ثلاثة عشر يوماً.

هذا هو الوقت الذي استغرقه بابلو في رحلته الجوية من سوربيت إلى فيرتوس.

ثلاثة عشر يوماً من العزلة في السماء. لا أحد يتحدث معه. لا شيء يحدث. فقط السحابة السوداء تحته، والغيوم البيضاء حوله، والسماء الزرقاء فوقه.

في البداية، كان الشعور جديداً. الحرية، الهواء النقي، المنظر من الأعلى. كان يشعر وكأنه سيد العالم.

لكن بحلول اليوم الثالث، بدأ الملل يتسرب إليه.

لم يكن هناك شيء ليفعله سوى الجلوس، والنظر إلى الأفق، والتفكير. كان يفكر في الماضي، في فيرونا، في ناراكا، في سوربيت. كان يفكر في ماركو، وجيني، وكوما، ودارين...

الملل كان قاتلاً تقريباً.

لهذا، لجأ إلى الكتب.

كان أخذ معه عدة كتب من مكتبة القصر قبل مغادرته. كتب عن تاريخ العالم، عن جغرافية الأزرق الجنوبي، عن فواكه الشيطان، وعن رحلات بحارة مشهورين. إلى جانب روايات وقصص كان يقرأها للتسلية فقط عندما يتعب عقله من المعلومات الجادة.

قرأ ساعة. ثم ساعتين. ثم أربع ساعات.

أصبحت القراءة عادته اليومية. يستيقظ مع شروق الشمس، يأكل القليل من اللحم المجفف، يشرب رشفة ماء، ثم يفتح كتاباً. يقرأ حتى يحل الظهيرة. ثم يتوقف قليلاً ليتأمل المنظر. ثم يعود للقراءة حتى المساء.

الملل لم يختفِ تماماً، لكن الكتب جعلته يتحمل.

عند المساء، كان يبدأ بالبحث عن مكان للنوم.

لم يستطع النوم على السحابة. لا يمكنه التحكم في الرياح لكي ترفع السحابة وهو نائم.

لذلك، كان يخفض سحابته تدريجياً حتى يقترب من سطح الماء. كان يبحث عن صخرة كبيرة ناتئة من البحر، أو جزيرة صغيرة جداً لا يسكنها أحد، أو شاطئ رملي ضيق عند قدم جرف صخري.

في الليلة الخامسة، وجد صخرة مسطحة بحجم غرفة صغيرة. هبط عليها. فرش سترته على الحجر البارد. استلقى. نظر إلى النجوم. كان هادئاً.

لكن في منتصف الليل، استيقظ على قطرات ماء باردة تتساقط على وجهه.

مطر.

السماء كانت تمطر فوقه مباشرة. الغيوم كانت قد تجمعت دون أن ينتبه.

تمتم بكلمات نائمة. رفع يده بكسل. حرك أصابعه قليلاً. توقف المطر. تفرقت الغيوم وعادت السماء صافية.

أدار جسده على الجانب الآخر. عاد إلى النوم.

في الصباح، استيقظ مع شروق الشمس. لم يتذكر الحادثة إلا عندما رأى بقعة مبللة على سترته. ابتسم. ثم تناول فطوره. ثم انطلق مجدداً.

وهكذا مرت الأيام. يقرأ. يطير. يبحث عن صخرة لينام عليها. يتوقف عن المطر إذا هطل. ثم يبدأ من جديد.

في اليوم الثالث عشر، رأى الأرض في الأفق.

جزيرة فيرتوس.

---

كانت فيرتوس جميلة من الجو. بيضاء وخضراء، وشواطئها الذهبية تلمع تحت الشمس. المباني البيضاء المنتشرة على التلال، وأبراج الجرس تعلو بعض الكنائس القديمة. الميناء كان كبيراً مليئاً بالسفن. والأسواق كانت مزدحمة حتى من هذا الارتفاع.

بابلو رفع سحبته عالياً. اخترق الغيوم البيضاء حتى أصبح بعيداً عن أعين الناس. ثم قفز من السحابة إلى أعلى جرف صخري خارج المدينة. أخفت الغيوم السحابة في السماء. ستبقى هناك تنتظره.

نزل من على الجرف بحذر. كان يرتدي ملابسه السوداء البسيطة. علق مسدسه تحت حزام سرواله.

حمل حقيبته على كتفه. كانت أخف بكثير مما كانت عليه قبل أحد عشر يوماً. الطعام والماء كانا قد نفدا تقريباً. كان بحاجة إلى تجديد مؤنه.

مشى نحو المدينة. كان الجو دافئاً. الناس يتحركون في كل الاتجاهات. ضحكات الأطفال تملأ الشوارع. رائحة الخبز الطازج تفوح من المخابز.

"أولاً: الطعام." قال بابلو لنفسه.

---

سأل أحد المارة عن مطعم جيد. أشار الرجل نحو شارع ضيق ملاصق للسوق الكبير.

"مطعم 'الموج الأزرق'. أشهر مطعم في فيرتوس. لن تندم."

شكر بابلو الرجل ومشى في الاتجاه المشار إليه.

المطعم كان متوسط الحجم، واجهته خشبية قديمة، ونوافذه مفتوحة على الشارع. كان المطعم ممتلئاً تقريباً، لكن نادل شاب أشار له إلى طاولة صغيرة في الزاوية.

جلس. مد رجليه تحت الطاولة. كان مرتاحاً.

تقدم النادل. كان شاباً في العشرينات، وجهه بشوش، وابتسامته سريعة.

"ماذا تريد؟"

"أفضل ما عندكم."

"لدينا حساء السمك الطازج، سمك مشوي بالأعشاب، وخبز بالثوم."

"كل هذا."

"وشراب؟"

"ماء بارد. وكأس نبيذ أحمر."

دوّن النادل الطلب وابتعد.

بابلو نظر حوله. المطعم كان نظيفاً. الزبائن كانوا مختلفين: بحارة، تجار، عائلات، وجنود بحرية في زاوية بعيدة. كانوا يأكلون ويضحكون ويتحدثون. الحياة طبيعية هنا. بعيدة عن صراعات السلطة التي اعتاد عليها.

بعد دقائق، عاد النادل يحمل طبقاً كبيراً.

بدأ الحساء. كان دافئاً، غنياً، مذاقه معقد ولذيذ. أكل ببطء. استمتع بكل ملعقة. بعد أحد عشر يوماً من اللحم المجفف والخبز اليابس، كان هذا الحساء أشبه بالجنة.

ثم جاء السمك المشوي. كان طرياً، متبل بالأعشاب بشكل مثالي. الجلد كان مقرمشاً، واللحم كان يتفتت في فمه.

والخبز بالثوم كان مقرمشاً من الخارج، طرياً من الداخل، يقطر زبدة بالثوم.

لم يتكلم بابلو أثناء الأكل. لم يكن بحاجة إلى ذلك. كان بحاجة إلى هذا الطعام فقط.

بعد أن انتهى، شرب كأس النبيذ الأحمر ببطء. كان ممتازاً.

النادل عاد. "هل تريد حلوى؟"

"لا. فقط الفاتورة."

دفع بابلو. ترك بقشيشاً سخياً. خرج من المطعم وهو يشعر بالشبع لأول مرة منذ أيام.

---

خرج إلى شوارع فيرتوس. لم يكن بحاجة إلى الذهاب إلى أي مكان محدد. كان يريد فقط أن يتجول. أن يرى. أن يستمتع.

المدينة كانت جميلة.

المباني البيضاء ذات الأسقف الحمراء كانت تصطف على جانبي الشوارع المرصوفة بالحصى. النوافذ الخشبية المزينة بالورود، والأبواب الزرقاء الداكنة. أبراج الكنائس القديمة تعلو بين الحين والآخر.

والناس.

النساء كانت ترتدي فساتين خفيفة، تتحرك بخفة، وتضحك مع بعضها. شعرهن يتطاير مع النسيم القادم من البحر.

الأسواق كانت مزدحمة. باعة متجولون يعرضون بضائعهم. أحدهم كان يبيع حلوى القطن بألوان زاهية. آخر كان يبيع أساور جلدية مصنوعة يدوياً. وآخر كان يبيع فواكه غريبة لم يرها بابلو من قبل.

توقف عند بائع متجول يبيع مشروباً بارداً لونه أحمر. اشترى كوباً. شرب. كان حلواً ومنعشاً.

مشى مجدداً. تجول في سوق السمك، حيث كانت رائحة البحر قوية. في سوق الخضار، حيث الألوان الزاهية للفواكه والخضروات. في سوق الحرفيين، حيث كان رجل ينحت الخشب أمام عينيه.

استمتع بكل شيء.

لم يكن في عجلة من أمره. لم يكن يبحث عن شيء محدد. كان فقط هناك. يعيش اللحظة.

في منتصف تجواله، اشترى خبزاً طازجاً من مخبز صغير، وأكله وهو يمشي. كان ساخناً، مقرمشاً، ولذيذاً.

توقف عند نافورة قديمة في ساحة صغيرة. جلس على حافتها. نظر إلى المياه وهي تتدفق. نظر إلى الأطفال وهم يلعبون حوله. نظر إلى السماء الزرقاء.

أخرج دفتره الصغير من جيبه. كتب بضع كلمات عن فيرتوس: جميلة، نظيفة، الناس طيبون. البحرية موجودة لكنها ليست متسلطة.

ثم وضع الدفتر في جيبه مجدداً.

كان يوماً جيداً.

---

عند المساء، عاد بابلو إلى نفس المطعم. هذه المرة، جلس في الخارج. الهواء كان لطيفاً، والشمس بدأت تغرب.

طلب وجبة عشاء مختلفة: حساء الفطر، لحم مشوي مع الخضار، وخبز الجبن. وكأس نبيذ أحمر آخر.

أكل ببطء. استمتع. عندما انتهى، كان الظلام قد حل. السماء كانت مليئة بالنجوم.

سأل النادل عن نزل قريب ونظيف. أشار إليه نحو شارع جانبي.

مشى بابلو إلى النزل. كان مبنى صغيراً من ثلاثة طوابق، واجهته بيضاء، وأضواء صفراء دافئة تتسلل من النوافذ. دخل. استأجر غرفة في الطابق الثاني.

صعد الدرج الخشبي الذي صرير تحت قدميه. فتح باب الغرفة.

كانت صغيرة. سرير واحد، منضدة خشبية، خزانة ملابس ضيقة، ونافذة تطل على السوق الليلي. بسيطة لكنها نظيفة.

أغلق الباب. وضع حقيبته على الأرض. جلس على السرير.

أخرج الخريطة من حقيبته. مدها على السرير أمامه. بدأ يتأمل.

كان بحاجة إلى تحديد وجهته التالية.

بعد فيرتوس، إلى أين؟

نظر إلى الخريطة. كانت جزر الأزرق الجنوبي منتشرة أمامه. بعضها كان كبيراً ومعروفاً. بعضها كان صغيراً.

توقعت عيناه عند جزيرة في الطرف الشرقي للأزرق الجنوبي. كانت بعيدة نسبياً، لكنها في طريقه نحو الحزام الهادئ.

اسمها: جزيرة العطور.

لم تكن جزيرة كبيرة. ولا مشهورة بتجارة أو صراعات. كانت تشتهر بشيء واحد فقط: صناعة العطور. كانت تعرف برائحتها الزكية التي تفوح منها حتى قبل وصول السفن إلى مينائها.

كانت جزيرة هادئة. جميلة. يعيش فيها الناس بسلام.

لماذا اختارها بابلو؟

لأنها أكثر جزيرة أثارت اهتمامه من الجزر التالية في طريقه.

وضع إصبعه على جزيرة العطور على الخريطة. ثم رسم خطاً وهمياً من فيرتوس إليها.

كانت المسافة بعيدة. لكنه لم يكن في عجلة.

"جزيرة العطور." قال بصوت منخفض. "سأراك بعد بضعة أيام."

طوى الخريطة. وضعها في حقيبته.

استلقى على السرير. كان ناعماً. دافئاً. أفضل بكثير من الصخور الباردة في عرض البحر.

نظر إلى السقف الخشبي. كان يفكر في الغد. سيتجول قليلاً في فيرتوس في الصباح، يشتري مؤناً جديدة، ثم ينطلق نحو جزيرة العطور.

لكن الآن... كان بحاجة إلى النوم.

أغمض عينيه.

نام بسرعة.

ولم يحلم بشيء.

2026/06/09 · 37 مشاهدة · 1288 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026