بعد أن قتل بابلو النشال على سطح المنزل، نزل إلى الشوارع المظلمة يواصل بحثه عن مكان يبيت فيه.

كان التعب قد بدأ يثقل جسده بعد خمسة عشر يوماً من الطيران، وبعد المطاردة والقتل. لم يعد يريد أي شيء سوى سرير ينام عليه ولو لساعات قليلة.

تجول في شوارع جزيرة الأشواك الضيقة. كانت الأنوار خافتة، والهواء بارداً، ورائحة الدخان والبارود لا تزال تملأ المكان. بعد عدة دقائق، رأى لافتة خشبية معلقة فوق باب مبنى من ثلاثة طوابق: "نزل المسافر".

دفع الباب. دخل. كان رجل عجوز يجلس خلف طاولة الاستقبال، بالكاد رفع رأسه ليرى الزبون. استأجر بابلو غرفة دون أي كلام غير ضروري. دفع المال، أخذ المفتاح، صعد الدرج.

الغرفة كانت صغيرة، متسخة، تفوح منها رائحة العفن. لكنها كانت أفضل من النوم على الصخور الباردة. ألقى حقيبته على الأرض، جلس على السرير لثانية، ثم استلقى.

نام في دقائق.

---

استيقظ بابلو مع شروق الشمس. الضوء البرتقالي كان يتسلل من النافذة الصغيرة المتسخة. نهض، غسل وجهه بالماء البارد، ارتدى ملابسه، علق مسدسه تحت حزامه، حمل حقيبته.

نزل الدرج، دفع المفتاح للرجل العجوز دون أن يتبادل معه كلمة، وخرج إلى شوارع جزيرة الأشواك في الصباح.

كانت الجزيرة مختلفة في النهار. الضوء كان يكشف الأوساخ على الجدران، والكتابات الغامضة، والناس النائمين في الزوايا على ورق مقوى بالٍ. الشوارع كانت ضيقة، متعرجة، تفوح منها رائحة القمامة والبارود. بابلو مشى ببطء، عيناه تلتقطان كل شيء.

وحان وقت الغداء.

توقف عند مطعم صغير ذي واجهة خشبية نظيفة نسبياً. رائحة الطعام كانت تفوح من داخله. دفع الباب. دخل.

المطعم كان متوسط الحجم، مزدحماً بالزبائن. لكن ما لفت انتباه بابلو لم يكن الديكور ولا قائمة الطعام. كان مجموعة من الرجال الجالسين على طاولات كبيرة في وسط المطعم.

كانوا حوالي ثمانية وعشرين رجلاً. بعضهم كان يحمل سيوفاً على ظهورهم، وبعضهم كان يضع بنادق على الطاولات بجانب أطباقهم. كانوا يضحكون بصوت عالٍ، ويشربون الخمر، ويأكلون بشراهة. كانوا يشغلون أكثر من نصف المطعم.

بابلو عرفهم.

في وسطهم، على رأس إحدى الطاولات، جلس رجل طويل القامة، شعره أسود طويل مربوط من الخلف، ووجهه مليء بالندوب. كان يرتدي معطفاً أحمر ممزقاً، وسيفاً طويلاً مستنداً على كتفه. كان يضحك بصوت عالٍ مع رجاله.

بابلو عرفه. كان قد رآه في ملصقات المطلوبين. اسمه "داريوس الأحدب". قائد "قراصنة الموجة الدموية". مكافأته سبعة وعشرون مليون بيلي. كان معروفاً في الأزرق الجنوبي بقسوته ووحشيته.

لم يهتم بابلو. نظر بعيداً، بحث عن طاولة خالية، وجد واحدة في الزاوية البعيدة. جلس. وضع حقيبته بجانبه. أشار إلى النادل.

"قائمة الطعام."

طلب بابلو أشهى الأطباق: لحم مشوي، حساء سمك، خبز طازج، وسلطة. ونبيذ أحمر.

بينما كان ينتظر، شعر بنظرات ثقيلة عليه.

رفع عينيه. رأى بعض القراصنة ينظرون إليه من طاولاتهم. كانوا يضحكون فيما بينهم. أحدهم، رجل ضخم أصلع بوجه مليء بالندوب، كان يميل على كرسيه وينظر إلى بابلو بازدراء. همس لرفاقه. ضحكوا بصوت عالٍ.

بابلو تجاهلهم. نظر من النافذة. كان يفكر في رحلته.

لكن القراصنة لم يتوقفوا.

بعد دقائق، وقف ثلاثة منهم. مشوا نحو طاولة بابلو. بدون إذن، جلسوا حوله. واحد أمامه، واثنان على جانبيه.

"مرحباً يا غريب." قال الرجل الأصلع. صوته كان خشناً، فيه نبرة استهزاء. "لاحظنا أنك وحدك. قررنا نشاركك الغداء."

لم يرد بابلو.

"ما اسمك؟" سأل أحدهم.

بابلو نظر إليه. لم يقل شيئاً.

"أصم؟" ضحك الثالث.

بدأوا في السخرية منه. قالوا إن ملابسه تبدو غريبة. إن وجهه يبدو كالنساء. إنه جبان لأنه لم يرد. بدأ أحدهم يمد يده نحو طبق اللحم الذي وضعه النادل لتوه على الطاولة.

"هذا يبدو شهياً. سنجربه نيابة عنك."

قبل أن تلمس أصابعه الطبق، قال بابلو بصوت هادئ، بارد، حاد:

"ابعد يدك عن طعامي."

توقفت يد الرجل في الهواء. نظر إلى بابلو. ثم ضحك بصوت عالٍ. "ماذا قلت؟"

"سمعتني."

"وإن لم أبتعد؟ ماذا ستفعل؟"

بابلو نظر إليه. لم يقل شيئاً. فقط تحركت يده بسرعة. أمسك شوكة الطعام من على الطاولة. غرزها في عنق الرجل من الجانب.

لم تكن حركة عنيفة. كانت سريعة، دقيقة، محسوبة. الشوكة دخلت من جهة العنق وخرجت من الجهة الأخرى. الدم بدأ يتدفق بغزارة.

سقط الرجل على الأرض. لم يتحرك. كان ميتاً.

ساد صمت تام في المطعم.

الرجلان الآخران الجالسان على جانب بابلو قفزا إلى الخلف. أيديهما ذهبت إلى أسلحتهما. لكنهما لم يهاجما. كانا مرعوبين. نظروا إلى جثة رفيقهم، ثم إلى بابلو، ثم إلى طاولة قائدهم.

كل القراصنة الثمانية والعشرين كانوا قد توقفوا عن الأكل والشرب. كانوا ينظرون إلى المشهد. أيديهم كانت على أسلحتهم. لكن أحداً لم يتحرك بعد.

نظروا إلى قائدهم.

كان "داريوس الأحدب" جالساً على رأس الطاولة الكبيرة. كان يضحك مع فتاة شابة تجلس على حجره، لم ينتبه لما جرى.

لكن الصمت المفاجئ جعله يرفع رأسه.

نظر حوله. رأى رجاله واقفين. رأى الجثة على الأرض. رأى الشوكة مغروسة في عنق الرجل. رأى بابلو جالساً بهدوء على طاولته، كأن شيئاً لم يحدث.

دفع الفتاة عن حجره برفق. وقف.

مشى نحو بابلو ببطء. رجاله فتحوا له الطريق.

وقف أمام الطاولة. نظر إلى جثة تابعه. ثم إلى بابلو.

"أنت قتلته."

لم يكن سؤالاً.

"هو لمس طعامي."

"هو لمس طعامك. فقتلته؟"

"حذرته. لم يسمع."

صمت القائد للحظة. كانت عيناه تحترقان غضباً. لكنه كان يحاول السيطرة على نفسه.

"هل تعرف من أنا؟"

"داريوس الأحدب. مكافأتك سبعة وعشرون مليوناً. قراصنة الموجة الدموية. سمعت عنكم."

ابتسم داريوس ابتسامة باردة. "إذاً أنت تعرفني. ومع ذلك قتلت رجلي."

"هو بدأ."

"هذا لا يهم. أنت أهنتني. أمام رجالي. في مطعم نأكل فيه."

"كان بإمكانه ألا يبدأ."

غضب داريوس من وقاحة هذا الصبي. لكنه لم يهاجم بنفسه. أشار لرجاله.

"اقتلوه."

تحرك القراصنة. ثمانية وعشرون رجلاً. بعضهم كان يحمل سيوفاً، وبعضهم بنادق، وبعضهم سكاكين. كانوا واثقين من النصر. كانوا يظنون أن التفوق العددي كافٍ.

ظنهم كان خطأ.

بابلو لم ينتظرهم. تحرك أولاً.

رفع يده. أطلق رصاصة رياح. اخترقت جبين أول قرصان كان يحمل بندقية. سقط ميتاً قبل أن يلمس الزناد.

انحنى. تفادى سيفاً كان يقطع نحو رأسه. أدار جسده. ركلة في صدر ثالث قرصان. سمع صوت أضلاع تتكسر. طار الرجل إلى الخلف، اصطدم بالجدار، سقط.

كانت الفوضى.

القراصنة حاولوا التحرك، لكن المكان كان ضيقاً. لم يستطيعوا استخدام تفوقهم العددي. كانوا يعيقون بعضهم.

رفع بابلو يده مجدداً. ثلاث رصاصات رياح. ثلاث جباه. ثلاث جثث. سقطوا كالدمى المقطوعة.

القراصنة الذين كانوا بعيدين أطلقوا النار. تفادى الرصاص بحركات سريعة. قفز نحو مطلق النار. رصاصة رياح أخرى. اخترقت صدره. سقط.

أحد القراصنة ظن أن لديه فرصة. تقدم من الخلف بسكين طويل. بابلو شعر به دون أن ينظر. استدار في اللحظة المناسبة. أمسك معصم الرجل، ولفه بقوة. سمع صوت كسر. سقط السكين. ثم ركلة في ركبته. سقط على الأرض. ثم رصاصة رياح في مؤخرة رأسه. لم يتحرك.

قرصان آخر حاول استخدام بندقيته من مسافة قريبة. بابلو كان أسرع. خطوة جانبية، ثم دفعة رياح من يده. ارتطم الرجل بالجدار بقوة. سمع صوت طقطقة في عموده الفقري. انهار على الأرض ولم يتحرك.

المعركة استمرت. جثث القراصنة كانت تتراكم على أرضية المطعم. الدماء كانت تغطي كل شيء. الزبناء الآخرون هربوا منذ بداية القتال. النادل كان مختبئاً خلف الطاولة، يرتجف.

أخيراً، لم يبق سوى بابلو وداريوس.

قفز داريوس إلى الأمام. سيفه الطويل انطلق نحو بابلو. لم يكن مثل رجاله. كان أسرع. وأقوى. وأكثر خبرة. السيف قطع الهواء بسرعة مدهشة.

تفادى بابلو الضربة الأولى بانحناءة سريعة. السيف مر فوق رأسه. لكن داريوس لم يتوقف. أدار سيفه في حركة دائرية، محاولاً قطع جانب بابلو.

قفز بابلو إلى الخلف. السيف مر على بعد سنتيمترات من بطنه.

"أنت سريع." قال داريوس. "لكنني لست مثل رجالي."

هجم مجدداً. هذه المرة بسلسلة من الضربات السريعة. ضربة من الأعلى، ثم من الجانب، ثم طعنة مستقيمة. كان داريوس يستخدم خبرته الطويلة في القتال. كان يقرأ تحركات بابلو. كان يحاول حصره في زاوية.

بابلو كان يتفادى و داريوس يضغط عليه بقوة.

"أين قوتك الآن؟!" صرخ داريوس وهو يضغط أكثر.

في لحظة، بين ضربة وأخرى، وجد بابلو ثغرة صغيرة. استغلها. انحنى تحت سيف داريوس. ثم قفز إلى الأمام. كان أقرب مما توقع داريوس.

رفع بابلو يده. أطلق رصاصة رياح من مسافة قريبة جداً.

داريوس تفاداها بصعوبة. انحنى إلى الجانب. الرصاصة مرت بجانب أذنه، تاركة جرحاً سطحياً. لكنه استعاد توازنه بسرعة.

"لطيفة." قال داريوس، وهو يمسح الدم من أذنه. "لكنها لن تنفع مجدداً."

هجم مجدداً. هذه المرة بغضب أكبر. سيفه كان يقطع الهواء بسرعة جنونية. كان يريد إنهاء المعركة بضربة واحدة.

لكن الغضب جعله يخطئ.

ضربة كبيرة من الأعلى إلى الأسفل. كانت قوية. كانت مميتة. لكنها كانت متوقعة.

بابلو لم يتفادها. رفع يده. أمسك السيف من نصله. توقفت الضربة.

اتسعت عينا داريوس. كيف يمكن ليد عارية أن تمسك نصل سيف حاد؟

لم يعلم أن بابلو غطى يده بدرع رياح كثيف. النصل لم يلمس جلده أبداً.

"مستحيل..." همس داريوس.

بابلو ضغط يده. كسر النصل إلى نصفين.

القطعة المكسورة سقطت على الأرض.

نظر داريوس إلى سيفه المكسور. ثم إلى بابلو. ثم إلى جثث رجاله.

كان يعرف أنه خسر.

"أنت...وحش"

لم يرد بابلو.

رفع بابلو إصبعه. أطلق رصاصة رياح واحدة.

اخترقت جبهة داريوس. سقط على ركبتيه أولاً. ثم على وجهه. لم يتحرك.

ساد الصمت.

وقف بابلو في وسط المطعم المدمر. الجتث مرمية في كل مكان. الدماء تحت قدميه. رائحة البارود والموت تملأ المكان.

تنفس بعمق. لم يكن متعباً. لم يكن مصاباً.

التفت إلى النادل المختبئ خلف الطاولة.

"أنا آسف على الفوضى."

أ

خرج بعض المال من جيبه. وضعها على أقرب طاولة سليمة.

"ثمن الطعام. وثمن الأضرار."

ثم مشى نحو الباب. خرج إلى الشارع.

الشمس كانت لا تزال مرتفعة. الناس في الشارع كانوا ينظرون إليه بعيون خائفة. همسات خلفه، نظرات مرعوبة.

2026/06/16 · 22 مشاهدة · 1463 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026