استيقظ بابلو مع أول خيوط الشمس المتسللة من نافذة النزل.

الضوء الذهبي كان يلامس وجهه بلطف. نهض من السرير. تمدد. شعر بجسده مرتاحاً بعد ليلة نوم هانئة على سرير ناعم. كانت هذه آخر ليلة له في فيرتوس.

غسل وجهه بالماء البارد من الإبريق الموضوع على المنضدة. ارتدى ملابسه السوداء البسيطة. علق مسدسه تحت حزامه. وضع حقيبته على كتفه.

نزل الدرج الخشبي. دفع أجرة الغرفة لصاحب النزل. خرج إلى شوارع فيرتوس الصباحية.

الهواء كان منعشاً. الشمس كانت لا تزال منخفضة. الناس بدأوا يتحركون في الأسواق. رائحة الخبز الطازج تفوح من المخابز.

"أولاً: الفطور." قال بابلو لنفسه.

---

مشى نحو المقهى الصغير الذي رآه بالأمس. كان يقع في زاوية شارع هادئ، واجهته خشبية قديمة، وطاولات صغيرة على الرصيف. الجلوس في الخارج كان ممتعاً في هذا الطقس اللطيف.

جلس. نادل شاب اقترب مبتسماً.

"صباح الخير. ماذا تريد؟"

"فطور." قال بابلو. "أريد فطائر بالعسل. وفواكه طازجة. وشاي ساخن."

"هل تريد بيضاً أو جبناً؟"

"لا. فقط ما قلته."

ابتعد النادل. عاد بعد دقائق يحمل طبقاً كبيراً.

الفطائر كانت ثلاثاً، ذهبية اللون، هشة، تتصاعد منها رائحة الزبدة والعسل. كان العسل يسيل على جوانبها ببطء. الفواكه الطازجة كانت متنوعة: فراولة حمراء زاهية، شرائح برتقال ذهبية، وعنب بنفسجي. وشاي ساخن في إبريق صغير من الفخار.

بدأ بابلو بتناول الفطائر أولاً. قطع قطعة صغيرة بشوكته. غمسها في العسل. وضعها في فمه.

كانت لينة، حلوة، دافئة. العسل كان طبيعياً، ثقيلاً، غنياً بالمذاق. أغمض عينيه للحظة وهو يمضغ.

ثم تناول الفواكه. الفراولة كانت حامضة قليلاً لكنها لذيذة. البرتقال كان حلواً وعصيرياً. العنب كان يفرقع في فمه.

شرب الشاي ساخناً. كان خفيفاً، عطراً، يريح الحلق.

لم يتعجل. كان يستمتع بكل قضمة. بكل رشفة.

بعد أن انتهى، ترك بقشيشاً كبيراً. شكر النادل. ثم نهض.

"الآن: المؤن." قال.

---

توجه إلى سوق الطعام في قلب المدينة. كان السوق مزدحماً في هذا الوقت من الصباح. الباعة ينادون على بضائعهم. النساء يفحصن الخضروات والفواكه. رائحة التوابل والأعشاب تملأ المكان.

بابلو تجول بين البسطات. كان يبحث عن شيء محدد: طعام لا يفسد بسرعة. طعام يمكنه حمله في حقيبته لأيام.

توقف عند باعة اللحم المجفف. كان هناك أنواع مختلفة: لحم بقري مجفف، لحم خروف مجفف، ولحم طير مجفف. اشترى كميات من كل نوع. كان اللحم مقطعاً إلى شرائح رقيقة، مملحاً قليلاً، ومجففاً تحت الشمس. سيظل صالحاً للأكل لأسابيع.

توقف عند بائع المكسرات. اشترى لوزاً، جوزاً، كاجو، وبندق. كلها محمصة قليلاً، مالحة، ومقرمشة.

توقف عند بائع الفواكه المجففة. اشترى تمراً، تيناً مجففاً، ومشمشاً مجففاً. كانت حلوة، لزجة، ومليئة بالطاقة.

توقف عند بائع الخبز. اشترى أرغفة خبز يابس، مصنوعة خصيصاً للرحلات الطويلة. كانت قاسية، لكنها لا تفسد.

أخيراً، اشترى زجاجات ماء كبيرة. كان يحتاج إلى الماء أكثر من أي شيء آخر.

وضع كل شيء في حقيبته. أصبحت ثقيلة جداً. لكنه اعتاد على الحمل.

خرج من السوق. كان مستعداً للرحيل.

---

ابتعد عن أعين الناس.

مشى خارج المدينة، نحو الجرف الصخري حيث هبط قبل يومين. المكان كان خالياً. لا أحد.

نظر إلى السماء.

بعد لحظات، تحركت السحابة من بين السحب العالية. نزلت تدريجياً. كانت رمادية داكنة، كثيفة، أبعادها ثلاثة في ثلاثة أمتار. كانت تنتظره هناك.

هبطت السحابة بجانبه. قفز عليها برشاقة. تمايلت قليلاً تحت ثقل الحقيبة. لكنها ثبتت.

وقف عليها. نظر إلى فيرتوس للمرة الأخيرة.

كانت جميلة تحت ضوء الصباح. المباني البيضاء، الأسقف الحمراء، البحر الأزرق. الناس بدأوا يومهم. البحارة رفعوا مراسي سفنهم.

لن يعود إلى هنا قريباً. ربما أبداً.

لكنه لم يحزن. لم يكن وقت الحزن.

"إلى الغرب." قال بصوت منخفض.

أشار. تحركت السحابة. انطلقت نحو جزيرة العطور.

---

الرحلة استغرقت أسبوعاً.

أسبوع من العزلة في السماء. أسبوع من القراءة. أسبوع من اللحم المجفف والمكسرات والفواكه المجففة. أسبوع من البحث عن صخور للنوم عليها.

لم تكن الرحلة صعبة مثل السابقة. كان قد اعتاد على الملل. اعتاد على الكتب. اعتاد على النوم على الحجر البارد.

قرأ كتاباً عن تاريخ الأزرق الجنوبي. كان ممتعاً. تعلم أشياء جديدة عن ممالك قديمة انهارت، وعن قراصنة أسطوريين أبحر في هذه المياه قبل اجيال.

في اليوم السابع، رأى الأرض.

---

جزيرة العطور.

كانت خضراء. خضراء جداً. غابات كثيفة تغطي التلال. أزهار ملونة تزين السهول. ومن بعيد، حتى قبل أن يهبط، شم رائحة الزهور.

كانت رائحة عطرة، خفيفة، تملأ الهواء. مزيج من الورد، الياسمين، والخزامى. الرائحة كانت قوية جداً لدرجة أنه شعر وكأنه يستنشق عطراً سائلاً.

"هذه هي." قال.

رفع سحبته عالياً. أخفاها بين الغيوم البيضاء. قفز إلى الأرض. هبط في حقل أزهار على مشارف المدينة.

استنشق بعمق. الرائحة كانت ساحرة.

"يا له من مكان." تمتم.

مشى نحو المدينة.

---

جزيرة العطور كانت هادئة.

لم تكن مزدحمة مثل فيرتوس. لم يكن فيها ميناء كبير، ولا جنود بحرية في كل زاوية. فقط منازل بيضاء صغيرة، شوارع مرصوفة بالحصى، وناس يبتسمون لبعضهم.

بابلو شعر بالاسترخاء فور وصوله. لا صراعات. لا تهديدات. لا خطط. فقط هو وهذه الجزيرة العطرة.

استأجر غرفة في نزل صغير. خلع حقيبته الثقيلة. جلس على السرير لبعض الوقت. ثم خرج يتجول.

اليوم الأول كان للاستكشاف.

مشى في شوارع المدينة. اشترى خبزاً طازجاً من مخبز صغير. اشترى فاكهة غريبة لم يرها من قبل من بائع متجول. جلس في مقهى صغير، شرب قهوة سوداء سادة، وتفرج على الناس.

دخل متجراً صغيراً في زاوية شارع هادئ. الجدران كانت مغطاة بأرفف خشبية، وعليها مئات الزجاجات الصغيرة. ألوان مختلفة، أحجام مختلفة، روائح مختلفة.

البائع كان رجلاً عجوزاً، ذا لحية بيضاء كثيفة، وعينين زرقاوين لامعتين.

"مرحباً بك في جزيرتنا." قال بصوت دافئ. "هل تبحث عن شيء خاص؟"

"أريد عطوراً." قال بابلو. "أفضلها عندك."

ابتسم العجوز. "لدينا الكثير. لكن دعني أسألك: لمن العطر؟"

"لنفسي."

فهم العجوز. "إذاً دعني أوجهك."

بدأ يشرح. هذا العطر برائحة خشبية، قوي، يناسب الرجال الذين يحبون الجرأة. هذا العطر برائحة حمضيات، منعش، يناسب الشباب. هذا العطر برائحة زهرية، ناعم، لكنه ليس أنثوياً جداً.

بابلو استمع. جرب بعض الزجاجات. وضع قطرة على معصمه، شم، قرر.

اشترى ثلاث زجاجات. واحدة برائحة خشبية قوية. واحدة برائحة حمضيات منعشة. وواحدة برائحة غريبة تجمع بين العنبر والتبغ.

دفع ثمناً باهظاً. وشعر انه تم النصب عليه لكنه لم يهتم. كان العطر جيداً.

في اليوم الثاني، تجول أكثر.

زار حقول الأزهار خارج المدينة. كانت تمتد بقدر ما تراه العين. أزهار اللافندر البنفسجية، أزهار الورد الحمراء، أزهار الياسمين البيضاء. النحل يطن بينها. الفراشات ترفرف.

جلس على تلة صغيرة. نظر إلى الحقول. إلى السماء الزرقاء. إلى السحب البيضاء.

أخرج دفتره الصغير. كتب:

"جزيرة العطور: جميلة جداً. الرائحة لا توصف. الناس طيبون. العطور رائعة. سأعود يوماً ما إذا سنحت الفرصة."

وضع الدفتر في جيبه.

في المساء، تناول عشاء خفيف في مطعم صغير على شاطئ البحر. سمك مشوي، أرز، وسلطة خضراء. ونبيذ أبيض بارد. كان الطعام بسيطاً لكنه لذيذ.

مشى على الشاطئ بعد العشاء. الرمال كانت بيضاء ناعمة. الأمواج كانت هادئة. القمر كان بدراً، يضيء البحر بفضة سائلة.

فكر في الغد. في رحلته.

كان بحاجة إلى تحديد وجهته التالية.

---

عاد إلى النزل. جلس على السرير. أخرج الخريطة.

مدها أمامه. كان ضوء المصباح خافتاً، لكنه كافٍ.

تأمل الخريطة. كان أمامه عدة خيارات. لكن عينيه توقفت عند جزيرة كانت بعيدة نسبياً، لكنه أراد الذهاب إليها.

اسمها: جزيرة الأشواك.

لم تكن جزيرة عادية. لم تكن هادئة مثل فيرتوس أو جزيرة العطور. كانت مشهورة بشيء واحد: الخروج عن القانون.

لم تكن هناك بحرية. كانت تعج بالقراصنة، والصيادين، وتجار الأسلحة، والمجرمين الهاربين. لم تكن جزيرة للضعفاء.

قرر بابلو الذهاب إليها.

لم يكن بحاجة إلى شيء محدد هناك. لم يكن يبحث عن قتال أو صفقة. فقط أراد أن يرى. أراد أن يعرف كيف تبدو الأماكن الخارجة عن القانون. كيف يعيش الناس هناك. كيف يدير القراصنة أمورهم.

وضع إصبعه على جزيرة الأشواك. ثم رسم خطاً وهمياً من جزيرة العطور إليها.

2026/06/09 · 37 مشاهدة · 1184 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026