أحد.
بابلو سمع الهمسات وهو يمشي. كان يمر بجانب الناس فيرى كيف يتوقفون عن الكلام عندما يقترب. يرى كيف يخفضون أعينهم، كيف يبتعدون عن طريقه.
شعر بشيء.
شعور دافئ انتشر في صدره. ليس غروراً سطحياً. كان أعمق من ذلك. كان إحساساً بالقوة الحقيقية. كان يرى في عيونهم الخوف. كانوا ينظرون إليه كأنه إله صغير يمشي بينهم.
أعجبه هذا.
أعجبه كيف أن مجرد حضوره كان كافياً لإسكات الشارع. أعجبه كيف كانوا يخفضون رؤوسهم، كيف كانت خطواتهم تصبح أسرع عندما يمر بجانبهم.
كان هذا هو العالم الذي أراده. عالم حيث القوة هي اللغة الوحيدة. عالم حيث لا أحد يجرؤ على النظر في عينيك.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
"هكذا يجب أن يكون الأمر." قال لنفسه.
---
بدأ يتجول في الجزيرة بعيون مختلفة. لم يعد يبحث عن طعام أو مأوى. كان يريد أن يرى كيف تدبر الأمور في هذه الجزر الفوضوية.
لاحظ الفوضى.
لم تكن جزيرة الأشواك تحكمها سلطة ما لا بحرية ولا شخص معين. لم يكن هناك ملك، ولا حاكم، ولا بحرية. كانت كل منطقة تحت سيطرة من يملك القوة. في أحد الأزقة، رأى مجموعة من الرجال المسلحين يقفون أمام متجر، يطالبون صاحبه بدفع "إتاوة" مقابل "الحماية". الرجل كان عجوزاً، يداه ترتجفان، وهو يعد العملات بأصابع مرتعشة.
في شارع آخر، رأى رجلين يتشاجران على بضاعة مسروقة. كانا يلكمان بعضهما بغضب، والناس يمرون بجانبهما كأنهما غير موجودين.
في الميناء، رأى سفناً راسية بشكل عشوائي. بعضها يحمل أعلام عصابات متناحرة. بحارة مسلحون يتجولون بثقة، ينظرون إلى الجميع بازدراء.
كل من لديه القليل من القوة كان يسيطر على منطقة ما.
"هكذا يعيشون." فكر بابلو. "الفوضى هي نظامهم. والقوة هي قانونهم."
نظر إلى العجوز الذي كان يعد العملات. كان خائفاً، مستسلماً، لا حول له ولا قوة.
ابتسم بابلو.
"هذا هو مصير الضعفاء." فكر. "وهذا هو مصيري إن لم أصبح أقوى."
أدار ظهره. أكمل طريقه. لم يشعر بالشفقة. لم يشعر بالحزن. شعر فقط بالارتياح لأنه لم يكن مثلهم.
---
حل المساء. الشمس بدأت تغرب، والسماء تحولت إلى برتقالي وأحمر. كان الوقت قد حان للعشاء.
دخل بابلو مطعماً صغيراً في شارع جانبي.
دفع الباب. دخل.
المطعم كان صغيراً، دافئاً، فيه بضع طاولات فقط. كان هناك زبائن قليلون يأكلون ويشربون بهدوء.
عندما دخل بابلو، تغير الجو. الصمت حلّ فجأة.
الزبائن نظروا إليه. كلهم. رأوا وجهه. رأوا ملابسه السوداء. رأوا هدوءه. عرفوا من هو. أحدهم كان قد رآه في المطعم الآخر. همس لرفيقه. الكلمة انتقلت كالنار. في ثوانٍ، كان الجميع يعرف.
لا أحد جرؤ على النظر إليه مباشرة. العيون كانت تنظر إلى الأطباق، إلى النوافذ، إلى أي مكان آخر. لا أحد تكلم. المكان أصبح هادئاً كالمقبرة.
بابلو شعر بالصمت. شعر بنظراتهم الخائفة عليه.
نظر حوله. وجد طاولة في الزاوية. جلس. وضع حقيبته بجانبه.
النادل كان شاباً في العشرينات، نحيفاً، وجهه شاحب. كان يقف خلف المنضدة، يرتجف. لم يقترب.
انتظر بابلو. النادل لم يتحرك.
رفع يده، أشار إليه.
اقترب النادل بخطوات مترددة، كأنه يمشي على زجاج مكسور. كان يمسك بقائمة الطعام بيدين مرتجفتين.
"أ... أهلاً بك." قال بصوت مبحوح. "م... ماذا تريد؟"
بابلو نظر إليه. رأى الخوف في عينيه. رأى الرجفة في يديه.
ابتسم. ابتسامة باردة.
"قائمة الطعام." قال بصوت عادي.
أعطاه النادل القائمة بسرعة. تراجع إلى منضدته. بقي هناك يرتجف.
نظر بابلو إلى القائمة. طلب حساء، خبز، لحم مشوي. ونبيذ أحمر.
النادل أخذ الطلب إلى المطبخ. عاد بعد دقائق يحمل الطبق. وضع الطعام على الطاولة بسرعة، وهو ينحني برفق كأنه يضع قرابين لمذبح. ثم هرب إلى منضدته.
بابلو بدأ يأكل.
كان الطعام جيداً. الحساء دافئ. اللحم طري.
بين لقمة وأخرى، فكر.
في هذا العالم، القوة هي كل شيء. من يملك القوة، يملك الحق. ومن لا يملكها، ليس له صوت. الضعفاء يعيشون في خوف دائم. يخافون من القراصنة. يخافون من العصابات. يخافون من اد أي شخص أقوى منهم.
النادل لم يكن خائفاً منه لأنه فعل شيئاً خاطئاً. كان خائفاً لأنه كان قوياً. هذا كل شيء.
فكر بابلو. "القوة هي التي تمنحك كل شيء. الخوف هو أثمن عملة في هذا العالم."
أكمل أكله.
بعد أن انتهى، أخرج بعض العملات. وضعها على الطاولة. ثم نهض.
كل العيون تبعته.
مشى نحو الباب. لم يلتفت إلى الوراء.
خرج إلى الشارع المظلم. الهواء كان بارداً. النجوم كانت كثيرة في الس
ماء.
وقف لحظة. رفع عينيه إلى السماء.
"سأذهب إلى الحزام الهادئ." قال بصوت منخفض. "سأصل إلى الغراند لاين. سأصبح أقوى."