خمسة عشر يوماً.
هذا هو الوقت الذي استغرقه بابلو في رحلته الجوية من جزيرة العطور إلى جزيرة الأشواك.
خمسة عشر يوماً من العزلة في السماء. الرياح كانت أحياناً لطيفة، وأحياناً عاتية. كان يقرأ الكتب التي معه، يعيد قراءة بعضها لأنه لم يعد يملك شيئاً جديداً. تأمل في السماء، في الغيوم، في البحر اللامتناهي تحته. درب قدرته، لم يعد الملل يضايقه كما كان في البداية. أصبح جزءاً من روتينه.
في اليوم الخامس عشر، رأى الجزيرة.
من الجو، بدت سوداء. لم تكن مبالغة. الصخور البركانية الداكنة كانت تغطي الكثير من أراضيها. الدخان كان يتصاعد من عدة أمكنة، ربما من حرائق، ربما من مصاهر أسلحة، ربما من سفن محترقة في الميناء.
الميناء نفسه كان فوضى. سفن متوسطة الحجم راسية بشكل عشوائي، بعضها يحمل أعلام قراصنة، بعضها يحمل أعلاماً غير معروفة، وبعضها لا يحمل أعلاماً على الإطلاق. الرصيف الخشبي كان مكتظاً بالبضائع والصناديق والرجال المسلحين.
بابلو رفع سحبته عالياً. أخفاها بين الغيوم الرمادية. قفز إلى الأرض. هبط على تل صخري خارج المدينة.
نظر إلى الأسفل. كان يرتدي ملابسه السوداء البسيطة. علق مسدسه تحت حزامه. حمل حقيبته على كتفه.
نزل نحو المدينة.
---
ما إن وطأت قدماه شوارع جزيرة الأشواك، حتى سمع الصراخ.
لم يكن صراخاً عادياً. كان صراخ المعركة. صراخ الموت.
توقف. نظر نحو المصدر.
في ساحة واسعة قريبة من الميناء، كان هناك قتال دائر بين طاقمي قراصنة. كل طاقم كان يتكون من حوالي عشرين رجلاً. كانوا يتقاتلون بالسيوف والبنادق والأيدي العارية. الدماء كانت تتطاير في الهواء. الجثث كانت تتساقط على الأرض الباردة.
أحد الطاقمين كان يرفع علماً أسود يحمل جمجمة وعظمتين متقاطعتين. الآخر كان يرفع علماً أحمر يحمل سيفاً مشتعلاً.
لم يعرفهما بابلو. لم يسمع بهما من قبل. لم تكن مكافآتهما عالية بما يكفي لتصل أخبارهما إلى مسامعه.
استمر القتال لدقائق. كانت النهاية سريعة وعنيفة.
الطاقم ذو العلم الأسود هزم الطاقم الآخر. قتلوا كل فرد فيه. لم يبق أحد. الجثث العشرون كانت ملقاة على الأرض. الدماء شكلت بركاً حمراء على الحجارة.
الفائزون وقفوا يلهثون. بعضهم كان يضحك. بعضهم كان يبصق على الجثث. بعضهم بدأ ينهب جيوب القتلى.
ثم عادوا إلى سفينتهم كأن شيئاً لم يحدث.
بابلو كان يراقب من بعيد. لم يتحرك. لم يتدخل. لم يشعر بالاشمئزاز ولا بالغضب. فقط وقف. كان يراقب.
ثم نظر حوله إلى الناس.
في الشوارع المجاورة، كان السكان المحليون قد رأوا كل شيء. كانوا خائفين. كان واضحاً على وجوههم. لكنهم لم يصرخوا. لم يهربوا. لم يفعلوا شيئاً.
كانوا يعودون إلى منازلهم بهدوء، أو يواصلون عملهم كأن شيئاً لم يحدث. كانوا خائفين، لكنهم اعتادوا. لم يعد لديهم ما يفعلونه. هذه هي الحياة في جزيرة الأشواك. هذا هو القانون هنا. لا قانون.
أكمل سيره نحو قلب المدينة.
---
كان منغمساً في أفكاره. يفكر في طبيعة هذا المكان، في الناس الذين يعيشون هنا، في القراصنة الذين يحكمون الشوارع بقوة السلاح.
لم ينتبه.
يد ظهرت من خلفه. أمسكت حقيبته من كتفه. انتزعتها بقوة.
توقف بابلو للحظة. شعر بالحقيبة تختفي من كتفه.
التفت.
رأى رجلاً يركض مبتعداً. كان يرتدي ملابس رثة، وشعره طويلاً غير مهتم به. كان رشيقاً، سريعاً. لم يكن شاباً صغيراً، لكن لياقته كانت جيدة.
النشال.
لم يصرخ بابلو. فقط ركض خلف النشال.
---
النشال كان يعرف شوارع الجزيرة جيداً. لم يركض في الطرقات المفتوحة. قفز على صندوق خشبي. ثم على برميل. ثم تسلق جداراً منخفضاً.
وصل إلى سطح مبنى منخفض.
قفز. هبط على السطح. ثم قفز إلى سطح مجاور.
بدأت المطاردة على الأسطح.
بابلو تبعه دون تردد. قفز على نفس الجدار المنخفض. تسلق. وصل إلى السطح الأول. ركض. قفز إلى السطح الثاني.
كان النشال سريعاً. كان يعرف أين يضع قدميه. كان يقفز بين الأسطح المختلفة: بعضها حجري، بعضها خشبي، بعضها مغطى بالقماش المشمع. كان يتجنب الحواف المتهالكة. كان يعرف أي الأسطح تتحمل وزنه وأيها لا.
لكنه كان بطيئاً مقارنة ببابلو.
اقترب. ثم اقترب أكثر.
النشال نظر خلفه. رأى بابلو على بعد أمتار قليلة فقط. ذُعر. زاد سرعته. قفز إلى سطح أبعد. كاد أن ينزلق على بلاط مكسور. لكنه استعاد توازنه وتابع الركض.
بابلو قفز خلفه. هبط على نفس السطح بثبات. لم ينزلق. لم يتردد.
النشال وصل إلى حافة السطح الأخير. أمامه فجوة واسعة بينه وبين السطح التالي. لم يستطع القفز. كان بعيداً جداً.
توقف. التفت.
بابلو كان خلفه. كان يقترب ببطء. لم يكن يركض الآن. كان يمشي. واثقاً. هادئاً.
النشال نظر حوله. لا مفر. أسطح من كل جانب، لكن الفجوات كانت واسعة. لا يستطيع القفز. لا يستطيع الهروب.
بابلو توقف. كان على بعد خطوات قليلة منه.
"حقيبتي." قال بصوت بارد.
النشال كان يلهث. عيناه كانتا خائفتين. تنفس بصعوبة. عرق كان يتصبب على وجهه.
لكنه لم يستسلم.
بيده المرتجفة، وصل إلى حزامه. أخرج مسدساً صغيراً. صوبه نحو بابلو.
لم يتمكن من إطلاق النار.
رصاصة رياح.
غير مرئية. سريعة جداً. دقيقة جداً.
اخترقت جبهة النشال. خرجت من مؤخرة رأسه.
سقط الرجل على سطح المنزل. تدحرج بضع سنتيمترات نحو الحافة. توقفت عند حافة السطح. لم يتحرك. كان ميتاً.
بابلو نظر إلى الجثة لثانية. ثم مشى نحوها. التقط حقيبته من على كتف الرجل الميت. مسح التراب عنها. علقها على كتفه.
الحقيبة كانت مهمة بالنسبة له فيها الخرائط والمؤشرات والمال الذي احضرهم معه من سوربيت اذا فقدها فسيحتاج وقتا طويلا لتجميع المؤشرات وهذا سيعطله كثيرا.
أدار بابلو ظهره للجثة. قفز من السطح إلى آخر. ثم إلى آخر. نزل تدريجياً حتى وصل إلى الشارع.
كان هادئاً. لم يكن غاضباً. لم يكن متحمساً. كان فقط أنهى ما بدأه الرجل.
أكمل سيره.
دخل المدينة. كان بحاجة إلى مكان لينام فيه. كان بحاجة لمكان يأكل فيه.
مشى في الشوارع المظلمة. حقيبته على كتفه. عيناه تبحثان عن نزل. أو عن أي مكان ليمضي فيه الليل.